
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التراحم من منظور الإسلام
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن التَّرَاحُمَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ عَابِرَةٍ أَوْ شُعُورٍ وِجْدَانِيٍّ، بَلْ هُوَ رَكِيزَةٌ أَسَاسِيَّةٌ بُنِيَ عَلَيْهَا صَرْحُ التَّشْرِيعِ، فَمِنَ التَّيْسِيرِ فِي الْعِبَادَاتِ إِلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَالْحَيَوَانِ، يَتَجَلَّى الْإِسْلَامُ كَرِسَالَةٍ عَالَمِيَّةٍ لِلرَّحْمَةِ. حِينَ يَتَرَاحَمُ الْعِبَادُ، يَذُوبُ الْجَفَاءُ وَتَسْتَقِيمُ شُؤُونُ الْحَيَاةِ، وَتَتَحَوَّلُ الْمُجْتَمَعَاتُ مِنْ غَابَةٍ يَسُودُهَا الْقَوِيُّ إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَتَأَلَّمُ لِكُلِّ عُضْوٍ فِيهِ، مُحَقِّقًا بِذَلِكَ الْغَايَةَ الْأَسْمَى مِنَ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
● فِي عَالَمِ الْقَسْوَةِ… الرَّحْمَةُ مَلَاذُنَا الْأَخِيرُ.
· نَعِيشُ زَمَانًا قَسَتْ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَجَفَّتْ فِيهِ الْمَشَاعِرُ وَكَلَحَتْ فِيهِ الْوُجُوهُ وَقَلَّتْ يَنَابِيعُ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى جَفَّتْ مَوَدَّةُ الْجَارِ لِجَارِهِ وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَالزَّوْجَةِ لِبَعْلِهَا،
فِي هَذَا التِّيهِ، لَا عَاصِمَ لَنَا إِلَّا التَّرَاحُمُ؛ فَهُوَ الَّذِي يُصْلِحُ مَا أَفْسَدَهُ الْجَفَاءُ، وَيُبَدِّلُ أَنَانِيَّةَ “الْأَنَا” بِإِيثَارِ “نَحْنُ”، لِتَغْدُوَ الْعَلَاقَةُ بَذْلًا لَا أَخْذًا، إِنَّ الرَّحْمَةَ وَالتَّرَاحُمَ هُمَا جِمَاعُ كُلِّ جَمَالٍ فِي الْحَيَاةِ، لَوْ تَغَلْغَلَا فِي قُلُوبِنَا، وَتَجَسَّدَا فِي سُلُوكِنَا وَحَيَاتِنَا وَبُيُوتِنَا، لَاسْتَقَامَتْ أُمُورُنَا، وَلَذُقْنَا طَعْمَ السَّعَادَةِ الْحَقَّةِ وَالْحَيَاةِ الْهَنِيئَةِ.
إنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ فَضِيلَةٍ، بَلْ هِيَ ضَرُورَةُ بَقَاءٍ؛ بِهَا تَصْلُحُ الْبُيُوتُ، وَتَذُوبُ الْأَنَانِيَّةُ، فَبِالرَّحْمَةِ يُصَانُ الضَّعِيفُ، وَيُكْفَلُ الْمُحْتَاجُ، وَيُقَوَّمُ الْمُخْطِئُ بِالرِّفْقِ لَا بِالْعُنْفِ.
بِهَذَا التَّرَاحُمِ تَصِيرُ تِلْكَ الْأُمَّةُ النَّابِضَةُ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». <الْبُخَارِيُّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ>
إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِاسْتِرْدَادِ إِنْسَانِيَّتِنَا؛ فَإِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ بِحَيَوَانٍ قَدْ فَتَحَتْ أَبْوَابَ الْمَغْفِرَةِ، فَكَيْفَ بِرَحْمَتِنَا بِالْإِنْسَانِ؟
فَهَذِهِ بَغِيٌّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ عَطَشًا، فَسَقَتِ الْمَرْأَةُ الْكَلْبَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا ذُنُوبَهَا، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ:
إِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ بِالْكِلَابِ *** تَغْفِرُ الْخَطَايَا لِلْبَغَايَا
فَكَيْفَ تَصْنَعُ الرَّحْمَةُ *** بِمَنْ وَحَّدَ رَبَّ الْبَرَايَا؟
● دِينُنَا دِينُ الرَّحْمَةِ
أَيُّهَا الْأَفَاضِلُ:
بُعِثَ الْإِسْلَامُ رِسَالَةَ رَحْمَةٍ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ، كَمَا شَهِدَ بِذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 107]. إِنَّهُ دِينٌ يَأْمُرُ بِالرِّفْقِ، وَيَزْجُرُ عَنِ الْقَسْوَةِ، وَيُنَشِّئُ أَتْبَاعَهُ عَلَى اللِّينِ وَالْإِحْسَانِ. قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»، فَالرَّحْمَةُ خُلُقٌ عَظِيمٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَبِهَا تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ، وَتَصْفُو الْعَلَاقَاتُ بَيْنَ النَّاسِ.
● مَنْزِلَةُ الرَّحْمَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
· لِلرَّحْمَةِ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَقَدِ انْفَرَدَتْ صِفَةُ الرَّحْمَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالصَّدَارَةِ، وَبِفَارِقٍ كَبِيرٍ عَنْ أَيِّ صِفَةٍ أُخْرَى، فَبَيْنَمَا تَكَرَّرَتْ صِفَةُ الرَّحْمَةِ بِمُشْتَقَّاتِهَا ثَلَاثَ مِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً، جَاءَتْ صِفَةُ الصِّدْقِ مَثَلًا مِائَةً وَخَمْسًا وَأَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَجَاءَتْ صِفَةُ الصَّبْرِ تِسْعِينَ مَرَّةً، وَجَاءَتْ صِفَةُ الْعَفْوِ ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَجَاءَتْ صِفَةُ الْأَمَانَةِ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَجَاءَتْ صِفَةُ الْوَفَاءِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، وَهَكَذَا! وَهَذَا لَيْسَ مُصَادَفَةً بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ أُمُورٌ عَشْوَائِيَّةٌ فِي كِتَابِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا بَاطِلَ فِيهِ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ وَحَرْفٍ فِيهِ نَزَلَ لِهَدَفٍ.
لِذَلِكَ اهْتَمَّ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ بِذِكْرِ هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالتَّأْكِيدِ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثَ عِدَّةٍ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” <الْبُخَارِيُّ>،
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: “جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا؛ فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ” <الْبُخَارِيُّ>، وَتَوَعَّدَ ﷺ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَرْحَمُونَ أَنَّهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ:” لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ” <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>،
وَقَالَ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ:” أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ” <مُسْلِمٌ>.
⚫ اللَّهُ وَالرَّحْمَةُ
(رَحْمَةُ اللَّهِ)
• افْتَتَحَ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
• وَكَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: “إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي” <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
· وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْلَأُ الْقُلُوبَ سَكِينَةً، وَيَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ الْحَيَاةَ بَعْدَ الْيَأْسِ، هُوَ الْإِيقَانُ بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ رَحْمَتُهُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ:
قَالَ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الْأَعْرَافِ: 156]. فَهِيَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ تَغْمُرُ الْخَلْقَ؛ بَرَّهُمْ وَفَاجِرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَخُصُّ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْمَآبِ وَالْمَعَادِ.
فَمَا أَرْحَمَ اللَّهَ وَمَا أَرْأَفَهُ! هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. وَلَوْلَا رَحْمَةُ اللَّهِ لَمَا عِشْنَا، وَلَوْلَا رَحْمَتُهُ لَعُوقِبْنَا عَلَى ذُنُوبِنَا فِي حِينِهَا، وَلَكِنَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: 54]، غَفُورٌ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ كُلِّهِمْ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: (أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا).
فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَرْحَمُ بِنَا مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا.
وَانْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمَشْهَدِ الْعَمِيقِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا». <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ>
⚫ مِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ.
· أَخْبَرَنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ رَحْمَتَهُ تَسْبِقُ غَضَبَهُ، وَأَنَّ لَهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَرْضِ يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، وَادَّخَرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>. وَمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ نُزُولُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِكْرَامًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَضَاءً لِحَاجَاتِ السَّائِلِينَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
⚫ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّشْرِيعِ وَالتَّكْلِيفِ
• بَنَى اللَّهُ هَذَا الدِّينَ عَلَى الْيُسْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78].
⚫ رَحْمَةُ اللَّهِ فِي الْعِبَادَاتِ – مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا عِبَادَةً إِلَّا وَجَعَلَ فِيهَا الرَّحْمَةَ وَالرُّخْصَةَ.
● فِي الصَّلَاةِ:
قَالَ ﷺ: “إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ” <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
• وَكَانَ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ خَفَّفَ صَلَاتَهُ رَحْمَةً بِأُمِّهِ <الْبُخَارِيُّ>.
· وَقَالَ ﷺ: “صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ” <الْبُخَارِيُّ>.
● فِي الصِّيَامِ:
قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [الْبَقَرَةِ: 184].
• وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي رَحْمَةً بِهَا وَبِوَلَدِهَا.
● فِي أَحْكَامِ التَّخْفِيفِ:
• الْمَرِيضُ يُفْطِرُ، وَالْمُسَافِرُ يَقْصُرُ، وَالْعَاجِزُ يُصَلِّي قَاعِدًا.
• وَشَرَعَ التَّيَمُّمَ رَحْمَةً بِالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النِّسَاءِ: 43].
● فِي الزَّكَاةِ:
· جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَرَحْمَةً بِالْفَقِيرِ، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التَّوْبَةِ: 103].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذَّارِيَاتِ: 19].
● فِي الْحَجِّ:
قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آلِ عِمْرَانَ: 97].
وَقَدْ قَيَّدَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ رَحْمَةً بِالضَّعِيفِ وَالْفَقِيرِ.
وَقَالَ ﷺ: “إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ” <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
• وَمَنْ عَجَزَ بَدَنُهُ وَمَالُهُ سَقَطَ عَنْهُ.
⚫ سَعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ:
قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزُّمَرِ: 53].
وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةَ بِمِثْلِهَا وَقَدْ تُمْحَى.
· وَقَالَ ﷺ: “مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ. <أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (130)>
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: “يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي” <التِّرْمِذِيُّ، صَحِيحٌ>.
هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْعِبَادِ فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ وَالتَّكْلِيفِ.
فَانْظُرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ: رَبُّكَ يَبْدَأُ كِتَابَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَيَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَيُرِيدُ بِكَ الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.
فَأَيُّ دِينٍ فِي الْأَرْضِ رَاعَى أَحْوَالَ الْعِبَادِ كَالْإِسْلَامِ، فَأَسْقَطَ عَنِ الْمَرِيضِ، وَخَفَّفَ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَرَخَّصَ لِلْعَاجِزِ؟
هَذَا هُوَ دِينُكَ، دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْيُسْرِ، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَاسْأَلْهُ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ.
◾ نَمَاذِجُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ
· رَحْمَتُهُ أَيُّهَا السَّادَةُ: وَجَدَهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي النَّارِ ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 69]،
وَوَجَدَهَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الطُّوفَانِ عِنْدَمَا كَانَتِ الْأَمْوَاجُ كَالْجِبَالِ: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هُودٍ: 43]،
وَوَجَدَهَا يُوسُفُ فِي الْجُبِّ وَفِي الْمُلْكِ، وَفِي السِّجْنِ، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يُوسُفَ: 91]،
وَوَجَدَهَا يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 87]،
وَوَجَدَهَا مُوسَى طِفْلًا فِي الْيَمِّ: وَهُوَ مُجَرَّدٌ مِنْ كُلِّ قُوَّةٍ وَمِنْ كُلِّ حِرَاسَةٍ، كَمَا وَجَدَهَا فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طَهَ: 39]
وَوَجَدَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي الْغَارِ: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التَّوْبَةِ: 40].
وَجَدَهَا فِي الْغَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ، وَفِي بَدْرٍ، وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ
وَيَجِدُهَا كُلُّ مَنْ أَوَى إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَدَعَاهُ بِقَلْبٍ مُخْبِتٍ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الْكَهْفِ: 10]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 8].
⚫ الْأَنْبِيَاءُ وَالرَّحْمَةُ.
· لَقَدْ تَجَسَّدَتِ الرَّحْمَةُ فِي خُلُقِ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَانُوا قِمَّةً فِي الرَّأْفَةِ.
● مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالرَّحْمَةُ.
· عَنِ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: يَا مُوسَى، أَتُرِيدُ أَنْ أُقَرِّبَ مَجْلِسَكَ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَلَا تَنْهَرِ السَّائِلَ، وَلَا تَقْهَرِ الْيَتِيمَ، وَجَالِسِ الضُّعَفَاءَ، وَارْحَمِ الْمَسَاكِينَ، وَأَحِبَّ الْفُقَرَاءَ، وَلَا تَفْرَحْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَالِ تُقَسِّي الْقَلْبَ… يَا مُوسَى، كُنْ لَيِّنَ الْجَانِبِ، فَإِنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَيَّ الَّذِي فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، وَفِي لِسَانِهِ جَفَاءٌ، وَفِي قَلْبِهِ قَسْوَةٌ، وَأَحَبَّ الْأَخْلَاقِ إِلَيَّ الرَّحْمَةُ وَالْعَطْفُ وَالرَّأْفَةُ وَالرِّقَّةُ» <حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ>.
● مُحَمَّدٌ ﷺ وَالرَّحْمَةُ.
وَأَمَّا نَبِيُّ الْإِسْلَامِ ﷺ فَقَدْ وَصَفَهُ رَبُّهُ بِالرَّحْمَةِ فَقَالَ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: 128].
• وَمِنْ رَحْمَتِهِ ﷺ الشَّفَقَةُ عَلَى أَضْعَفِ الْخَلْقِ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ: «إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ>.
• وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 107]. وَهُوَ الْقَائِلُ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ». <الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ>.
” لَقَدْ بَلَغَتْ رَحْمَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِأُمَّتِهِ حَدًّا لَا يَتَخَيَّلُهُ عَقْلٌ، حَتَّى إِنَّ الْأَمْرَ وَصَلَ إِلَى خَوْفِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ!!
وَمَعَ أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ وَالتَّبَتُّلَ إِلَيْهِ أَمْرٌ مَحْمُودٌ مَرْغُوبٌ، بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، لَكِنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْشَى عَلَى أُمَّتِهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْأَمْرِ فَيَفْتَقِدُونَ التَّوَازُنَ فِي حَيَاتِهِمْ، أَوْ يَصِلُ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى الْمَلَلِ وَالْكَسَلِ، أَوْ يَصِلُ بِهِمُ الْحَدُّ إِلَى الْإِرْهَاقِ الزَّائِدِ عَنْ طَاقَةِ الْإِنْسَانِ، لِذَلِكَ رَأَيْنَاهُ كَثِيرًا مَا يُعْرِضُ عَنْ عَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، مُقَرَّبٍ إِلَى قَلْبِهِ، مُحَبَّبٍ إِلَى نَفْسِهِ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِخَوْفِهِ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ فَيُعْنِتَهُمْ وَيَشُقَّ عَلَيْهِمْ، تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ: “إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ” <الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ>.
وَلِذَلِكَ كَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ كَلِمَةً: “لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي”، دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ يُحِبُّ الْأَمْرَ، وَلَكِنَّهُ يَخْشَى الْفِتْنَةَ عَلَى الْأُمَّةِ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ لَا يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَكَيْفَ رَفَضَ الْخُرُوجَ إِلَى قِيَامِ اللَّيْلِ جَمَاعَةً فِي رَمَضَانَ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَيْفَ تَأَخَّرَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ سَأَلَ عَنْ تَكْرَارِ الْحَجِّ فِي كُلِّ عَامٍ خَشْيَةَ فَرْضِهِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهَكَذَا.
• وَمِنْ مَظَاهِرِ رَحْمَتِهِ ﷺ بِأُمَّتِهِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:” أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي” [إِبْرَاهِيمَ: 36] وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” [الْمَائِدَةِ: 118]؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: “اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي” وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ:”يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ” <مُسْلِمٌ> فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةٍ؟!!
كَانَ ﷺ رَحْمَةً تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ. يُقَبِّلُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، فَيَقُولُ لَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَيَقُولُ ﷺ: “مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ” <الْبُخَارِيُّ>.
وَكَانَ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ تَجَوَّزَ فِيهَا، رَحْمَةً بِأُمِّهِ <الْبُخَارِيُّ>.
وَخَدَمَهُ أَنَسٌ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لَهُ أُفٍّ قَطُّ <الْبُخَارِيُّ>.
وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ قَدْ زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى، تُرِيدُ أَنْ يُطَهِّرَهَا، فَرَدَّهَا حَتَّى تَضَعَ، ثُمَّ حَتَّى تُفْطِمَ وَلَدَهَا. عَامَانِ كَامِلَانِ وَهُوَ يُؤَجِّلُ الْحَدَّ، رَحْمَةً بِطِفْلٍ رَضِيعٍ لَا ذَنْبَ لَهُ <مُسْلِمٌ>.
وَدَخَلَ بُسْتَانًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَمَسَحَ ﷺ سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ فَسَكَنَ، ثُمَّ قَالَ: “أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ” <أَبُو دَاوُدَ، صَحِيحٌ>.
· هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ الْمُتَجَسِّدَةُ فِي نَبِيِّهِ ﷺ.
نَبِيٌّ يُؤَجِّلُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ سَنَتَيْنِ مِنْ أَجْلِ رَضِيعٍ، وَيُخَفِّفُ الصَّلَاةَ لِبُكَاءِ طِفْلٍ، وَيَبْكِي لِبُكَاءِ جَمَلٍ جَائِعٍ. فَهَلْ رَأَتِ الْبَشَرِيَّةُ رَحْمَةً تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ؟
⚫ صُوَرٌ مِنَ التَّرَاحُمِ
(رُحَمَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ)
· إِلَيْكُمْ هَذِهِ الصُّوَرَ وَالْمَوَاقِفَ لِلتَّرَاحُمِ بَيْنَ جَمِيعِ فِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ؛ لِنُطَبِّقَهَا عَمَلِيًّا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ
أَيُّهَا الْكِرَامُ: الرَّحْمَةُ فِي مِيزَانِ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ شِعَارًا أَجْوَفَ، إِنَّمَا هِيَ سُلُوكٌ يَتَجَلَّى عَمَلِيًّا فِي كُلِّ مَدَارِكِ الْحَيَاةِ.
فَيَتَرَحَّمُ الْمُسْلِمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَيُحْسِنُ إِلَى وَلَدِهِ، وَيَرْفُقُ بِزَوْجِهِ، وَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَيُكْرِمُ جَارَهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ: 29]، فَجَعَلَ التَّرَاحُمَ عَلَامَةً فَارِقَةً.
● فَمِنْ صُوَرِ الرَّحْمَةِ، الرَّحْمَةُ بِالنِّسَاءِ:
وَهَذِهِ هِيَ وَصِيَّةُ الرَّسُولِ ﷺ لِأُمَّتِهِ. فَكَانَ ﷺ دَائِمًا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا” <الْبُخَارِيُّ>، كَذَلِكَ رَحْمَتُهُ ﷺ بِالْإِمَاءِ، وَهُنَّ الرَّقِيقُ مِنَ النِّسَاءِ، فَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: “إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!” <الْبُخَارِيُّ>.«جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالْمَرْأَةُ تُورَثُ كَالْمَتَاعِ، فَجَعَلَ لَهَا مَهْرًا: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النِّسَاءِ: 4]، وَأَوْجَبَ نَفَقَتَهَا وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً.
وَحَرَّمَ وَأْدَ الْبَنَاتِ فَقَالَ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التَّكْوِيرِ: 8-9]
وَقَالَ ﷺ: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا” <الْبُخَارِيُّ>،
وَقَالَ: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي” <التِّرْمِذِيُّ، صَحِيحٌ>.
وَقَالَ فِي الْبَنَاتِ: “مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ” <الْبُخَارِيُّ>.
وَقَالَ فِي الْيَتِيمِ: “أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ” <الْبُخَارِيُّ>.
وَقَالَ فِي الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ: “السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” <الْبُخَارِيُّ>.
هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالضُّعَفَاءِ، دِينٌ جَاءَ وَالْمَرْأَةُ تُدْفَنُ حَيَّةً فَحَرَّمَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ تَرْبِيَةَ الْبَنَاتِ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، وَرَفَعَ الْيَتِيمَ إِلَى جِوَارِ النَّبِيِّ فِي الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ السَّاعِيَ عَلَى الْأَرْمَلَةِ كَالْمُجَاهِدِ. فَأَيُّ قَانُونٍ فِي الدُّنْيَا كَرَّمَ الضَّعِيفَ قَبْلَ 1400 سَنَةٍ كَمَا كَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ
● وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْأَطْفَالِ وَالصِّبْيَانِ:
وَلَنَا الْقُدْوَةُ فِي حَبِيبِنَا ﷺ، فَقَدْ كَانَ ﷺ رَحِيمًا بِالْأَطْفَالِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:” قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ” <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:” مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَكَانَ يَأْتِيهِ وَإِنَّ الْبَيْتَ لَيُدَخَّنُ فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ”. <مُسْلِمٌ>.
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» <الْبُخَارِيُّ>. فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ؟! قَارِنْ بِمَا يَحْدُثُ الْآنَ!
● وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِكِبَارِ السِّنِّ: فَقَدْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ عَامَ الْفَتْحِ يَقُودُهُ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأْسُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا مِنْ شِدَّةِ الشَّيْبِ، فَرَحِمَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْخُوخَتَهُ وَقَالَ: “هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ.” <مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ لِلْهَيْثَمِيِّ>
وَهُوَ الْقَائِلُ ﷺ: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا” <الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ>.
● وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْمُخْطِئِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ. <الْبُخَارِيُّ>.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ:” إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ” <مُسْلِمٌ>.
«فَمِنْ رَحْمَةِ الْإِسْلَامِ بِالْمُخْطِئِ وَالْعَاصِي.. السِّتْرُ قَبْلَ الْحَدِّ
قَالَ ﷺ لِمَنْ أَشَارَ عَلَى مَاعِزٍ بِالِاعْتِرَافِ: “لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ” <أَبُو دَاوُدَ، حَسَنٌ>.
وَقَالَ: “مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ” <مُسْلِمٌ>.
وَلَمَّا لُعِنَ شَارِبُ الْخَمْرِ، قَالَ ﷺ: “لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ” <الْبُخَارِيُّ>.
وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: “قَدْ غُفِرَ لَكَ” <الْبُخَارِيُّ>.
هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْمُذْنِبِ وَالْعَاصِي.
دِينٌ يُقَدِّمُ السِّتْرَ عَلَى الْفَضِيحَةِ، وَيَقُولُ لَكَ: “لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ”، وَيَمْنَعُكَ أَنْ تَلْعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَجْعَلُ صَلَاةً وَاحِدَةً تَمْحُو الْحَدَّ. هَذَا هُوَ بَابُ الرَّحْمَةِ الْمَفْتُوحُ الَّذِي لَا يُغْلَقُ أَبَدًا.
● وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ:
قَالَ ﷺ فِي الْخَدَمِ: “إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ” <الْبُخَارِيُّ>.
خَادِمُكَ سَمَّاهُ الْإِسْلَامُ “أَخَاكَ”، وَأَمَرَكَ أَنْ تُطْعِمَهُ مِمَّا تَأْكُلُ.
وَقَالَ فِي الْأَجِيرِ: “أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ” <ابْنُ مَاجَهْ، صَحِيحٌ>.
فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ رَحِيمًا بِالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ لِضَعْفِهِمْ. فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ”، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: “مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ” <أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ>.
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: “كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ” <مُسْلِمٌ>.
● وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْكُفَّارِ: فَالرَّحْمَةُ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحَسْبُ، فَعِنْدَمَا قِيلَ لَهُ ﷺ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: “إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً” <مُسْلِمٌ>. وَقَالَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ – لَمَّا جَاءَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ لِيَأْمُرَهُ بِمَا شَاءَ-:” بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ” <الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ>.
وَلَمَّا أُصِيبَ فِي أُحُدٍ قَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:” إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي طَعَّانًا وَلَا لَعَّانًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي دَاعِيَةً وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” <شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ>. وَهَكَذَا شَمِلَتِ الرَّحْمَةُ جَمِيعَ أَطْيَافِ الْمُجْتَمَعِ حَتَّى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّرَاحُمِ فِي الْإِسْلَامِ.
<بُدَيْرٌ>
فَمِنْ رَحْمَةِ الْإِسْلَامِ الرَّحْمَةُ بِالْمُخَالِفِ الْمُسَالِمِ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ
قَالَ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الْمُمْتَحَنَةِ: 8].
وَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُهُ لَمَّا مَرِضَ <الْبُخَارِيُّ>.
وَقَامَ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: “أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟” <الْبُخَارِيُّ>.
وَكَتَبَ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ النَّصَارَى: “وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ” <ابْنُ سَعْدٍ، الطَّبَقَاتُ>.
وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَيْخًا يَهُودِيًّا يَسْأَلُ النَّاسَ، فَقَالَ: “مَا أَنْصَفْنَاكَ، أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ شَابًّا ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ شَيْخًا”، وَأَمَرَ لَهُ بِرَاتِبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ <الْخَرَاجُ لِأَبِي يُوسُفَ>.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [الْمَائِدَةِ: 8]. الْعَدْلُ وَاجِبٌ حَتَّى مَعَ مَنْ تُبْغِضُهُ
هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَالِمِينَ.
دِينٌ يَأْمُرُكَ بِالْبِرِّ وَالْقِسْطِ مَعَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكَ، وَنَبِيُّهُ يَعُودُ غُلَامًا يَهُودِيًّا وَيَقِفُ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ احْتِرَامًا لِلنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيُعْطِي النَّصَارَى عَهْدًا عَلَى كَنَائِسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. فَالرَّحْمَةُ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ لِلْمُسْلِمِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ لِكُلِّ نَفْسٍ مُسَالِمَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
● وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْحَيَوَانِ وَالطُّيُورِ؛ وَلَنَا الْقُدْوَةُ فِي حَبِيبِنَا ﷺ فِي رَحْمَتِهِ بِالْحَيَوَانِ وَالطُّيُورِ، فَقَدْ تَجَاوَزَتْ إِنْسَانِيَّتُهُ ﷺ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى الْحَيَوَانِ وَالْبَهِيمَةِ، فَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ ﷺ فَمَسَحَ ظَفَرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ ﷺ: “مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟” فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: “أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ” <أَبُو دَاوُدَ>، (وَتُدْئِبُهُ: أَيْ تُكْرِهُهُ وَتُتْعِبُهُ وَزْنًا وَمَعْنًى)، وَقَدْ مَرَّ ﷺ بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: “اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً” <أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ>.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ، فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا». <أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ>.
وَقَالَ ﷺ: “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ” <مُسْلِمٌ>. وَدَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، وَدَخَلَتْ بَغِيٌّ الْجَنَّةَ فِي كَلْبٍ سَقَتْهُ <الْبُخَارِيُّ> وَقَالَ: “فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ” <الْبُخَارِيُّ>
وَأَمَّا الشَّجَرُ، فَقَالَ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ” <الْبُخَارِيُّ> وَنَهَى عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ <أَبُو دَاوُدَ>.
• هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْحَيَوَانِ وَالْبِيئَةِ.
دِينٌ يَجْعَلُ سَقْيَ الْكَلْبِ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَحَبْسَ الْهِرَّةِ سَبَبًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَيَجْعَلُ غَرْسَ الشَّجَرَةِ صَدَقَةً جَارِيَةً. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ مَعَ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ مَعَ الْإِنْسَانِ؟
● دَوَائِرُ الرَّحْمَةِ الْمُتَّسِعَةُ
وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ الرَّحْمَةِ: لِينُ الْجَانِبِ، وَسُهُولَةُ الْمُعَامَلَةِ، وَتَقْدِيمُ الْمَحَبَّةِ عَلَى الْغِلْظَةِ، وَالْيُسْرِ عَلَى الْعُسْرِ، وَالْعَفْوِ عَلَى الِانْتِقَامِ.
• وَتَتَّسِعُ دَائِرَةُ الرَّحْمَةِ لِتَشْمَلَ كَفَالَةَ الْيَتِيمِ، وَإِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ، وَمُوَاسَاةَ الْفُقَرَاءِ، وَالْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ.
فَبِهَذِهِ الْأَعْمَالِ تَحْيَا الْقُلُوبُ وَتَزْهُو الْحَيَاةُ، فَتَصْلُحُ الْأُسَرُ، وَتَسْتَقِيمُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَتَتَحَقَّقُ الْأُخُوَّةُ الْحَقَّةُ.
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَرَنَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ رِعَايَةَ هَذِهِ الْفِئَاتِ بِأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: 36].
• وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَبْرَارِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: 8]
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضُّحَى: 9]، لِتَكُونَ الرَّحْمَةُ بِالضُّعَفَاءِ وَاجِبًا لَا تَفَضُّلًا.
• وَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تُأَصِّلُ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى <صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ>.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا» <رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ>.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» <صَحِيحُ مُسْلِمٍ>. وَهَكَذَا يُرَبِّي الْإِسْلَامُ أَبْنَاءَهُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا سَنَدًا لِلْمُحْتَاجِينَ، حَتَّى يَتَحَوَّلَ الْمُجْتَمَعُ إِلَى حِضْنٍ دَافِئٍ يَضُمُّ الْجَمِيعَ، لَا يُقْصِي ضَعِيفًا وَلَا يَتْرُكُ مُحْتَاجًا.
« كُلُّ هَذَا دَعْوَةٌ إِلَى الرَّحْمَةِ: رَحْمَةٌ بِالْكَبِيرِ، وَرَحْمَةٌ بِالصَّغِيرِ، وَرَحْمَةٌ بِالنِّسَاءِ، وَرَحْمَةٌ بِالضُّعَفَاءِ، وَرَحْمَةٌ بِالْحَيَوَانِ، وَرَحْمَةٌ بِالنَّاسِ فِي قَضَاءِ مَصَالِحِهِمْ وَلَا سِيَّمَا فِي الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْمَصَالِحِ الْحُكُومِيَّةِ، وَتَيْسِيرِ حَاجَاتِهِمْ، وَبِالْجُمْلَةِ: رَحْمَةٌ بِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، فَيَعِيشُ الْجَمِيعُ فِي تَوَادٍّ وَتَرَاحُمٍ وَتَعَاطُفٍ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِيهِمْ قَوْلُهُ ﷺ: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” <الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ>.»
● وَمِنْ صُوَرِ الرَّحْمَةِ.
رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْحَرْبِ وَالسِّلْمِ.. وَثِيقَةٌ سَبَقَتِ الْعَالَمَ
وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَانُونًا لِلْحَرْبِ فَقَالَ: “اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا” <مُسْلِمٌ>.
وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ جَيْشَهُ: “لَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا” <الْمُوَطَّأُ>.
وَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وَقَدْ أُوذِيَ وَأُخْرِجَ وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ، وَقَفَ وَقَالَ: “يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟” قَالُوا: أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. فَقَالَ: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” <ابْنُ هِشَامٍ>.
وَفِي الطَّائِفِ لَمَّا آذَوْهُ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْا قَدَمَيْهِ، جَاءَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا” <الْبُخَارِيُّ>.
هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ حَتَّى فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ.
دِينٌ يَضَعُ لِلْحَرْبِ قَانُونًا يَمْنَعُ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَقَطْعَ الشَّجَرِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ الدُّنْيَا “اتِّفَاقِيَّاتِ جِنِيف”.
وَقَائِدٌ يُفْتَحُ لَهُ بَلَدُهُ فَيَعْفُو عَنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ بِكَلِمَةٍ: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ” هَذِهِ هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي عَجَزَتْ عَنْهَا حَضَارَاتُ الْأَرْضِ كُلِّهَا.
وَأَمَّا الْأَسْرَى، فَكَانَ الصَّحَابَةُ يُؤْثِرُونَ أَسَارَى بَدْرٍ بِتَمْرِهِمْ وَيَأْكُلُونَ هُمُ الْخُبْزَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ <ابْنُ هِشَامٍ>.
● وَمِنْ صُوَرِ الرَّحْمَةِ
الْحُدُودُ الَّتِي يَتَشَدَّقُ بِهَا الْجَاهِلُونَ هِيَ قِمَّةُ الرَّحْمَةِ بِالْمُجْتَمَعِ، قَالَ اللَّهُ:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [الْبَقَرَةِ: 179]. قَتْلُ قَاتِلٍ وَاحِدٍ رَحْمَةٌ تُحْيِي أُمَّةً، وَتَحْقِنُ دِمَاءَ الْآلَافِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَتَحَ بَابَ الْعَفْوِ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [الْبَقَرَةِ: 178].
وَدَرَأَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ: “ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ” <رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ>. وَاشْتَرَطَ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَفِي السَّرِقَةِ النِّصَابَ وَالْحِرْزَ. كُلُّ هَذَا رَحْمَةٌ بِالْمُتَّهَمِ حَتَّى لَا يُظْلَمَ.<سُوَيْدَانُ>
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، هَذِهِ مَظَاهِرُ الرَّحْمَةِ فِي دِينِكُمْ. فَالْإِسْلَامُ رَحْمَةٌ بِالْجَنِينِ، وَالطِّفْلِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْيَتِيمِ، وَالْخَادِمِ، وَالْأَسِيرِ، وَالْمَدِينِ، وَالْكَافِرِ الْمُسَالِمِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالشَّجَرِ.
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ، فَلْيَرْحَمْ خَلْقَ اللَّهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” <التِّرْمِذِيُّ، صَحِيحٌ>.
فَمَاذَا عَلَيْنَا بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ؟
١. أَنْ نَعِيشَ الرَّحْمَةَ: فِي بُيُوتِنَا، وَمَسَاجِدِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، وَطُرُقَاتِنَا. “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ” <التِّرْمِذِيُّ>
٢. أَنْ نَنْشُرَ الرَّحْمَةَ: كُونُوا سُفَرَاءَ رَحْمَةٍ لِدِينِ الرَّحْمَةِ. ابْتِسَامَتُكَ رَحْمَةٌ، كَلِمَتُكَ الطَّيِّبَةُ رَحْمَةٌ، عَفْوُكَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ رَحْمَةٌ.
٣. أَلَّا نَقْنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ: مَهْمَا عَظُمَ ذَنْبُكَ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ أَعْظَمُ. {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يُوسُفَ: 87].
٤. أَنْ نَدْعُوَ بِالرَّحْمَةِ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: “اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ” <أَبُو دَاوُدَ>.
⚫ أَسْبَابُ الرَّحْمَةِ، كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ رَحَمَاتِ الرَّحْمَنِ؟
أَيُّهَا الْأَفَاضِلُ: إِنَّ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ أَسْبَابًا جَلِيَّةً، مَنْ أَخَذَ بِهَا فَازَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا خَسِرَ. وَإِلَيْكُمْ طَرَفًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ النَّيِّرَةِ:
• تَحْقِيقُ التَّقْوَى
أَعْظَمُ أَسْبَابِ اسْتِدْرَارِ الرَّحْمَةِ: تَقْوَى اللَّهِ، وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَذَابِ اللَّهِ وِقَايَةً بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: 156].
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» قَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ! فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَنَحْنُ نَتَّقِي وَنُؤْتِي الزَّكَاةَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾.
• الرَّحْمَةُ بِالْخَلْقِ
مَنْ كَانَ رَحِيمَ الْقَلْبِ، كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَأَحَبَّهُمْ إِلَى النَّاسِ، وَأَقْرَبَهُمْ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَحَقَّهُمْ بِدَارِ الرَّحْمَةِ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يُونُسَ: 58].
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
وَفِي السُّنَنِ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» <صَحِيحٌ>.
فَكُنْ رَحِيمًا مَعَ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ نَفْعَ أَحَدٍ فَلَا تَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ تُفَرِّحْهُ فَلَا تَغُمَّهُ،
وَتَتَّسِعُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ وَيَطْلُبُهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْكَافِرِينَ لِيَدْخُلُوا فِي دِينِ اللَّهِ وَتَنَالَهُمُ الرَّحْمَةُ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنَ بِكَ، قَالَ: «وَتَفْعَلُونَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ؟ قَالَ: «بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ» <رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ>.
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً **** فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ **** فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ؟
• التَّعَلُّقُ بِاللَّهِ وَطَاعَتُهُ
مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ الرَّحْمَةِ: الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَى حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ. فَمَنْ كَانَ مَعَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ، وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، بَلْ بِرَحْمَةِ رَبِّهِ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
• وَبِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 132].
• وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ تَتَنَزَّلُ الرَّحْمَةُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: 71].
• السَّمَاحَةُ فِي الْمُعَامَلَةِ
وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ الرَّحْمَةِ: السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعَدَمُ غِشِّ النَّاسِ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» <صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ>.
وَفِي الْخِتَامِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ هِيَ الْحَبْلُ الْمَتِينُ الَّذِي يَرْبِطُ الْأَرْضَ بِالسَّمَاءِ، وَهِيَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي نَفْتَحُ بِهِ أَبْوَابَ الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ. فَاجْعَلُوا التَّرَاحُمَ مَنْهَجًا فِي بُيُوتِكُمْ، وَمُعَامَلَاتِكُمْ، وَمَعَ مَنْ تُخَالِفُونَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَغَمَّدُنَا بِفَضْلِهِ الْوَاسِعِ، فَمَا أَشْرَقَتْ شَمْسٌ عَلَى أُمَّةٍ وَتَرَاحَمَ أَبْنَاؤُهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا الْبَقَاءَ وَالْعِزَّةَ وَالسَّعَادَةَ فِي الدَّارَيْنِ.
اللَّهُمَّ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ارْحَمْنَا فَإِنَّكَ بِنَا رَاحِمٌ، وَلَا تُعَذِّبْنَا فَأَنْتَ عَلَيْنَا قَادِرٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلرَّحْمَةِ، مَغَالِيقَ لِلْقَسْوَةِ.
اللَّهُمَّ لَا تَنْزِعِ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِنَا فَنَشْقَى.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفُكَّ أَسْرَهُمْ، وَاشْفِ مَرِيضَهُمْ، وَارْحَمْ مَيِّتَهُمْ.
اللَّهُمَّ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، يَا مَنْ كَتَبْتَ عَلَى نَفْسِكَ الرَّحْمَةَ، وَيَا مَنْ سَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ، نَسْأَلُكَ بِجَمَالِ صِفَاتِكَ وَجَلَالِ أَسْمَائِكَ أَنْ تَغْمُرَنَا بِرَحَمَاتِكَ الْوَافِرَةِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَاجْبُرْ كَسْرَنَا، وَتَوَلَّ أَمْرَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا.
اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا فَوْقَ الْأَرْضِ، وَتَحْتَ الْأَرْضِ، وَيَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْكَ.
اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا دَيْنًا إِلَّا قَضَيْتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيْتَهُ، وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عَافَيْتَهُ، وَلَا مَيِّتًا إِلَّا رَحِمْتَهُ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا، وَاجْعَلْ قُبُورَهُمْ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
اللَّهُمَّ انْزِعِ الْقَسْوَةَ مِنْ قُلُوبِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الرُّحَمَاءِ، الَّذِينَ يَرْفُقُونَ بِالضَّعِيفِ، وَيُوَاسُونَ الْمُحْتَاجَ، وَيَكْفُلُونَ الْيَتِيمَ.
اللَّهُمَّ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ رَحْمَةً عَامَّةً، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ شَمْلَهُمْ، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَاصْرِفْ عَنْهُمْ كَيْدَ الْكَائِدِينَ وَظُلْمَ الظَّالِمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ عَيْنٍ لَا تَدْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، مُفِيضِينَ بِالرَّحْمَةِ عَلَى خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، كُنْ لَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا، وَمُؤَيِّدًا وَظَهِيرًا. اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ أَعْمَالَنَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.

