
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الخذلان
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
● إنَّ من أعظمِ ما يمرُّ على قلبِ الإنسانِ في هذه الحياةِ: الخذلان؛ ذلك الشعورُ الثقيلُ الذي يُكسِرُ النفس، ويُضعِفُ القلب، حينما يحتاجُ المرءُ إلى من يقفُ معه، فيتخلَّى عنه أقربُ الناسِ إليه.
الخذلانُ ليس مجرد موقفٍ عابر، بل هو جرحٌ غائرٌ في النفس، قد يكون من صديقٍ وثِقْتَ به، أو قريبٍ أحسنتَ إليه، أو إنسانٍ ظننتَ أنه لا يتركك، فإذا به أولُ من يتركك عند الشدائد.
ولذلك كان الخذلانُ من أقسى ما يمرُّ على الإنسان؛ لأنَّه يأتي غالبًا ممَّن لا تتوقَّعُه.
الخذلان هو تلك الفجوة العميقة التي تتشكل حين يتخلى المرء عمن كان ينتظر منه النصرة، وهو انكسار في جسر الثقة لا يرممه إلا اليقين بالله. وفي هذه المحاضرة نفصل هذا الداء الذي يصيب الروابط الإنسانية.
أولاً: تعريف الخذلان.
● الخذلان في أصله الترك والتخلي؛ يقال خذله أي ترك نصرته ومعونته وهو بموضع يحتاج فيه إليه. ومن الناحية السلوكية هو “خيانة التوقعات المشروعة” في عقود المودة والأخوة.
● الخذلان في ميزان التوحيد:
-أعظم الخذلان هو أن يكل الله العبد إلى نفسه، فمن وُكِل إلى نفسه هلك.
قال سبحانه: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران، رقم : ١٦٠].
إنَّ خذلانَ الله للعبدِ معناه أن يُترك لنفسِه، وأن يُحرَم التوفيقَ والهداية، وأن يُوكَل إلى ضعفِه وعجزِه
قال بعضُ السلف:
“إذا أراد اللهُ بعبدٍ خيرًا وفَّقه، وإذا أراد به غيرَ ذلك خذله.”
فالخذلانُ الحقيقيُّ هو أن ترى الحقَّ فلا تتَّبِعَه، وأن تُدعَى إلى الخير فلا تُقبِل، وأن تُفتحَ لك أبوابُ الطاعةِ فتُعرض عنها.
أيها الأحبة: إنَّ الدنيا دارُ ابتلاء، ومن سُنَّةِ الله فيها أن يُمتحنَ الناسُ بالناس؛ فربما تُخذَلُ لتتعلَّم، وربما تُتركُ لتعودَ إلى الله، وربما تُصدمُ في الناسِ لتتعلَّقَ بربِّ الناس.
فلا تجعلْ ثقتكَ المطلقةَ في البشر، فإنَّ القلوبَ تتغيَّر، والأحوالَ تتبدَّل، ولكن اجعل ثقتكَ باللهِ الذي لا يتغيَّر ولا يخذلُ من لجأ إليه.
قال تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
أي: كافيه، ناصره، حافظه.
إذا أصابك الخذلانُ فلا تيأس، ولا تنكسر، بل قِفْ مع نفسك وقفةَ صدق:
هل قصَّرتَ في حقِّ الله؟
هل علَّقتَ قلبَك بغيره؟
هل انتظرتَ من الناس ما لا يملكون؟
واعلم أنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا صرفَه عن التعلُّق بغيره، وربما أذاقه مرارةَ الخذلانِ من الخلق؛ ليُذيقه حلاوةَ القرب منه
تذكَّروا دائمًا أنَّ الله لا يخذلُ من صدق معه، ولا يتركُ من توكَّل عليه، ولو اجتمعَ الناسُ على خذلانِه.
قال بعضُ الحكماء:
“إذا أُغلِقَت في وجهك الأبواب، فاعلم أن بابَ الله لا يُغلَق.”
ثانياً: أنواع الخذلان وصوره المتعددة
● خذلان الأقربين (الألم المضاعف):
هو أشد أنواع الخذلان وطأة، لأنه يأتي من جهة “الأمن”. وفي الحديث النبوي الشريف الذي يرسخ مبدأ النصرة وعدم التخلي:
عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ومَن ستَر مسلمًا ستَره اللهُ يومَ القيامةِ»<أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2580) باختلاف يسير>
فكلمة “لا يخذله” هنا أمر شرعي بوجوب المعونة وقت الضيق.
• خذلان “الصحبة” عند الشدائد:
– هنا تظهر معادن الناس، فالصديق الحقيقي هو من لا يتركك في زحام الأزمات.
قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان، رقم : ٢٧ – ٢٩].
● الخذلان الاجتماعي (تفكك الروابط):
يحدث حين يتخلى المجتمع عن المظلوم أو صاحب الحق خوفاً أو طمعاً.
إيَّاكم أن تكونوا سببًا في خذلانِ أحد؛
لا تخذلوا صديقًا وثق بكم،
ولا قريبًا احتاج إليكم،
ولا محتاجًا مدَّ يده إليكم.
فإنَّ من خذل الناسَ، خذله الله.
ثالثاً: الأسباب الدافعة للخذلان
● وهن الإيمان وضعف اليقين:
عندما يغلب الخوف من الخلق على الخوف من الخالق، يقع المرء في خذلان إخوانه.
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها ، قيل : يا رسولَ اللهِ ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ ؟ قال لا ، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم ، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم ؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ » <أخرجه أبو داود (4297)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (268)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (6/ 534) واللفظ لهم>.
● التحاسد والتباغض:
الحسد يحجب رؤية الواجب الشرعي في النصرة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يَبِعْ بَعضُكُم على بَيعِ بَعضٍ، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا. المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُه، ولا يَخذُلُه، ولا يَحقِرُه. التَّقوى هاهنا. ويُشيرُ إلى صَدرِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ. بحَسبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاه المُسلِمَ. كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حَرامٌ؛ دَمُه، ومالُه، وعِرضُه» <أخرجه البخاري (6064) مختصراً، ومسلم (2564).>
وقوله «لا يَخذُلُه»، أي: لا يَترُكُه إلى الظُّلمِ، ولا يَتْرُكُ إعانتَه ونَصْرَه، «ولا يَحقِرُه» فلا يَستصِغرُ شأْنَه ويَضَعُ مِن قَدْرِه؛ فَالاحتقارُ نَاشئٌ عَنِ الكبْرِ، فهو بذلكَ يحتقرُ غَيرَه ويَراه بِعينِ النَّقصِ، ولا يَراه أهلًا لأنْ يَقومَ بِحقِّه.<الدرر>
رابعاً: الآثار النفسية والشرعية المترتبة على الخذلان
● انكسار النفس وفقدان الثقة:
الخذلان يولد شعوراً بالوحدة والغربة حتى بين الناس، وهو ما حذر منه الشرع بترميم جسور المودة.
● العقوبة الإلهية للخاذل:
من خذل مسلماً في موطن يحتاج فيه لنصرته، خذله الله.
عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ: « ما منَ امرئٍ يخذلُ امرأً مسلِمًا في موضعٍ تُنتَهَكُ فيهِ حرمتُهُ ويُنتَقَصُ فيهِ من عِرضِهِ إلَّا خذلَهُ اللَّهُ في موطنٍ يحبُّ فيهِ نصرتَهُ وما منَ امرئٍ ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقَصُ فيهِ من عرضِهِ ويُنتَهَكُ فيهِ من حرمتِهِ إلَّا نصرَهُ اللَّهُ في موطنٍ يحبُّ نصرتَهُ»
<ضعيف : أخرجه أبو داود (4884) واللفظ له، والطبراني في ((الأوسط)) (8642)، والشاشي في ((مسنده)) (1077) بنحوه.>
خامساً: العلاج الإيماني لمرارة الخذلان
● التعلق بـ “الناصر” سبحانه:
عندما يغلق الناس أبوابهم، يبقى باب الله مفتوحاً، واليقين بأن النصر من عنده وحده.
قال سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران، رقم : ١٢٦].
إنَّ من أعظمِ ما يُعينُ على النجاةِ من الخذلان:
صدقُ اللجوءِ إلى الله، وكثرةُ الدعاءِ بأن لا يَكِلَنا الله إلى أنفسنا.
وكان من دعاءِ النبي ﷺ:
“اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.”< أخرجه أبو داود (5090) مطولاً واللفظ له، وأحمد (20430) مطولاً باختلاف يسير>
فإنَّ النفسَ ضعيفة، والعبدَ عاجز، ولا حولَ له ولا قوة إلا بالله.
أيها الأحبة،
إذا خذلك الناسُ يومًا، فلا تحزن حزنَ اليائس، واعلم أنَّ الذي خذلك إنما هو بشر، وأنَّ الله يريدُ أن يرفعك، أو يُطهِّر قلبك، أو يُعلِّمك درسًا لا تنساه.
● حسن الظن بالله والتوكل عليه:
المؤمن لا يستوحش من خذلان الخلق إذا علم أن الله معه.
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي ﷺ يوماً فقال: «يا غلامُ إني أُعَلِّمُكَ كلماتٍ: احفظِ اللهَ يحفظْكَ، احفظِ اللهَ تجدْهُ تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعن باللهِ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ لكَ، وإنِ اجتمعوا على أن يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحُفُ» <أخرجه الترمذي (2516) واللفظ له، وأحمد (2669)>.
كونوا أوفياء، ثابتين، صادقين، لا تتغيَّرون مع المصالح، ولا تتخلَّون عند الشدائد، فإنَّ الوفاءَ من شيمِ الكرام، والخذلانَ من صفاتِ اللئام.
إن الخذلان اختبار للقلوب؛ فهو يختبر “إخلاص” الناصر في نصرته، ويختبر “صبر” المخذول في توكله.
فالمؤمن الحق لا يخذل أحداً لأنه يراقب الله، ولا يكسره خذلان أحد لأنه يأوي إلى ركن شديد.
إنها دعوة لمراجعة روابطنا، لنكون أمة “جسداً واحداً” لا يشتكي منه عضو إلا وتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
اللهم يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام،
لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم اجعلنا من أهل التوفيق لا من أهل الخذلان.
اللهم ارزقنا الصدق معك، والثبات على طاعتك،
اللهم لا تجعلنا ممن يخذلون عبادك،
واجعلنا مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر.
اللهم يا ناصر المستضعفين، ويا دليل الحائرين، ويا جابر المنكسرين، نعوذ بك من خذلان من آمنا بهم، ومن غدر من استودعناهم قلوبنا.
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك فنضل ونهلك، ولا تكلنا إلى الناس فنضيع. اللهم اجعل اعتمادنا عليك، وتوكلنا إليك، وثقتنا في جلالك.
اللهم إنا نعوذ بك من ضيق الدنيا وضيق يوم القيامة، ونعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال.
اللهم من أراد بنا خذلاناً فاجعل كيده في نحره، ومن أراد بنا نصراً فثبته وأعزه.

