
-رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن لذة العبادة
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن العبادة في الإسلام ليست مجرد طقوس تؤدى بشكل روتيني، بل هي علاقة روحية عميقة بين العبد وربه، تملأ القلب بالسكينة والطمأنينة، وتُشعر العبد بلذة روحية لا تُوصف. هذه اللذة هي سر استمرار المؤمن في طاعة الله وعبادته، وهي ما يجعل العبادة حياة للقلب ونورًا للروح.
● مفهوم لذة العبادة.
– لذة العبادة هي الشعور بالفرح والسرور والرضا عند القيام بالطاعات والعبادات، وهي نتيجة طبيعية لصدق العبد في توجهه إلى الله تعالى.
هذه اللذة ليست مادية، بل هي ما يَجِدُهُ المُسْلِمُ مِنْ رَاحَةِ النَّفْسِ وَسَعَادَةِ القَلْبِ، وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ عِنْدَ القِيَامِ بِعِبَادَةٍ مِنَ العِبَادَاتِ
وَهَذِهِ اللَّذَّةُ تَتَفَاوَتُ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ حَسَبَ قُوَّةِ الإِيمَانِ وَضَعْفِهِ.
وهذه اللذة يشعر بها المؤمن عندما يقترب من ربه، ويذوق حلاوة الإيمان.
ولذة العبادة هي شعور روحي عميق يملأ قلب المؤمن بالفرح والرضا عند القيام بالطاعات والعبادات.
-هذه اللذة ليست مادية، بل هي نتاج العلاقة الوثيقة بين العبد وربه، وهي ما يجعل العبادة حياة للقلب ونورًا للروح.
قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النَّحْلِ: 97].
● حديث القرآن والسنة عن لذة العبادة.
1. من القرآن الكريم:
– قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]. الذكر يجعل العبد يشعر بقرب الله منه، فيشعر بلذة العبادة.
– قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. ذكر الله يملأ القلب بالطمأنينة واللذة الروحية.
2. من السنة النبوية:
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ” (رواه ). الصلاة كانت قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على لذة العبادة.
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا” (رواه مسلم). إن ذوق طعم الإيمان هو الشعور بلذة العبادة.
طرق للوصول إلى لذة العبادة
– يَجْدُرُ بِالمُسْلِمِ أَنْ يَسْعَى جَاهِدًا إِلَى تَحْصِيلِ لَذَّةِ العِبَادَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ لِبِلَالٍ: «قُمْ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ» لِمَا يَجِدُهُ فِيهَا مِنَ اللَّذَّةِ وَالسَّعَادَةِ القَلْبِيَّةِ .
وهذه هي طرق الوصول إلى لذة العبادة.
إِنَّ لِتَحْصِيلِ لَذَّةِ العِبَادَةِ أَسْبَابًا مِنْهَا:
● أَوَّلًا: مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَأْلَفَهَا وَتَعْتَادَهَا، وَقَدْ تَنْفِرُ النَّفْسُ فِي بَدَايَةِ طَرِيقِ المُجَاهَدَةِ، وَلَكِنْ إِذَا شَمَّرَ صَاحِبُهَا عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ تِلْكَ الإِرَادَةُ وَالعَزِيمَةُ القَوِيَّةُ، فَسَيَنَالُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَالأَمْرُ يَتَطَلَّبُ مُصَابَرَةً وَقُوَّةَ تَحَمُّلٍ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 200].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طَهَ:132].
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي اللَّهِ»
قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ: «مَا زِلْتُ أَسُوقُ نَفْسِي إِلَى اللَّهِ وَهِيَ تَبْكِي حَتَّى سُقْتُهَا وَهِيَ تَضْحَكُ».
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: (وَاعْلَمْ أَنَّ نَفْسَكَ بِمَنْزِلَةِ دَابَّتِكَ، إِنْ عَرَفَتْ مِنْكَ الجِدَّ جَدَّتْ، وَإِنْ عَرَفَتْ مِنْكَ الكَسَلَ طَمِعَتْ فِيكَ وَطَلَبَتْ مِنْكَ حُظُوظَهَا وَشَهَوَاتِهَا).
قَالَ الشَّاعِرُ:
لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكُ المَنَى … فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرٍ
ثَانِيًا: البُعْدُ عَنِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، فَإِنَّ المَعَاصِيَ حِجَابٌ تَمْنَعُ مِنَ الشُّعُورِ بِلَذَّةِ العِبَادَةِ لِمَا يُورِثُهُ مِنْ قَسْوَةٍ وَغِلَظَةٍ وَجَفَاءٍ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: (مَا ضَرَبَ اللَّهُ عَبْدًا بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ القَلْبِ).
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الذُّنُوبُ اشْتَدَّتِ الوَحْشَةُ، وَأَمَرُّ العَيْشِ عَيْشُ المُسْتَوْحِشِينَ الخَائِفِينَ، وَأَطْيَبُ العَيْشِ عَيْشُ المُسْتَأْنِسِينَ، فَلَوْ نَظَرَ العَاقِلُ وَوَازَنَ لَذَّةَ المَعْصِيَةِ، وَمَا تُوقِعُهُ مِنَ الخَوْفِ وَالوَحْشَةِ، لَعَلِمَ سُوءَ حَالِهِ وَعَظِيمَ غَبْنِهِ، إِذَا بَاعَ أُنْسَ الطَّاعَةِ وَأَمْنَهَا وَحَلَاوَتَهَا بِوَحْشَةِ المَعْصِيَةِ وَمَا تُوجِبُهُ مِنَ الخَوْفِ وَالضَّرَرِ الدَّاعِي لَهُ).
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِذَا لَمْ تَجِدْ لِلعَمَلِ حَلَاوَةً فِي قَلْبِكَ وَانْشِرَاحًا فِي صَدْرِكَ فَاتَّهِمْهُ، فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى شَكُورٌ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُثِيبَ العَامِلَ عَلَى عَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَلَاوَةٍ يَجِدُهَا فِي قَلْبِهِ، وَقُوَّةٍ وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَقُرَّةِ عَيْنٍ، فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَدْخُولٌ)
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: (حُرِمْتُ قِيَامَ اللَّيْلِ بِسَبَبِ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ)
وَسُئِلَ وَهَيْبُ بْنُ الوَرْدِ فَقِيلَ لَهُ: (مَتَى يَفْقِدُ العَبْدُ لَذَّةَ العِبَادَةِ؟ إِذَا وَقَعَ فِي المَعْصِيَةِ، أَوْ إِذَا فَرَغَ مِنْهَا؟ قَالَ: يَفْقِدُ لَذَّةَ العِبَادَةِ إِذَا هَمَّ بِالمَعْصِيَةِ).
● الإخلاص في العبادة .
الإخلاص هو أساس قبول العبادة، وهو ما يجعل العبد يشعر بلذة التقرب إلى الله. عندما يكون العمل خالصًا لوجه الله، يشعر العبد بالراحة والطمأنينة، لأن الله يقبل العمل المخلص ويرفع صاحبه.
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
فالله يقبل العمل المخلص ويرفع صاحبه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” (رواه البخاري ومسلم).
والنية الصادقة هي مفتاح الإخلاص، وهي ما يجلب لذة العبادة.
● التدبر في العبادة.
التدبر في الصلاة، القرآن، الذكر، والدعاء يجعل العبد يشعر بحلاوة الإيمان ولذة العبادة ، فيزداد إيمانه ويقوى يقينه .
– قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ ]. إن التدبر في آيات الله يجعل العبد يشعر بعظمة الخالق، فيزداد قربه منه وقراءة القرآن بتدبر تجلب لذة روحية لا تُوصف.
● المداومة على الطاعات.
-المواظبة على العبادات تجعل القلب يعتاد على القرب من الله، فيشعر بلذة العبادة.
والعبادة المستمرة تزيد من حلاوة الإيمان، وتجعل العبد يشعر بالفرح عند أدائها. قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
والمداومة على العبادة حتى الموت تجلب لذة الإيمان.ولا تنسي أن احب الأعمال أدومها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” (رواه البخاري ومسلم).
والعمل القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
والعبادة المستمرة تزيد من حلاوة الإيمان، وتجعل العبد يشعر بالفرح عند أدائها.
● الخشوع في العبادة.
الخشوع هو حضور القلب مع الله أثناء العبادة، وهو ما يجعل العبد يشعر بلذة العبادة ،وبقرب الله منه، فيزداد إيمانه
قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}** [المؤمنون: 1-2]. الخشوع في الصلاة يجلب الفلاح ولذة العبادة.
والذي لا خشوع عنده
ليس عنده يأخذ من صلاته،ربعها خمسها الخ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها” (رواه ). الخشوع هو ما يجعل الصلاة كاملة ومقبولة
● التقرب إلى الله بالنوافل.
– النوافل هي ما يتقرب به العبد إلى الله بعد الفرائض، وهي تزيد من لذة العبادة. عندما يتقرب العبد إلى الله بالنوافل، يشعر بحلاوة الإيمان ولذة القرب من الله.
{وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) ( رواه البخاري) فعندما يتقرب العبد إلى الله بالنوافل، يشعر بحلاوة الإيمان ولذة القرب من الله.
والنوافل تجلب محبة الله، وهي طريق إلى لذة العبادة. فالنوافل تجعل العبد يشعر بقرب الله منه.
● الذكر والدعاء.
ذكر الله والدعاء من أعظم العبادات التي تجلب لذة العبادة.
الذكر يملأ القلب بالطمأنينة، والدعاء يجعل العبد يشعر بقرب الله منه.
– قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
ذكر الله يجلب الطمأنينة ولذة العبادة.
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله” (رواه الترمذي).
الذكر هو طريق إلى لذة العبادة.
● أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْعَبْدُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ صَدَقَةٍ إِنَّمَا هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَى عَنْهُ بِهَا وَهِيَ الَّتِي تُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ ا..ددم يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»
● أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْعَبْدُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ لَا تُضِيعُ وَلَا تَفْنَى كَمَا تَفْنَى كُنُوزُ الدُّنْيَا وَأَمْوَالُهَا وَمَنَاصِبُهَا وَلَذَّاتُهَا بَلْ يَجِدُهَا الْعَبْدُ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا، بَلْ إِنَّهُ لَيَجِدُ ثَمَرَاتِهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يُدَّخَرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِمَّا هُوَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ؛ فَمَنِ اسْتَحْضَرَ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِمَا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَسُرَّ بِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَوَجَدَ حَلَاوَتَهَا وَلَذَّتَهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]. رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»
● التفكر في نعم الله.
-التفكر في نعم الله يجعل العبد يشعر بفضل الله عليه، فيزداد شكره وحبه لله، ويشعر بلذة العبادة.
– قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34].
التفكر في نعم الله يجلب الشكر ولذة العبادة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله” (رواه ).
التفكر في نعم الله يجلب الفرح والرضا.
● الصحبة الصالحة.
الصحبة الصالحة تعين العبد على الطاعة، وتذكره بالله، وتشجعه على العبادة، مما يجلب لذة العبادة قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28].
الصحبة الصالحة تعين على العبادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” (رواه ). الصحبة الصالحة تجلب لذة العبادة.
● البعد عن المعاصي.
المعاصي تحجب القلب عن الله، وتُفقد العبد لذة العبادة.
البعد عن المعاصي يجعل القلب صافيًا، ويشعر العبد بلذة العبادة ، قال تعالى عن العاصين : {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]. فالمعاصي تحجب القلب عن الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أراد الله بعبد خيرًا عسله، قيل: وما عسله؟ قال: يفتح له عملًا صالحًا قبل موته”(رواه ).
البعد عن المعاصي يجلب لذة العبادة.
● تَرْكُ فُضُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالكَلَامِ وَالنَّظَرِ، فَيَكْفِي المُسْلِمَ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ عَلَى مَا يُعِينُهُ عَلَى أَدَاءِ عِبَادَتِهِ وَعَمَلِهِ، فَلَا يُسْرِفُ فِي الأَكْلِ قَالَ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} [الأَعْرَافِ: 31].
عَنْ المُقْدَادِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»
قَالَ أَحَدُ السَّلَفِ: رَاحَةُ القَلْبِ فِي قِلَّةِ الآثَامِ، وَرَاحَةُ البَطْنِ فِي قِلَّةِ الطَّعَامِ، وَرَاحَةُ اللِّسَانِ فِي قِلَّةِ الكَلَامِ.
وَأَخْتِمُ بِكَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: (وَلَا تَظُنَّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفِطَارِ: 13 – 14] مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ المَعَادِ فَقَطْ، بَلْ هَؤُلَاءِ فِي نَعِيمٍ فِي دُورِهِمِ الثَّلَاثَةِ، وَهَؤُلَاءِ فِي جَحِيمٍ فِي دُورِهِمِ الثَّلَاثَةِ، وَأَيُّ لَذَّةٍ وَنَعِيمٍ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ بَرِّ القَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَمَعْرِفَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ، وَالعَمَلِ عَلَى مُوَافَقَتِهِ وَهَلِ العَيْشُ فِي الحَقِيقَةِ إِلَّا عَيْشُ القَلْبِ السَّلِيمِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَلَامَةِ قَلْبِهِ، فَقَالَ: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83 – 84].
وَقَالَ حَاكِيًا عَنْهُ: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88 – 89].
– وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالشُّحِّ وَالْكِبْرِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَالرِّيَاسَةِ، فَسَلِمَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللهِ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُعَارِضُ أَمْرَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُزَاحِمُ مُرَادَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُ عَنِ اللهِ، فَهَذَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ فِي جَنَّةٍ مُعَجَّلَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَفِي جَنَّةٍ فِي الْبَرْزَخِ وَفِي جَنَّةٍ يَوْمَ الْمَعَادِ (¬12).
● الدعاء بطلب لذة العبادة .
الدعاء هو سلاح المؤمن، ومن خلاله يمكن أن يطلب العبد من الله أن يرزقه لذة العبادة، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
الدعاء يجلب لذة العبادة.
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك” (رواه النسائي).
الدعاء بطلب لذة العبادة يجعل العبد يشعر بقرب الله منه..
ثمرات لذة العبادة
١- الراحة النفسية:
– العبادة تملأ القلب بالراحة والطمأنينة، وتزيل الهموم والأحزان. قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}[الرعد: 28].
وَإِطَالَتُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لِصَلَاةِ اللَّيْلِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَجِدُهُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الأُنْسِ وَالسُّرُورِ بِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ} [البَقَرَةِ: 45].
٢- زيادة الإيمان:
– لذة العبادة تزيد من إيمان العبد، وتجعله أكثر قربًا من الله. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2].
٣- السعادة الحقيقية:
– السعادة الحقيقية تكمن في القرب من الله، والشعور بلذة العبادة. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].
وَيَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ .
وبكى معاذ بن جبل عند موته فقيل له في ذلك قال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.
– وَيَقُولُ أَحَدُ السَّلَفِ: مَسَاكِينَ أَهْلِ الدُّنْيَا، خَرَجُوا مِنْهَا وَمَا ذَاقُوا أَطْيَبَ مَا فِيهَا، قِيلَ: وَمَا أَطْيَبُ مَا فِيهَا؟ قَالَ: مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَتُهُ وَذِكْرُهُ أَوْ نَحْوَ هَذَا.
● وَبَيَّنَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّ لِلطَّاعَةِ حَلَاوَةً يَجِدُهَا المُؤْمِنُ.
رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»
● لذة العبادة هي ثمرة الإخلاص، التدبر، المداومة، الخشوع، والتقرب إلى الله بالنوافل. عندما يتبع المؤمن هذه الطرق، يشعر بلذة العبادة، ويزداد قربه من الله.
إن لذة العبادة هي سر استمرار المؤمن في طاعة الله وعبادته، وهي ما يجعل العبادة حياة للقلب ونورًا للروح.
وتحقيق هذه اللذة يتطلب الإخلاص، التدبر، المداومة، الخشوع، والتقرب إلى الله بالنوافل. عندما يشعر العبد بلذة العبادة، يجد السعادة الحقيقية والراحة النفسية، ويزداد إيمانه وقربه من الله.
نسأل الله أن يرزقنا لذة العبادة، وأن يجعلنا من الذين يذوقون حلاوة الإيمان.
