
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الشباب حاضر الأمة النايض
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الحديث عن “شبابنا” هو حديثٌ عن حاضر الأمة النابض ومستقبلها الواعد، هم السواعد التي تبني، والعقول التي تبتكر، والقلوب التي تحمل مشعل الهداية.
غير أننا في هذا العصر المتلاطم بأمواج الفتن، والمحفوف بشبهات الشهوات وسعار الانفتاح الرقمي، نرى فئة من شبابنا قد استهوتهم صرعات التغريب، واختطفتهم العادات الدخيلة، فانساقوا وراء أفعالٍ لا تليق بمقام المسلم، ولا تتفق مع مروءة الشاب العربي الأصيل.
• إنَّ تشخيصنا لحال الشباب اليوم ليس من باب “جلد الذات” أو “اليأس من الجيل”، بل هو تشخيصُ الطبيب المشفق الذي يبحث عن مكمن الداء ليصف الدواء.
• إنَّ الانحراف السلوكي ليس إلا عرضاً لمرضٍ أعمق في التربية أو في الروح، وعلاجنا اليوم ينطلق من منهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، اللذين يملكان المفاتيح الحقيقية لـ تعديل السلوك وإعادة بناء الشخصية المتوازنة.
في هذه المحاضرة، سنبحر سوياً في غمار هذا الواقع،ونخرج العلاج من آيات الوحي ، ونرسم خارطة طريق تعيد لشبابنا هيبتهم الأخلاقية، متمثلين قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدًى﴾ [الكهف: 13].
إنّ الشباب هم نبض الأمة المتدفق، وسر قوتها الكامن، ولكننا اليوم نقف أمام مشهد معقد؛ حيث تتجاذبهم تيارات الفتن، وتتقاذفهم أمواج العولمة بآثارها السلبية، مما أفرز أنماطاً من السلوكيات غير اللائقة التي لم نعهدها من قبل. إنَّ تعديل السلوك ليس مجرد زجرٍ وعقاب، بل هو عملية “بناء وإحياء” تستند إلى فهم النفس البشرية ومنهج الوحيين.
أولاً: تشخيص الواقع السلوكي للشباب ودوافعه
إنَّ الانحرافات السلوكية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لتراكمات فكرية وبيئية.
● التأثر بالموجات الثقافية الوافدة: حيث أصبح التقليد الأعمى سمة بارزة في اللباس، والكلام، والتصرفات التي تخدش الحياء العام.
● الفراغ الروحي والفكري: عندما يغيب الهدف السامي، يمتلئ الفراغ بالتوافه، وهو ما حذر منه النبي ﷺ.
• عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»
خرجه البخاري.
ثانياً: خطورة الاستهانة بالصغائر والأفعال غير اللائقة
كثير من الشباب يظن أن “الموضة” أو “التنمر” أو “المزاح الثقيل” أمور هينة، لكنها في الميزان الشرعي قد تكون مهلكة.
● الاستخفاف بالذنوب: إنَّ تراكم الأفعال غير اللائقة يطمس بصيرة القلب.
• قال تعالى : ﴿كَلَّا بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
● التحذير من استصغار السوء:
• عَنْ عبدالله بن مسعود ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ»
أخرجه الطبراني، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، والشجري في ((الأمالي)) باختلاف يسير
ثالثاً: منهجية تعديل السلوك (الوقاية والعلاج)
تعديل السلوك يبدأ من الداخل (القلب) وينتهي بالخارج (الجوارح)، وذلك عبر خطوات عملية:
● 1. غرس الرقابة الذاتية (الإحسان):
أن يدرك الشاب أن الله يراه في خلوته وجلوته، فلا يجعل الله أهون الناظرين إليه.
• قال تعالى : ﴿أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14].
• في حديث جبريل المشهور حين سأل عن الإحسان، قال ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
أخرجه أحمد .
● 2. اختيار الصحبة الصالحة:
الشباب كائنات اجتماعية بطبعها، والصديق هو المرآة والدافع الأول للسلوك.
• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ»
أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد واللفظ له
● 3. التربية بالقدوة والرفق:
على المربين والمصلحين استخدام أسلوب الرفق لا العنف في تعديل الاعوجاج.
• عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»
خرجه مسلم.
رابعاً: استعادة الحياء كقيمة أخلاقية كبرى
معظم الأفعال غير اللائقة ناتجة عن ضعف “عضلة الحياء” في الشخصية.
● أهمية الحياء في ضبط الجوارح: الحياء هو “الكابح” الإرادي لكل فعل قبيح.
• عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»
خرجه البخاري.
خامساً: فتح باب التوبة والأمل (الدعم النفسي)
لا يجوز لنا أن نُقنط الشباب من رحمة الله مهما بلغت أفعالهم من السوء، فالتوبة هي نقطة التحول الكبرى.
● الترغيب في الأوبة إلى الحق:
• قال تعالى : ﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
● الاستبدال السلوكي (الحسنة تمحو السيئة):
• عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»
أخرجه الترمذي، وأحمد
إنَّ شبابنا اليوم يحتاجون إلى “احتواء” يجمع بين الحزم التربوي والحنان الأبوي.
إنَّ تعديل سلوكهم يبدأ من إشعارهم بقيمتهم في بناء الحضارة، وربطهم بهويتهم الإسلامية الأصيلة.
فمتى استقام القلب على محبة الله، استقامت الجوارح على مكارم الأخلاق.
وواقع الشباب اليوم ليس مجرد “أزمة أخلاق”، بل هو “أزمة هوية” و”غربة قيم”. إنَّ انتقال الشاب من دائرة الفعل غير اللائق إلى رحاب السلوك القويم يتطلب تظافر ثلاثة أركان أساسية:
● الوعي الذاتي: بأن يدرك الشاب أنَّ جسده ووقته وعمله أمانات سيسأل عنها، مستحضراً قوله ﷺ: «لا تزولُ قدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ.. وعن شبابِه فيما أبلاه»
أخرجه الترمذي، والدارمي، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن)) باختلاف يسير
من حديث أبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد
● البيئة الحاضنة: فالمجتمع والأسرة والمؤسسات التعليمية مطالبة بتقديم “البديل الجاذب” الذي يملأ فراغ الشباب بما ينفعهم، بدلاً من سياسة المنع المجرد.
● الاستقام المنهجية: وهي الربط الدائم بين العبادة والسلوك، فلا تنفصل الصلاة عن الحياء، ولا الصوم عن كف الأذى، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [العنكبوت: 45].
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوب شبابنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبهم إلى طاعتك. اللهم احفظ شبابنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وزين في قلوبهم الإيمان، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين.
اللهم يا حي يا قيوم، ارزق شبابنا حياءً يمنعهم من المعاصي، وعزيمةً ترشدهم إلى معالي الأمور، واجعلهم قرة عين لآبائهم وأمتهم.
اللهم طهر قلوبهم، وحصن فروجهم، وسدد ألسنتهم، واصرف عنهم رفقاء السوء ومضلات الفتن.
اللهم إنهم مغلوبون فانتصر لهم من نفوسهم الأمارة بالسوء، ومن شياطين الإنس والجن.
اللهم املأ فراغهم بالحق، واشغل جوارحهم بالطاعات، واجعلهم بناةً لا هادمين، ومصلحين لا مفسدين.
