رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علو الهمة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علو الهمة

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن علو الهمة شيمة الذين لا يعترفون بكلمة “مستحيل”، فترتقي نفوسهم عن الدنايا لتلامس بجباهها الثريا وتصنع التاريخ بإرادة من حديد.

⚫ أولاً: مفهوم علو الهمة .

● تعريف عُلُوِّ الهِمَّة.

​عُلُوُّ الهِمَّة : هو تعلُّق النفس بالغايات الشريفة، واندفاعها الدائم إلى الأكمل والأعلى، مع بذل الجهد، واحتمال المشقة، وعدم الرضا بالدون.

وقيل :” علو الهمة هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، ومعنى ذلك: أن المؤمن لا تنتهي إنجازاته في أمور دينه ودنياه، بل كلما انتهى من إنجاز سعى إلى آخر، وهكذا حال صاحب الهمة العالية.

وعلو الهمة ليس مجرد طاقة نفسية، بل هو “استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور”، وهو في الفقه الإسلامي يقترن بواجب “المسارعة” و”المسابقة”.

والهمة هي المحرك الذي ينقل العبد من حضيض البطالة إلى قمم السيادة.

• لقد جعل الله سبحانه علوَّ الهمة عبادةً ومطلبًا، فحثَّ عباده على ملاحقة المعالي والتسابق نحو مراتب القرب، مُؤكدًا أن نيل الجنان لا يتحقق إلا بنفوسٍ توّاقة لا ترضى بغير الصدارة.

​وتتجلى هذه الحقيقة في قوله تعالى آمرًا بالاستباق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]، ليكون هذا الطموح هو الغاية التي تستحق بذل الجهد: ﴿لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61]، والميدان الذي تشرئبُّ إليه الأعناق: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].

​ولم يقف التوجيه الإلهي عند الحثِّ فحسب، بل فرّق سبحانه بين أصحاب الهمم الوثّابة وبين المُؤثرين للراحة، فأعلى شأن الباذلين لأنفسهم وأموالهم بقوله: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95]، وأكد أن التقدُّم في الفضل مرتبطٌ بسبق الهمة وقوة المبادرة: ﴿أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: 10].

​• روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» 📚 قال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم

• وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابه كما روى الطبراني في الكبير من حديث الحسن بن علي رضي اللهُ عنهما: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى: يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشرَافَهَا، وَيَكرَهُ سِفْسَافَهَا» 📚 الطبراني وصححه الألباني في «الصحيحة»

أي: الحقير الرديء منها.

​• وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» 📚 أخرجه البخاري من حديث عبدالله بن عباس).

• الغبن لا يقع إلا لمن قصرت همته عن استغلال وسائله (الصحة والفراغ) فيما ينفعه في معاده.

​● الفرق بين عُلُوِّ الهِمَّة والطموح المجرَّد .

• ليس كلُّ طموحٍ عُلُوَّ هِمَّة؛ إذ قد يكون الطموح دنيويًّا محضًا، أمَّا عُلُوُّ الهِمَّة الشرعي فهو ما كان:

• منضبطًا بالوحي

• موجَّهًا لمرضاة الله

• مُثمِرًا نفعًا في الدنيا والآخرة

قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ۝ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [سورة الإسراء: 18–19]

⚫ أقسامُ عُلُوِّ الهِمَّة .

تنقسمُ الهِمَّةُ العاليةُ إلى قسمين :

الأول: رجلٌ يُدركُ ما أودَعَ اللهُ فيه من قُدرةٍ وكفايةٍ للنهوض بعِظامِ الأمور، فيسمو بطموحه إليها، ويجعلُ المعالي غايةَ سعيه، فتعلو همَّته ويشتدُّ يقينُه، وهذا هو الذي يُوصَفُ بعِظَمِ الهِمَّةِ وقوَّةِ اليقين.

الثاني: رجلٌ يملكُ من الكفاية والطاقة ما يؤهِّله لعِظامِ الأمور، غيرَ أنَّه يزهدُ في نفسِه ويُهينُ قدرَها، فيقصرُ همَّه على سفاسفِ الأمور وصغائرها، فيكونُ بذلك صغيرَ الهِمَّةِ، وقد أشار إلى هذا المعنى المتنبِّي بقوله:

وَمَا أَرَى فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا

كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ

⚫ منزلةِ عُلُوِّ الهِمَّة وأهميَّته .

​إنَّ عُلُوَّ الهِمَّة خُلُقٌ جليل، ومَلكةٌ راسخة، به تُقاسُ مقاديرُ الرجال، وتُعرفُ منازلُ العاملين، وهو الدافعُ الخفيُّ وراء كلِّ إنجازٍ عظيم، وبه تسمو النفوس عن سفاسف الأمور، وتتشوَّفُ إلى معالي المقاصد، وتستصغرُ العقبات في سبيل الغايات الكبرى.

ولذلك لم يكن عُلُوُّ الهِمَّة خُلُقًا طارئًا في الإسلام، بل هو أصلٌ راسخ في نصوص الوحي، وسيرة الأنبياء، وهدي الصحابة، ومسلك العلماء، وسِمَةُ كلِّ أمةٍ أرادت النهوض والتمكين.

• قال المتنبي:

وإذَا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا

تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ

• وقال أيضاً:

إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مروم

فَلا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجومِ

فَطعْمُ المَوتِ في أمرٍ حقيرٍ

كَطَعْمِ المَوتِ في أمرٍ عَظيمٍِ

• وقال أبو فراس الحمداني:

ونَحْنُ أُناسٌ لا تَوسُّطُ عنْدَنَا

لَنَا الصَدْرُ دُونَ العالمِينَ أو القبرُ

تَهونُ عَليْنَا في المَعَالِي نُفُوسُنا

ومَنْ خَطَبَ الحَسْنَاءَ لم يُغلهِ المهرُ

⚫ عُلُوُّ الهِمَّة في القرآن الكريم .

● الأمرُ بمسابقة المعالي . إنَّ القرآن لا يرضى للمؤمن أن يكون في المؤخرة، بل يدعوه إلى المسابقة والمنافسة في أعلى المراتب.

قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الحديد: 21]

وهذه المسابقة لا تكون إلا بهمَّةٍ عالية، ونفسٍ تكره التراخي والفتور.

​● الترفع عن الدنايا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة آل عمران: 139]

فالإيمان الحقُّ يورث العلوَّ النفسي والمعنوي، ويمنع صاحبه من الاستكانة والرضا بالدون.

⚫ عُلُوُّ الهِمَّة في السُّنَّة النبويّة

● التوجيه إلى أعلى المقامات قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ» 📚 خرجه البخاري من حديث أبي هريرة

وهذا توجيهٌ نبويٌّ صريحٌ إلى عدم القناعة بأدنى المراتب، بل طلب الأعلى دائمًا.

● التحذير من ضعف الهمة قال ﷺ: «احْرِصْ عَلَىٰ مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ» 📚 أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وأبو يعلى من حديث

أبي هريرة

فالحرص، والاستعانة، ونفي العجز، كلُّها معانٍ تُكوِّن عُلُوَّ الهِمَّة.

• فينبغي للمؤمن أن تكون همته عالية، يسعى إلى معالي الأمور وفيما يصلحه من أمر دينه ودنياه، وأن يبذل في ذلك الغالي والنفيس، وألا يكون ضعيف الهمة يحب الراحة والكسل، فإنه بقدر الكد تكتسب المعالي، ومن طلب العلا سهر الليالي

• قال الشاعر:

وَمَنْ رَاَمَ العُلا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ

أَضَاعَ العُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ

تَرُومُ العِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً

يَغُوصُ البَحْرَ مَنَ طَلَبَ اللآلِي

⚫ عُلُوُّ الهِمَّة في سير الأنبياء

● هِمَّة نوحٍ عليه السلام لبث في قومه قرابة ألف سنة إلا خمسين عامًا، لا يملُّ ولا ييأس، ولا يضعف عزمه.

قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [سورة العنكبوت: 14]

​● هِمَّة موسى عليه السلام في طلب العلم قال تعالى حكايةً عنه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [سورة الكهف: 60]

وهو نبيٌّ كريم، ومع ذلك يشقُّ الطريق الطويل لزيادة علمٍ ورفعة مقام.

​● هِمَّة محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .

● كان نبينا محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أعلى الناس همة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّل (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)} [المزمل]، وكان نبينا محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يمتثل لهذا التوجيه الرباني الكبير، فيقوم حتى تتفطر قدماه؛ وفي النهار جهاد، ودعوة، وقيادة للأمة، وكان في بيته تسع نسوة يقوم على شؤونهن، وكان يضع الحجر على بطنه من الجوع، وتمر الليالي تلو الليالي لا يوقد في بيت رسول اللَّه نار إن هو إلا الأسودان – التمر والماء – لقد ولَّى عهد النوم والراحة، قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَب (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (8)} [الشرح].

⚫ عُلُوُّ الهِمَّة عند الصحابة والسلف

● هِمَّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: “إني لأكره أن أرى أحدكم سَبَهْلَلًا، لا في عمل دنيا ولا آخرة”.

​● هِمَّة ابن مسعود رضي الله عنه قال: “ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي”.

وهذه الكلمات تُجسِّد وعيَهم بقيمة الزمن، وسموَّ هِممهم عن الفراغ والبطالة.

● كان عليه الصلاة والسلام يحث أصحابه على الهمة العالية والمسابقة إلى الدرجات العالية، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي اللهُ عنه في غزوة بدر، قال: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «لَا يُقَدِّمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ»، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ»، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؟! قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟!» قَالَ: لَا، وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا» فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَاكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ

📚أخرجه مسلم .

● ومن الأمثلة على الهمة العالية ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول اللَّه، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن اللَّه أشهدني قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع، فلما كان يوم أُحُد، وانكشف المسلمون، قال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني أصحابه – وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء – يعني المشركين – ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أُحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول اللَّه ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل وقد مَثَّلَ به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته بِبَنانِه.

قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} إلى آخر الآية [الأحزاب:23] 📚 صحيح البخاري ومسلم)

⚫ ثانياً: علو الهمة في طلب العلم والتحصيل الشرعي

العلم لا يُنال براحة الجسم، ولا يستطيعه خامل الذكر؛ لذا كان علو الهمة في الطلب هو الفارقة بين العالم والمتعلم والجاهل.

● أمر الله نبيه بالاستزادة من العلم، وهذا عين علو الهمة:

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [سورة طه: 114].

● عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «- مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ ، وإنَّ الملائِكَةَ لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في السَّمواتِ ومن في الأرضِ ، حتَّى الحيتانِ في الماءِ ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ »📚 أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد باختلاف يسير

من حديث أبي الدرداء

• سلوك الطريق والالتماس حركة دؤوبة تتطلب قلباً لا يعرف الكلل، وهامةً تعانق الثريا.

● ومن الأمثلة على علو الهمة:

• ما قاله مسروق عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللهُ عنه أنه قال: واللَّه ما أُنزلت آية، إلا وأنا أعلم فيما نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب اللَّه مني، تبلغه المطايا، لأتيته.

• وكان الإمام البخاري يقوم في الليلة الواحدة: ما يقارب عشرين مرة، لتدوين حديث أو فكرة، وقال الإمام أحمد بن حنبل: رحلت في طلب السُّنَّة إلى الثغور والشامات والسواحل، والمغرب والجزائر، ومكة والمدينة، واليمن وخراسان وفارس، وقال: حججت خمس حجات: منها ثلاث حجج راجلاً من بغداد إلى مكة، وقال ابن الجوزي: طاف الإمام أحمد بن حنبل الدنيا مرتين، حتى جمع المسند وفيه ثلاثون ألف حديث.

• وقال أيضاً: ولو أني قلت: طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر، وأنا بعد في الطلب فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم، وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيها، وأحتقر همم الطلاب وللَّه الحمد “

📚 صيد الخاطر .

• وقال ابن الجوزي – في ترجمة الطبراني -: هو العلَّامة سليمان ابن أحمد مُسنِد الدنيا، زادت مؤلفاته على خمسة وسبعين مؤلفًا، سئل عن كثرة أحاديثه؟ ! فقال: كنت أنام على الحصير ثلاثين سنة.

• قال الشافعي رحمه الله:

تَغَرَّبْ عن الأوطانِ في طلبِ العُلَا

وسافِرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ

تَفْرِيجُ هَمٍّ واكتسابُ معيشةٍ

وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ ماجدِ

⚫ ثالثاً: علو الهمة في العبادة والتعلق بالدار الآخرة

إن عالي الهمة لا يرضى بالقليل من القربات، بل يطمح دائماً للفردوس الأعلى، فنيته تسبق عمله، وقلبه يسبق بدنه.

● وصف الله السابقين بقوله:

﴿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [سورة المؤمنون: 61].

● عن معاذ بن جبل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ»📚 أخرجه الترمذي باختلاف يسير، وابن ماجه مختصراً، وأحمد واللفظ لهأخرجه الترمذي باختلاف يسير، وابن ماجه مختصراً، وأحمد

​• هذا الحديث أصل في مشروعية “الطموح الأخروي”، وعدم القناعة بالدون في درجات الجنان

.

⚫ رابعاً: علو الهمة في مواجهة الصعاب وتحمل الأذى

الحياة ممر اختبار، والهمة العالية هي الدرع التي تقي العبد السقوط في فخ اليأس أو الاستسلام للواقع المرير.

● قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الأحقاف: 35].

● عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ» 📚 أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.

• قوله “ولا تعجز” هو جوهر علو الهمة؛ فالعجز هو الاستسلام للضعف، والهمة هي النهوض بعد السقوط.

⚫ أسبابُ ضعفِ الهِمَّة

● التعلُّق المفرط بالدنيا

● طول الأمل ونسيان الآخرة

● صحبة أصحاب الهمم الدنيئة

● الغفلة عن عظيم الجزاء

● الجهل بفضل العمل الصالح

قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾

[سورة الحجر: 3]

⚫ ثمرات علو الهمة وآثارها في الفرد والمجتمع

من كانت همته عالية، سمت به نحو معالي الأمور وترفعت به عن سفسافها، وهذا ما يبني الأمم ويحفظ الحضارات.

● قال تعالى : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: 23].

● عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يحبُّ مَعاليَ الأُمورِ وأَشرافَها ، ويَكْرَهُ سَفْسافَها» 📚 أخرجه الطبراني، وصححه الألباني في «الصحيحة»

أي: الحقير الرديء منها.

⚫ عُلُوُّ الهِمَّة وأثرُه في نهضة الأمة

​إنَّ الأمم لا تنهض بالكلام، ولا بالشعارات، وإنما تنهض بهممٍ تأبى الانكسار، ونفوسٍ لا ترضى بالقعود، ورجالٍ ونساءٍ إذا عزموا صدقوا، وإذا عملوا أتقنوا.

​قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الرعد: 11]

⚫ الوسائل المعينة على نيل علو الهمة .

● تعظيم الله ومعرفة أسمائه وصفاته

● كثرة ذِكر الموت والآخرة

● قراءة سير العظماء من الأنبياء والعلماء

● مصاحبة أهل الهمم العالية من المجدين.

● العلم والبصيرة بعظمة الهدف.

● مجاهدة النفس

على معالي الأعمال

قال ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» 📚 أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.

وكسر قيود العجز.

قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت: 69].

إنَّ عُلُوَّ الهِمَّة ليس خُلُقًا ترفيًّا، ولا زينةً أخلاقية، بل هو ضرورة شرعية، وحاجة حضارية، وواجبٌ إيماني، به تُحفظ الأوقات، وتُستثمر الأعمار، وتُبنى النفوس، وتقوم الحضارات.

فطوبى لمن سمت همته، وارتفعت غايته، وصدق مع الله في قصده وسعيه، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت: 69].

أيها الباحثون، إن الهمة هي الوقود الذي لا ينضب، وهي التي تجعل المسلم رقماً صعباً في معادلة الوجود. فليست الحياة بطول السنين، وإنما بعمق الهمة وعظيم الأثر. فكن رجلاً إن أتوا بعده يقولون: مرَّ وهذا الأثر.