
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن إحترام الكبير
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن أعظمِ الأخلاقِ التي ينبغي أنْ يتحلَّى بها المسلمُ في حياتِه: خلقُ الاحترامِ ،
والاحترامُ كلمةٌ تضمُّ مجموعةً مِن المشاعرِ الإيجابيةِ المتمثلةُ في الحبِّ والعنايةِ والتقديرِ، وهي صفةٌ إنسانيةٌ جليلةٌ تحملُ في طياتِها معاني أخرى من الشموخِ والرفعةِ والعزةِ، والاحترامُ عكسُ الازدراءِ أي الاحتقار
والاحترامُ أيُّها السادةُ : خلقٌ عظيمٌ من أخلاقِ الدينِ، ومبدأٌ كريمٌ مِن مبادئِ الإسلامِ، وشِيمةٌ مِن شيمِ الأبرارِ الأخيارِ، وصفةً مِن صفاتِ المؤمنين الموحدين، أمرنَا بها الدينُ، وتخلّقَ بها سيدُ المرسلين ﷺ، تدلُ على سموِّ النفسِ، وعظمةِ القلبِ، وسلامةِ الصدرِ، ورجاحةِ العقلِ، ووعيِ الروحِ، ونبلِ الإنسانيةِ وأصالةِ المعدنِ ، واحترامُ الناسِ وتوقيرُهم
الاحترامُ أدبٌ رفيعٌ يتحلَّى به الموحدُون، ويتصفُ به الكبارُ، وصفةٌ أخلاقيةٌ حميدةٌ، وحاجةٌ إنسانيةٌ نبيلةٌ، وقاعدةٌ مهمةٌ في بناءِ العلاقاتِ العامةِ، وكسبِ ودِّ الآخرين ومحبتِهم، والاستزادةِ مِن الأصدقاءِ والمعارف.ِ
وشريعةُ الإسلام جاءت بِما يُقوِّي الرَّوابطَ بين أفراد المجتمَعِ صغيرِه وكبيره، غنيِّه وفقيره، عالِمِه وجاهِله. جاءت بما يقوِّي تلك الأواصرَ؛ حتَّى يكون المجتمع المسلِم مجتمعًا مثاليًّا في فضائلِه وقِيَمه، وفي شريعة الله كلُّ خير وهدًى، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]..
أيُّها السادةُ: لو نظرنَا إلى القرآنِ الكريمِ وتأملنَا ما فيه لوجدنَاهُ يأمرُنَا بالاحترامِ والأدبِ والتخلقِ مع الناسِ بأخلاقِ الإسلامِ وكيف لا ؟ واللهُ أمرَ نبيَّه ﷺ بالاحترامِ وبالأدبِ وباللينِ وبالرفقِ مع أصحابهِ بل ومع الناسِ أجمعين فقال مخاطبًا إياه: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) الحجر: 88،
وقال جل وعلا: (فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران: 159.ولم لا ؟ ولقد جاءَ الاحترامُ في الإسلامِ في المخاطبةِ والحديثِ مع الناسِ فقال تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) البقرة: 83، أي تخيرُوا مِن الكلماتِ أحسنَهَا ومِن العباراتِ أدقَّهَا ومِن الألفاظِ أجملَهَا جبرًا لخواطرِ الناسِ ومراعاةً لمشاعرِهِم واحترامِهِم، وفيمَا بينَ المؤمنين أنفسِهِم أمرَهُم بالاحترامِ والأدبِ والأخلاقِ قال تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الإسراء: 53، أو في دعوةِ الناسِ إلى الإسلامِ حتى وهم كفارٌ ملحدون أمرنَا بالحكمةِ والاحترامِ والأدبِ والتخلقِ بأخلاقِ الإسلامِ قال تعالى:(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل: 125، وقال جلَّ وعلا: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) العنكبوت: 46، وقال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام عندمَا أمرهُمَا بالذهابِ إلى فرعونَ فقالَ ربُّنَا: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى, فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) طـه:43 ،44، يا الله، لفرعونَ الذي قالَ:( أنَا ربُّكُم الأعلى)، فبما بالكُم بمَن قالَ: ( سبحانَ ربِّيَ الأعلَى)؟، حتى في الخصومةِ مع الآخرين أمرنَا بالاحترامِ وبعدمِ الاهانةِ وتحقيِرِ الناسِ قال ربُّنا : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت: 34،
وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قال: (أَحْبِبْ حبيبَك هونًا مَا، عسى أنْ يكونَ بغيضَكَ يومًا مَا، وأبغضْ بغيضَكَ هونًا مَا، عسى أنْ يكونَ حبيبَكَ يومًا مَا) رواه الترمذي،
لقد خلق الله الإنسان، وجعل حياته تمر بثلاث مراحل:
● مَرْحَلَةِ الضَّعْـفِ، وَهِيَ مَرْحَلَةُ الطُّفُولَةِ وَالصِّغَرِ، وَفِيهَا يَبْدُو الإِنْسَانُ مُحْـتَاجًا إِلَى الرِّعَايَةِ وَالعِنَايَةِ، وَيَبْـذُلُ وَالِدَاهُ جُهُودًا كَبِيرَةً فِي مُسَاعَدَتِهِ وَالحِفَاظِ عَلَيْهِ،
● ثُمَّ مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ، وَهِيَ مَرْحَلَةُ القُوَّةِ وَالنَّشَاطِ وَالهِمَّـةِ، وَالعَمَلِ الكَادِحِ وَالإنتاج، وَفِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ يُعَدُّ الإِنْسَانُ سَاعِدَ الحَيَاةِ القَوِيَّ، وَالمَسْؤُولَ عَنْ تَقَدُّمِهَا أَوْ تَأَخُّرِهَا،
● إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْحَلَةِ الضَّعْـفِ وَالشَّيْخُوخَةِ، وَفِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ تَتَرَاجَعُ قُوَّةُ الإِنْسَانِ، وَيَنْحَسِرُ عَطَاؤُهُ وَنَشَاطُهُ، وَتَتَوَقَّفُ الكَثِيرُ مِنْ أَعْمَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ، حَتَّى يَعُودَ مُحْـتَاجًا مَرَّةً أُخْرَى إِلَى المُسَاعَدَةِ وَالعَوْنِ، وَالعَطْفِ وَالرَّحْمَةِ.
لقد أوصتْ الشريعةُ الإسلاميةُ أنْ نحسنَ إلى الكبيرِ الذي تقدّمَ بهِ العُمُرُ؛ لأنَّ سنةَ الحياةِ اقتضتْ أنْ يعيشَ الإنسانُ فترةَ شبابهِ ثم يصيرُ شيخًا كبيرًا،
وَقَدْ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ المَرَاحِلَ الثَّلاثَ، فقال -سبحانه-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم:54].
● أيّها الشابّ في شبابِك حيويّة وقوّةٌ شبابيّة، ترى نفسَك وأنت ممتَّع بسمعك وبصرِك وسائرِ قوَّتك، يمرُّ بك ذو الشّيبة من المسلمين فما ترعى له حقًّه، لا تسلِّم عليه أحيانًا، ولا تقدر له قدرَه، وربما ضايقتَه في الطريق، وربما سخِرتَ منه، وربما استهزأتَ به، وربما عِبتَه، وربما قلْتَ وقلت.
أيّها الشابّ إن كنتَ ممتَّعًا الآن بقوَّتك، فتذكَّر بعد سنين وقد ضعُفت تلك القوّة، وعُدتَ إلى ضعفِك القديم،
تذكر يوم “يقف الإنسان عند آخر هذه الحياة فينظر إليها وكأنها نسجٌ من الخيال، أو ضرب من الأحلام، يقف في آخر سِنِيِّ عمره وقد ضعف بدنه، ورق عظمه، فأصبحت آلامه متعددة: ضعُف البدن، وثقُل السمع، وتهاوت القوى، وتجعّد الجلد، وابيضَّ الشعر، يمشي بثلاث بدل اثنين، هكذا يكون حال الإنسان إذا تقدم به العمر، وهذه المرحلة من مراحل السن هي سنة الله في خلقه، ولم يسلم منها حتى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ألم تسمعوا عن زكريا -عليه السلام- ينادى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) [مريم:4].
ولذلك؛ فإن من عظمة الإسلام أنه كما اهتمّ بالإنسان صغيراً ووجّه الأسرة والمجتمع إلى رعايته والاهتمام به، فإنه كذلك أمر بحسن رعاية واحترام الكبير في الإسلام مهما كان, أباً أو أماً، قريباً أم بعيداً، جاراً أم صديقاً، أخاً أم عماً أم خالاً, معروفاً أم غريباً، فقال -تعالى- عن الوالدين: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كريمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:23-24]، وقد أكدتْ الآياتُ على حقِّ الوالدينِ خصوصًا عندَ الكبرِ؛ ردًّا لبعضِ جميلِ عطائِهِمَا غيرِ المحدودٍ، وشكرًا على تضحياتهِمَا التي لا نظيرَ لهَا، يقولُ الحقُّ سبحانَهُ: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وذلك دأبُ الأنبياءِ والمرسلين، فهذا نبيُّ اللهِ (يحيَى) عليهِ السلامُ يقولُ سبحانَهُ في حقِّهِ: {وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا}، ويقولُ تعالَى على لسانِ عيسَى (عليهِ السلامُ): {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، وقد زارَ نبيُّنَا ﷺ قبرَ أُمِّهِ، فبكَى وأبكَى مَن حولَهُ؛ برًّا بهَا وشوقًا إليهَا.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: “هَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟” قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا وَلَقَدْ تَرَكْتُهُمَا يَبْكِيَانِ قَالَ: “فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللهِ؟” قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: “فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ أَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا وَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا”، وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ)) رواه أبو داود والنسائي،
وعَنْ أَبي هريرةَ رضي اللهُ عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ“، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: “مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أحَدَهُما، أوْ كِلَيْهِما فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ“. ( مسلم).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: “ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا” رواه أحمد وصححه ابن حبان.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (الترمذي وحسنه)، أيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنَّا،
وجعلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ للشيبِ قيمةً عظيمة، وأجراً كبيراً؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: “نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ”، وَقَالَ: “هُوَ نُورُ الْمُؤْمِنِ”، وَقَالَ: “مَا شَابَ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ شَيْبَةً، إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ، وَكُتِبَتْ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ))رواه أحمد وصححه الأرناؤوط).
ونبيّنا صلى الله عليه وسلم إذا تحدّث عنده اثنان في أمرٍ ما يبدَأ بأكبَرهما بالحديث، ويقول: ((كبِّر كبِّر)) ، يبدأ الأكبرُ قبلَ أن يبدأَ الأصغر. هكذا خلُق الإسلام،.
إنَّ نبيَّنا محمَّدًا صلى الله عليه وسلم حثَّنا على هذا الخلقِ الكريم، ورَغَّبنا فيه، ويبيِّن صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن أحسن إلى الكبيرِ في الدنيا هيَّأ الله له المحسِنِ عند كِبَر سنِّه، ورقَّةِ عَظمه ، يقول صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِن مسلمٍ يكرِم ذا الشَّيبةِ؛ إلاَّ قيَّض الله له من يكرِمه في سِنِّه)) فإذا أكرمتَ ذا الكِبَر لسنِّه قيَّض الله لك في حياتِكَ من يجازيك بمثلِ ما عمِلتَ، فيكرمُك ويحسِن إليك.
لقد جعل الإسلام احترام الكبير نوعاً من أنواع إجلال الله وتعظيمه، فقال -عليه الصلاة والسلام-: عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (أبو داود بسند حسن) صححه الألباني.، قوله: “إِنَّ مِن إجلالِ الله” أي: تبجيلهُ وتعظيمهُ، “إكرامُ ذي الشيبةِ المسلمِ”، أي: تعظيمُ الشيخِ الكبيرِ في الإسلامِ بتوقيرهِ في المجالسِ، والرفقِ بهِ، والشفقةِ عليهِ ونحو ذلك، كلُّ هذا مِن كمالِ تعظيمِ اللهِ؛ لحرمتهِ عندَ اللهِ” فمن إجلال الله أن تكرمَ هؤلاء الثلاثة: ذو الشيبةِ من أهل الإسلام، تكرِمه، ترحَم كِبَره، تخاطبه بخطابٍ ليِّن، تقضي حاجتَه، تعينه على نوائِبِ الدنيا، تعرِف له كِبَره ضعفَ قوّته وعجزه عن التصرُّف، فكلُّ هذه الأمور تكون في فِكرِك، فتعامِل ذا الشّيبةِ المعاملةَ الطيّبة، التي تنمّ عن رحمةٍ وأدَب حسَن.
ثانيًا: من كان حامِلاً لكتابِ الله الحمل الشرعيَّ، ليس غاليًا فيه، فإنّ الغاليَ في القرآنِ يخرج به غلوُّه عن المنهَج والطريق السويِّ؛ كما خرج بفرقةِ الخوارج، الذين ساءَ فَهمُهم للقرآن، وقَلَّ وعيُهم وإدراكهم؛ حتى استحلُّوا دِماءَ المسلمين، كفَّروهم واستحلّوا دماءَهم وأموالهم، والغالي في القرآن تراه متكبِّرًا على غيره، مكفِّرًا لغيره، معتقِدًا ضلالَ غيره بلا فِكرٍ ولا رَأيٍ مُصيب، أو الجافي عنه الذي حمَله فعطَّل العملَ به، ولم يَقُم بحقوقِه، عافانا الله وإيّاكم من ذلك.
وذُو السلطان المقسِط العادِل، تكرمه لإمامتِه وقيامِه بشأن رعيَّته.
فأنتَ إنْ أحسنتَ إلى الكبيرِ سيقيضُ اللهُ مَن يحسنُ إليكَ في عجزِكَ وشيخوختِكَ؛ لأنّه كما تدينُ تدان، قَالَ ﷺ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» (الترمذي، وأحمد)،
وعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، فَكُنْ كَمَا شِئْتَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» (مُرْسَلٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ) .
مظاهرُ العنايةِ والرعايةِ في احترامِ الكبيرِ:
تعددتْ مظاهرُ العنايةِ والرعايةِ في احترامِ الكبيرِ، ومِن أعظمِ تلك المظاهرِ ما يلي:
● حسنُ الاستقبالِ، والتوسعةُ لهُ في المجلسِ، وتذكرُ حسانتهِم معنَا: وفي سيرةِ نبيِّنَا العطرةِ ما يرشدُكَ إلى ذلك، فعنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ، فَقَالَ: بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ، كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي)،
وكان ﷺ يُؤثرُ ويحبُّ أنْ يأتي كبارُ السنِّ، ويقضِي لهم حاجتَهُم، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِأَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ لَأَتَيْنَاهُ» (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي) .
وهكذا كان الصحابة مع رسول الله توقيرا واحتراما مما أثارَ دهشةَ عروةَ بنِ مسعودٍ الثقفيِّ وجعلَهُ يتعجبُ مِن الحبِ والإجلالِ والتعظيمِ والاحترامِ مِن الصحابةِ للنبيِّ ﷺ، وذلك حينمًا بعثَتْهُ قريشٌ ليتفاوضْ مع النبيِّ ﷺ في صلحِ الحديبيةِ، ” فجَعَلَ عُرْوَةُ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ؛ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا”(البخاري). وهذا الاحترامُ كان سببًا في إسلامِهِ وماتَ شهيدًا!
وقد سُئِلَ العباسُ عمُّ النبيِّ ﷺ أنتَ أكبرُ أم رسولُ اللهِ؟ فقالَ احترامًا وتوقيرًا: هو أكبرُ منِّي وأنَا ولدتُ قبلَهُ!
وهكذا خرَّجتْ مدرسةُ النبيِّ مُحمدٍ – ﷺ – جيلًا نشأَ على الحبِّ والاحترامِ والتقديرِ .
كما يُسنُّ التوسعةُ للكبيرِ إذا قدمَ سَوَاءٌ كَانَ ذَا شَيْبَةٍ، أَوْ ذَا عِلْمٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَبِيرَ قَوْمٍ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» (ابن ماجه بسند حسن) .
● توقيرُهُم وتقديمُهُم في الأمورِ الدنيويةِ والدينيةِ: كالحديثِ أو الجلوسِ أو دخولِ المسجدِ أو في أيِّ محفلٍ أو مركبٍ، والإمتناعَ عن مخاطبتهِ باسمهِ دونَ لقبهِ بل يجبُ حفظُ الألقابِ، وفي موقفٍ عمليٍّ تطبيقيٍّ يعلمُنَا ﷺ ذلك، فعن ابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:«أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ» (متفق عليه) .
وتذكُرُ عائشةُ رضي اللهُ عنها شيئًا مِن هذا فتقولُ: “ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ برسولِ اللهِ ﷺ سَمتًا ولا هَديًا مِن ابنتِهِ فاطمةَ قالتْ: “وكانت إذا دَخَلتْ على النبيِّ ﷺ قامَ لها وقبَّلهَا، وأخذَ بيدِهَا وأجلسَهَا مجلِسَهُ، وكان إذا دَخَل عليها تقومُ لأبيهَا وتُقبِّلهُ وتُقعِدهُ في مجلسِهَا” (الأدب المفرد).
● وفي الصلاةِ وجَّهَ -صلى الله عليه وسلم- بأن يتقدم بعد الإمام البالغون وكبار السن، فعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَنْ مَنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِ إلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (متفق عليه)،
وعن أبي مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لِيَلِيَنِي منكُم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم” رواه مسلم،
وقد غرسَ النبيُ ﷺ هذه القيمةَ النبيلةَ في نفوسِ صحابَتِه الكرام،
قال أبو مسعودٍ البدريِّ رضي اللهُ عنه : كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا في الصَّلَاةِ، ويقولُ: اسْتَوُوا، ولَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنكُم أُولو الأحْلَامِ والنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قالَ أبو مَسْعُودٍ: فأنْتُمُ اليومَ أشَدُّ اخْتِلَافًا “. ( مسلم )، أي: ليكن من يلِي الإمامَ ذا الأحلام والنهى، ذا العلم والكِبَر في السن.
وعن أبي سعيدٍ رضي اللهُ عنهُ قال: ” لقَدْ كُنْتُ علَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ غُلَامًا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ عنْه، فَما يَمْنَعُنِي مِنَ القَوْلِ إلَّا أنَّ هَا هُنَا رِجَالًا هُمْ أَسَنُّ مِنِّي ” . ( مسلم ) . كل ذلك تقديراً وإكراماً لهم، فإذا أقيمت الصلاة في المسجد وقام الناس لتسوية الصفوف فإن كبار السن أحق بالصفوف الأولى، أما إذا جاء أحدهم متأخراً فلا يجوز له أن يسحب أحداً من الصلاة ولو كان صغيراً حتى لا يشغله عن صلاته، ومراعاةً لشعوره وحقه في السبق.
وقيل إن أحَد الصحابة كان يصلِّي، فرأى مع أحدِ الصحابة ابنًا له فأخَّره عن الصفِّ الأول، وكأنّه رأى الأبَ قد تغيَّر، فقال: “يا أخي، هذه سنّة محمّد صلى الله عليه وسلم”
إنَّ هذا الاحترامَ الصادِر من المسلمين بعضهم لبعض دليلٌ على الخيرِ في نفوسهم، ودليلٌ على التربيةِ والتنشئَة الصالحة التي ترَبَّى عليها الأجيال التربيةَ النافعة، وما أحوَجَنا لهذه التربية النافِعَة، التي تسود مجالسَنا وأماكنَ تجمُّعاتنا، أن يكونَ الصغار يعرفون قدرَ الكبار، ويجلّون الكبار، يقدِّمونهم مجلِسًا، ويقدِّمونهم جلوسًا، ويبدَؤون بِهم، ويستشيرونهم، ويُصغون إليهم، ويرونهم التقديرَ والإجلال، هكذا أدَبُ الإسلام الرَّفيع، الذي إن تمسَّكنا به نِلنَا السعادةَ في الدنيا والآخرة.
● وبلغَ مِن اهتمامِ الشرعِ الحنيفِ بالكبيرِ أنْ أوصَى بمزيدٍ مِن التخفيفِ عليهِ في أداءِ العباداتِ رأفةً بهِ، ورعايةً لضعفهِ، حيثُ يقولُ نبيُّنَا ﷺ: (إذا صلَّى أحدُكُم بالناسِ فليخففْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ، والشيخَ الكبيرَ، وذا الحاجةِ. بل مِن رعايةِ الإسلامِ للكبارِ أنّهُ رخصَّ لهُم في كثيرٍ مِن العباداتِ والطاعاتِ في القيامِ والصيامِ والحجِّ والجهادِ؛ رحمةً ورأفةً بهم، فقد أمضُوا سنواتِ عمرِهُم في هذه الطاعاتِ، فلمّا كبرَ سنهُم ورقَّ عظمُهُم وخارتْ قواهُم راعى الإسلامُ هذه الحالَ، ووجّهَ إلى التخفيفِ والتيسيرِ، وتكليفِ العبدِ بعدَ الفرائضِ ما يطيقُ مِن العباداتِ.فهذا رجلٌ كبيرُ السنِّ -كما في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ بسرٍ- يأتي للنبيِّ ﷺ فيقولُ: يا رسولَ اللهِ، إنّ شرائعَ الإسلامِ قد كثرتْ عليّ! فأخبِرْنِي بشيءٍ أتشبثُ بهِ. وفي روايةٍ: ولا تُكْثِرْ. فقال -عليه الصلاةُ والسلامُ-: “لا يزالُ لسانكَ رطبًا مِن ذكرِ اللهِ تعالى” رواه الترمذي وصححه الأرناؤوط.،
بل جعل الإسلام للشيب الذي يظهر على رأس المسلم ولحيته قيمة عظيمة، وأجراً كبيراً، قال -صلى الله عليه وسلم-: “ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، وحَطَّ عنه بها خطيئة” أخرجه الدارمي وصححه الألباني.
فإذا كانتْ توجيهاتُ هذا الدينِ نحوي الكبارِ واحترامهِم بهذا السموِّ، فأين هذه القيمةُ العظيمةُ في حياتِنَا؟ وأين حقوقهُم في مجتمعاتِنَا وفي سلوكِنَا وتعاملاتِنَا؟ فكم مِن أبوينِ كبيرينِ عقّهُمَا وهجرَهُمَا وأساءَ معاملتهمَا أبناؤهُمَا! وكم مِن شيخٍ أو إنسانٍ كبيرٍ تطاولَ عليهِ الصغارُ والشبابُ وسخرُوا مِن كلامهِ ورأيهِ، وتقدمُوا عليهِم في المجالسِ والطعامِ والشرابِ! وكم نرى شبابًا تستطيلُ ألسنتُهُم على الكبارِ! وكم نرى شبابًا لا يعرِفُ للكبيرِ أيَّ قدرٍ ولا أيَّ مكانةٍ! قد يلمِزهُ بجهلهِ، وقد يلمزهُ بضَعفِ رأيهِ، وقد يلمزهُ بقِلّةِ علمهِ، وقد يلمِزهُ بعدَمِ نظافةِ ملبَسهِ.كلُّ هذه الأمورِ -وغيرِهَا- لا يجبُ أنْ تحمِلَكَ على إهانةِ الكبيرِ، بل قدِّرْ الكبيرَ وعظِّمْه، وأظهرْ لأولادِكَ عندمَا يزورونَ معكَ رحِمًا أنّك تقدِّمُ الأكبرَ فالأكبرَ، فهذا مِن إجلالِكَ للهِ، ولن يخيبَ اللهُ رجاءَكَ يومَ أنْ تأتيكَ هذه المرحلةُ مِن عمرِكَ فتحتاجَ إلى مَن يساعدُكَ ويعاملُكَ المعاملةَ الحسنةَ، واعلمْ أنَّ الجزاءَ مِن جنسِ العملِ، وكما تدينُ تُدان، وأين منظماتُ حقوقِ الإنسانِ اليومَ عن مثلِ هذه الأحكامِ وهذه التشريعاتِ؟! ولماذا لا نعودُ لقيمِنَا وأخلاقِنَا ونعلمُهَا لأبنائِنَا وننشرُهَا للعالمِ كلِّهِ؟ ففيها السعادةُ والراحةُ والحبُّ والتآلفُ والتراحمُ. وصدقَ المعصومُ ﷺ إذ يقولُ كما في الصحيحينِ مِن حديثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)،
● وفي السلامِ والتحيةِ يُسنُّ سلامُ الصغيرِ على الكبيرِ قالَ ﷺ : «يسلمُ الصغيرُ على الكبيرِ، والمارُّ على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ» (البخاري) .
● ثالثًا: أخذُ مشورتهِم ورأيهِم في الأمورِ الجليلةِ: لأنّهم أكثرُ خبرةً وحنكةً بشؤنِ الحياةِ، وأعظمُ درايةً بالأعرافِ والتقاليدِ، فهم قومٌ عركتهُم الحياةُ ودربتْهُم المواقفُ، وأنضجتْهُم الأحداثُ، وهذا ما نهجَهُ رسولُنَا ﷺ في حياتهِ وكذا صحابتهُ مِن بعدهِ رضي اللهُ عنهم فكتبَ اللهُ لهم الفوزَ والنصرَ والتمكينَ.
● رابعًا: إدخالُ الفرحِ والسرورِ عليهم، والبشاشةِ في وجوههِم: وعدمُ التدقيقِ عليهم في كلِّ شيءٍ، فعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَتَتْهُ عَجُوزٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ، فَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ كَلِمَتِكَ مَشَقَّةً وَشِدَّةً، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَدْخَلَهُنَّ الْجَنَّةَ حَوَّلَهُنَّ أَبْكَارًا» (الطبراني بسند حسن)، فالشيخُ الكبيرُ ترضِيه أدنَى كلمة، ويقنعُ بما تعطيه، وقد فهمَ رسولُنَا ﷺ طبيعتَهُم فعاملَهُم بمقتضَى تلك الجِبلَّةِ، فعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: «قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ “أنواع من الثياب”, فَقَالَ لِي أَبِي، مَخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ ﷺ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ» (مسلم)، وكان مَخْرَمَةُ كبيرَ السنِ، فسكنتْ نفسُهُ، وهدأَ بالُهُ، ورضيَ ورجعَ بخيرِ ما أراد.
● تقديم الأكبر .
عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، فَصِرْنَا إِلَى مَضِيقٍ فَتَقَدَّمَنِي ثُمَّ قَالَ لِي” لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْبَرُ مِنِّي بِيَوْمٍ مَا تَقَدَّمْتُكَ “(الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْجَامِعِ)،
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ – رضى اللهُ عنهما – قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” أَخْبِرُونِي بشَجَرَةٍ مَثَلُها مَثَلُ المُسْلِمِ، تُؤْتي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْنِ رَبِّها، ولا تَحُتُّ ورَقَها, فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، وثَمَّ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّما، قالَ النبيُّ ﷺ: هي النَّخْلَةُ، فَلَمَّا خَرَجْتُ مع أبِي قُلتُ: يا أبَتاهُ، وقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، قالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَقُولَها، لو كُنْتَ قُلْتَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن كَذا وكَذا، قالَ: ما مَنَعَنِي إلَّا أنِّي لَمْ أرَكَ ولا أبا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُما فَكَرِهْتُ”.(البخاري).
يقولُ الإمامُ ابنٌ حجرٍ رحمه الله: “وَقَعَ في نفْسِ ابنِ عُمَرَ أنَّها النَّخلةُ، ولكنَّه استَحْيا أنْ يَذكُرَ ما في نفْسِه تَوقيرًا لأكابرِ الصَّحابةِ الحاضِرينَ الذين لم يَعرِفوها”.
لقد اعتنَى الإسلامُ بكبيرِ المقامِ، وحثَّ على توقيرِهِ واحترامِهِ، حيثُ أمرَ نبيُّنَا ﷺ الصحابةَ رضي اللهُ عنهم بالقيامِ إلى سيدِنَا سعدِ بنِ مُعاذٍ (رضي اللهُ عنه) وقال لهم: (قومُوا إلى سيدِكُم)، ويقولُ نبيُّنَا (عليهِ الصلاةُ والسلامُ): (أنزلُوا الناسَ منازلَهُم)، وفي ذلك إرشادٌ إلى إكرامِهِم وتبجيلِهِم، والإحسانِ إليهِم.
إنَّ قيمةَ احترامِ الكبير من القيم الإسلامية العظيمة التي يتقرَّبُ المسلمُ بها إلى الله -عَز وجلَّ-، وهي ليست مجرَّدَ تقاليدَ صارمةٍ، أو أعراف، أو عادات؛ بل سلوكيات راقية نُؤَدِّيها عن طِيبِ خاطرٍ، ورضا نفسٍ، والتماس أجْرٍ، وابتغاءِ ثواب.
وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا تحدث إليه اثنان بدأ بالأكبر سناً، ويقول: “كبِّر كبِّر” أخرجه البخاري. يبدأ الأكبرُ قبلَ أن يبدأَ الأصغر، هكذا أمر الإسلام.
وحَقُّ الكبيرِ التقديرُ والاحترامُ، وتقديمهُ في الأكلِ والشربِ، وفي الشارعِ والسوقِ وفي وسائلِ المواصلاتِ، وعندَ الحديثِ لا تقاطعْهُ حتى ينتهِي، وفي المجلسِ ينبغِي أنْ يجلسَ في المكانِ اللائقِ بهِ، وإذا رأيتَهُ عليكَ أنْ تبدأَ بالسلامِ عليهِ، وأنْ تُظهرَ له الفرحَ والسرورَ، وعليكَ مخاطبتَهُ بأفضلِ وأحبِّ الأسماءِ إلى النفسِ، وإذا أخطأَ الكبيرُ وجبَ عليكَ تقديمُ النصحِ بأسلوبٍ مهذبٍ وراقٍ، حتى وإنْ لم يقتنعْ فقد قمتَ بدورِكَ وواجبِكَ.
ومِنْ إِجْلَالِ الْكَبِيرِ: التَّوْسِعَةُ لِلْقَادِمِ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ إِذَا أَمْكَنَ التَّوْسِيعُ لَهُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإِكْرَامِهِ مِنَ الشُّيُوخِ سَوَاءٌ كَانَ ذَا شَيْبَةٍ، أَوْ ذَا عِلْمٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَبِيرَ قَوْمٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمٌ فَأَكْرِمُوهُ». فاحترامُ الكبيرِ خُلُقٌ عظيمٌ مِن أخلاقِ الدينِ، فاحرصُوا عليهِ أيُّها الأخيارُ لتفوزُوا في الدنيا والآخرةِ. .
احترام الكبير غير المسلم
لم تقتصر قيمة احترام الكبير ورعايته على المسلم فحسب ؛ بل شملت غيرَ المسلمين ، لقد كانَ ﷺ مثالًا حيًّا في احترامِ غيرِ المسلمين أحياءً وأمواتًا، فقد زارَ الغلامَ اليهوديَّ في مرضهِ فكان ذلك سببًا في إسلامِهِ. فقالَ ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ بِى مِنَ النَّارِ»[سنن أبي داود].
وفي مجالِ تكريمهِ واحترامه للأمواتِ منهم قيامهِ لجنازةِ اليهوديِّ ؛ فقد روي ” أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ , فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ ، فَقَالَ : أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟!” (متفق عليه).
فها هي كتب التاريخ تسطر بأحرف ساطعة موقف عمر -رضي الله عنه- مع ذلك الشيخ اليهودي الكبير، فيذكر أبو يوسف في كتابه (الخراج) عَن أبي بكرَة قَالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِبَابِ قَوْمٍ وَعَلَيْهِ سَائِلٌ يَسْأَلُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَضَرَبَ عَضُدَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْتَ؟ فَقَالَ: يَهُودِيٌّ. قَالَ: فَمَا أَلْجَأَكَ إِلَى مَا أَرَى؟ قَالَ: أَسْأَلُ الْجِزْيَةَ وَالْحَاجَةَ وَالسِّنَّ قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَرَضَخَ لَهُ بِشَيْء مِنَ الْمَنْزِلِ -أَي أعطَاهُ شَيْئا لَيْسَ بالكثير-، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَازِنِ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ: انْظُرْ هَذَا وَضُرَبَاءَهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاهُ أَنْ أكلنَا شَبِيْبَتَهُ ثُمَّ نَخُذُلُهُ عِنْدَ الْهَرَمِ، (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)[التوبة:60]، وَالْفُقَرَاءُ هُمُ الْمُسْلِمُونَ وَهَذَا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَعَنْ ضُرَبَائِهِ)) وعن أمثاله ومَن هُم في سِنه في جميع البلاد الإسلامية.
وهذا خالد بن الوليد عندما صالح أهل الحيرة وجاء في صلحه معهم أنه قال: وجعلت لهم أيّما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعِيل من بيت مال المسلمين.
أين منظمات حقوق الإنسان اليوم عن مثل هذه الأحكام وهذه التشريعات؟! ولماذا لا نعود لقيمنا وأخلاقنا ونعلمها لأبنائنا وننشرها للعالم كله؟ ففيها السعادة والراحة والحب والتآلف والتراحم.
أينُ نحنُ مِن احترامِ الكبيرِ؟:
فإذا كانت توجيهات هذا الدين نحو الكبار واحترامهم بهذا السمو، فأينُ نحنُ مِن احترامِ الكبيرِ؟إذا نظرتَ في واقعِنَا اليوم تجد خللًا كبيرًا في هذا الخُلقِ العظيمِ، فما أحوجَ شبابنَا اليومَ خاصةً في عصرِ تغلغلتْ فيهِ المادةُ وطغتْ إلى استحضارِ هذه القيمِ الإيمانيةِ، والتمسكِ بهَا حتّى يبقَى للمسلمِ سمتهُ وشخصيتهُ التي لا تذوبُ في شخصيةِ الآخرين، وصدقَ ربُّنَا حيثُ قالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾، وليعلمَ أولادُنَا أنَّ الخيرَ كلُّ الخيرِ في احترامِ الكبيرِ وتوقيرهِ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ» (ابن حبان) .
وتأملْ تلك الحادثةَ التي تعطيكَ نموذجًا حيًّا في خُلقِ الاحترامِ الذي تربّي عليه الصحابةُ الكرامُ – رضي اللهُ عنهم – فعن ابْن عُمَرَ قال كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُتِيَ بِجُمَّارَةٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ» (البخاري)، فانظرْ كيفَ آثرَ ابنُ عمرَ رضي اللهُ عنه السكوتَ وأبَى الكلامَ في حضورِ كبارِ الصحابةِ، بل سيطرَ عليه الحياءُ كما في روايةِ مسلمٍ: “فَاسْتَحْيَيْتُ”، فليسَ مِن أدبِ الإسلامِ الاستخفافُ بالكبيرِ، أو إساءةُ الأدبِ في حضرتهِ، أو رفعُ الصوتِ في وجههِ بكلامٍ يسيءُ إلى قدرهِ وعمرهِ، روى الشيخانِ عن سمرةَ بنَ جندبٍ أنّه قال: “لقد كنتُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ غلامًا، فكنتُ أحفظُ عنه، فما يمنعنِي مِن القولِ إلا أنَّ ههنا رجالًا هُم أَسَنُّ مِنِّي” (متفق عليه) .
فأين هذه القيمة العظيمة في حياتنا؟ وأين حقوقهم في مجتمعاتنا وفي سلوكنا وتعاملاتنا؟ فكم من أبوين كبيرين عقهما وهجرهما وأساء معاملتهما أبناؤهما! وكم من شيخ أو إنسانٍ كبير تطاول عليه الصغار والشباب وسخروا من كلامه ورأيه، وتقدموا عليهم في المجالس والطعام والشراب! وكم نرى شبابًا تستطيلُ ألسنتهم على الكبار! وكم نرى شباباً لا يعرِف للكبير أيَّ قدرٍ ولا أيَّ مكانة! قد يلمِزه بجهله، وقد يلمزه بضَعف رأيه، وقد يلمزه بقِلّة علمه، وقد يلمِزه بعدَم نظافةِ ملبَسه.
كلُّ هذه الأمور -وغيرها- لا يجب أن تحمِلك على إهانةِ الكبير، بل قدِّر الكبير وعظِّمْه، وأظهر لأولادك عندما يزورون معك رحِمًا أنّك تقدِّم الأكبرَ فالأكبر، فهذا من إجلالك لله، ولن يخيب الله رجاءك يوم أن تأتيك هذه المرحلة من عمرك فتحتاج إلى من يساعدك ويعاملك المعاملة الحسنة، واعلم أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.
فَاتَّقُــــوا اللهَ، وَكُونُوا عَلَى هَذَا الأَدَبِ فِي مُعَامَلَةِ الكَبِيرِ، عَوِّدُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكَ ، وَرَبُّوا عَلَيْهِ أَبْنَاءَكُمْ، وَدَاوِمُوا عَلَيْهِ؛ تَطْبِيقًا لشريعتكم؛ تَفُوزُوا بِرِضَا رَبِّكُمْ.
وعلينا ان نردّ الجميل، فقد عطفوا علينا ونحن صغار، لِنرسم بترابطنا وتراحمنا لوحة مشرقة في ليل حالك السواد، تمزقت فيه أواصر المحبة والشفقة والمودة بين أفراد الأسرة الواحدة، بين كبارها وصغارها، في كثير من المجتمعات.
دعوةٌ وعودةٌ إلى قيمةِ الاحترامِ
إنّ مَن ينظرْ إلى جيلِ آبائِنَا وأجدادِنَا المنصرمِ يجدْ أنّ قيمةَ الاحترامِ كانتْ قد بلغتْ ذروتهَا، فكان الواحدُ منهم حينما يسلمُ على أبيهِ أو جدهِ أو عمهِ أو خالهِ أو أحدٍ أكبرَ منهُ مِن أقاربهِ وذوي رحمهِ، يقبلُ يدَهُ واضعًا جبهتَهُ عليها احترامًا وتقديرًا، كان الواحدُ يقابلُ معلمَهُ في الطريقِ فيخالفُ الطريقَ مِن هيبةِ المعلمِ وتوقيرِهِ واحترامِهِ، واليوم بدأتْ هذه المعاني في الانسلاخِ والانصرامِ؛ بسببِ ما يتشبعُهُ الشبابُ والفتياتُ مِن أفكارٍ وتقليدٍ أعمَى، تحت ستارِ الحريةِ والتحضرِ وإثباتِ الذاتِ، أصبح الشابُ يسلمُ على أبيهِ وجدهِ بأناملِ أصابعِه كأنَّهُ يخافُ مِن العدوىَ والفيروسِ؛ أصبح الشابُ ينادِي على أبويهِ يا حاج ويا حاجة!! أصبح الطالبُ يعاملُ معلمَهُ معاملةَ الأصحابِ والخِلَّانِ، فعلينا أنْ نسعَى جاهدينَ إلى عودةِ غرسِ قيمةِ الاحترامِ في نفوسِ الشبابِ والفتياتِ، علينَا أنْ نغرسَ فيهم هديَ الرسولِ ﷺ في الاحترامِ والتقديرِ، فعليكُم بالاحترامِ والتوقيرِ لكلِّ أفرادِ المجتمعِ، ولنكنْ قدوةً لغيرِنَا في المُثلِ والأخلاقِ، ولذلك ضُرِبَ بالأحنفِ بنِ قيسٍ المَثلُ في الحلمِ والاحترامِ وحسنِ الخلقِ ، فقِيلَ له: كيف وصلْتَ إلى هذه المنزلةِ؟ فقال: ما آذانيِ أحدٌ إلّا أخذتُ في أمرِهِ بإحدَى ثلاث :
– إنْ كان فوقيِ عرفتُ لهُ فضلَهٌ،
– وإنْ كان مثلِي تفضّلتُ عليهِ،
– وإنْ كان دونيِ أكرمتُ نفسِيِ عنهُ.
وهكذا بالاحترامِ المتبادلِ والتقديرِ يسودُ الودُ والحبُّ والصفاءُ بين أفرادِ المجتمعِ .
إنَّ الاحترامَ بصفةٍ عامةٍ واحترامَ الكبيرِ بصفةٍ خاصةٍ سبيلُ النجاحِ والتقدمِ والرقي والحضارةِ، وأنَّ الاحترامَ سببٌ للمحبةِ والمودةِ والتعاونِ بين الناس، وبالاحترامِ تنلْ حبَّ الناسِ واحترامَ الناسِ، فمَن يحترمْ الآخرين يحترمْهُ الناسُ ومَن يقللْ مِن شأنِ الآخرين يقللْ الناسُ مِن شأنهِ، والاحترامُ الحقيقيُّ هو الاحترامُ مِن أجلِ الاحترامِ، فالاحترامُ يجبُ أنْ يكونَ سائدًا بينَ الأصدقاءِ والمعارفِ، فبالاحترامِ تدومُ الصداقةُ، وبغيرهِ تنتهِي أيةُ علاقةٍ إنسانيةٍ؛ لأنّ الإنسانَ بطبعهِ يحبُّ أنْ يكونَ محترمًا ومقدرًا.
نسألُ اللهَ كما حسَّنَ خلقنَا أنْ يحسنَ أخلاقنَا، وأنْ يجعلَنَا مِن أهلِ التقديرِ والاحترامِ. ونسأله أن يرزقنا حب القيام على خدمة ورعاية الكبار.
ألا وصلوا وسلِّموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المتقين، وقائد الغُرِّ المُحجلين، وعلى آلهِ وصحابته أجمعين.
