رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن «معركة كوسوفو الثانية» في ذكراها

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن «معركة كوسوفو الثانية» في ذكراها

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

في مثل هذا اليوم 17 اكتوبر1448م..

وقوع «معركة كوسوفو الثانية» والتي كانت نتيجتها هزيمة جيش يوحنا هونياد والذي كان في معظمه من المجريين أمام الجيش العثماني بقيادة السلطان مراد الثاني.

معركة قوصوه الثانية أو معركة كوسوڤو الثانية (تُكتب «قوص اوه» بالتركية العثمانية وتُنطق بالتركية الحالية «كوسوڤا») (التركية: İkinci Kosova Savaşı)، وتُعرف عند الصرب بـ«معركة كوسوڤو 1448» (الصربية: Косовска битка1448)، وهي معركة معروفة في التاريخين التركي والمجري باسم «معركة ميدان كوسوڤو الثانية» (التركية: İkinci Kosova Meydan Muharebesi) (المجرية: második rigómezei csata)، ذكرها المؤرخ والأسقف والسياسي المجري ميخائيل هورڤات (المجرية: Horváth Mihály) (1809م – 1878م) بأنها «إحدى أشهر المعارك في التاريخ المجري». وهي معركة برية وقعت في سهل قوصوه (كوسوڤو) ضمن أراضي إمارة الصرب – التابعة للدولة العثمانية آنذاك – بين ائتلافٍ صليبيٍّ تقوده مملكة المجر والأفلاق بقيادة النبيل المجري يوحنا هونياد مقابل العثمانيين بقيادة السلطان مراد الثاني، واستمرت المعركة ثلاثة أيام، من الخميس 17 إلى 19 أكتوبر 1448م (تشير الموسوعة البريطانية إلى وقوعها بين 17 و20 أكتوبر 1448م)، ولم تتوقف المعارك حتى في الليل.

كانت معركة قوصوه الثانية ذروة العدوان المجري للانتقام للهزيمة الثقيلة التي تلقاها الصليبيون في معركة ڤارنا سنة 1444م التي أسفرت عن انتصارٍ حاسمٍ للدولة العثمانية، ونجا يوحنا هونياد فيها بأعجوبة، إذ لم يطارد العثمانيون الفارين طويلاً، بل اكتفوا بالسيطرة على ساحة المعركة، وهرب يوحنا هونياد إلى الأفلاق ولكن الجنود هناك لم يتعرفوا عليه فقبضوا عليه وسجنوه، ومع ذلك أطلق سراحه حاكم الأفلاق الأمير ڤلاد الثاني دراكول بعد فترة وجيزة حين علم به، ليعود إلى وطنه، فخطط لتنظيم حملة صليبية جديدة ضد العثمانيين. وبحلول عام 1448م تمكن من جمع جيش آخر ليهاجم العثمانيين واعتمد على دعم السكان المحليين في البلقان. عبر هونياد نهر الطونة (الدانوب) عام 1448م لينضم بقواته إلى إسكندر بك. فشل هونياد بتحديد موقع الجيش العثماني الرئيسي، إذ كان يعتقد أنه ما يزال في العاصمة أدرنة، غير أن العثمانيين بادروه على حين غِرَّةٍ في 17 أكتوبر 1448م عندما ظهروا فجأةً أمام الجيش الصليبي في سهل قوصوه، فسارع هونياد ببناء متاريس العربات الحربية المتحركة الهوسية الدفاعية في تلة «پليمنتين» بمقاطعة «پريشتينا» استعداداً للمعركة، أما العثمانيون فأنشأوا استحكاماتِ خطٍّ دفاعيٍّ من جانبهم بالمقابل.

أكمل الطرفان بناء استحكاماتهما، واستُهِلَّت المعركة باشتباكاتٍ منفصلة. وقعت مناوشات بين الفرسان على طرفي الاستحكامات خلال اليومين الأولين. بدأت المعركة في 18 أكتوبر، وأوقعت الخيالة العثمانية بالفرسانَ المجريين هزيمةً مدمرةً سحقتهم بالكُلِّيَّة، تلاها هجوم صليبي ليلة 18-19 أكتوبر باستخدام العربات الحربية والمدافع ضد الموقع المركزي للسلطان مما أهرق دماءً كثيرة دون تحقيق نتائجَ عسكريةٍ حاسمة. وفي 19 أكتوبر 1448م، استخدم السلطان فرسان السپاهية من تسالية، وطوَّق فرسان ميسرة الجيش الصليبي، ونادى بالهجوم العام على طول خط التماس بين الجيشين لتشتيت انتباه هونياد عن الهدف الأساسي. نجحت المناورة واجتاح فرسان السپاهية فرسان الأفلاق والبغدان والمجر وأبادوهم جميعًا ولم يأخذوا أسرى، ما أدى لتراجع معظم الجيش الصليبي للاحتماء بخطه الدفاعي. وفي 20 أكتوبر وتحت متابعةٍ شخصيةٍ دقيقةٍ للمعركة من قبل مراد الثاني، هاجمت الإنكشارية كل من بقي في استحكامات الخط الدفاعي وأجهزوا عليهم، فقتلوا الجند المُختبئين خلف حصن العربات الحربية المتحركة الهوسية لتحميهم من سيل القوات العثمانية الذي انحطّ عليهم.

انتهت هذه المعركة بهزيمة كارثية للصليبيين وبانتصارٍ حاسمٍ للدولة العثمانية، كما انتهت سابقتها عام 1389م، تكبد هونياد إحدى أعظم إخفاقاته في حروبه ضد الدولة العثمانية، وبالكاد تمكن من الهروب ليلاً للمرة الثانية من ساحة المعركة تركاً التشيك والألمان يقاتلون ضد الإنكشارية، وفي طريقه عودته، وقع في أسر قيصر الصرب «جُريج برانكوڤيتش» الذي أبقاه سجينًا في حصن العاصمة الصربية «سمندرية»، واستعاد منه ممتلكاته في المجر.

أحبطت معركة قوصوه الثانية آخر محاولةٍ كبيرةٍ للصليبيين لتحرير البلقان من الحُكم العثماني ودعم القسطنطينية والتخفيف من وطأة الحصار العثماني لها، كما أنهت كل أملٍ متبقِّ للصليبيين في إنقاذ العاصمة الرومية من العثمانيين ولم تعد لدى المملكة المجرية الموارد العسكرية أو المالية لشن حربٍ أخرى ضد الدولة العثمانية. وبانتهاء التهديد الصليبي على الحدود العثمانية الغربية الذي استمر قرابة نصف قرنٍ، تمهّدت الأرضية لفتح القسطنطينية ولم يعد ثمة حائل بين العثمانيين وإتمام هذا الأمر الكبير، إذ بعد هذه المعركة بخمسة أعوام فتحها السلطان الشاب «محمد» ابن السلطان مراد الثاني، ولُقِّبَ بمحمد الفاتح.

قاتل الجيشان بضراوةٍ، فكانت هذه المعركة إحدى أطول المعارك وأشدها عنفاً في أوائل العصر العثماني، وأوقع أثرًا من معركة قوصوه الأولى، إذ تَضَاعَف حجم الجيشين عن المعركة الأولى (تتراوح مصادر التعداد بين المعركتين بين اثني عشر ألف وثلاثين ألف مجري للمعركة الأولى، فصارت تترواح بين أربعةٍ وعشرين ألفًا وثلاثين ألفًا في المعركة الأخرى، وبين سبعةٍ وعشرين ألفًا وأربعين ألف عثماني، فصارت تترواح بين أربعين وستين ألفًا). إلا أن السلطان مراد الثاني لم يتمكن من أسر هونياد الذي استمر في حملاته ضد العثمانيين حتى وفاته عام 1456م بعد ثلاث سنواتٍ من فتح القسطنطينية.

خلفية تاريخية

بعدما لحق بالصليبيين بقيادة يوحنا هونياد من هزيمةٍ فادحةٍ في معركة ڤارنا سنة 1444م، لم يتوقف هونياد عن التآمر في سبيل صدامٍ حاسمٍ مع السلطان مراد الثاني. ورغم الهزيمة الساحقة في ڤارنا وتدمير جزء كبير من الجيشين المجري والبولوني من قِبَلِ العثمانيين، إلا أن التمردات في الأفلاق وألبانيا (الأرناؤوط) والمورة (جنوب اليونان) منحتِ الصليبيين أملاً في طرد العثمانيين من البلقان من خلال تجييش حملةٍ صليبيةٍ جديدةٍ في أوروپا.

أما العثمانيون فبعد انتصارهم في معركة ڤارنا قام السلطان مراد الثاني بإخضاع بلاد المورة عام 1446م وأخمد القلاقل والتمردات بها، وكانت ديسپوتية المورة يومها تابعةً للدولة العثمانية. بعد ذلك توجه السلطان مراد لمواجهة إسكندر بك الذي أعلن تمرده بدعمٍ من البابا نقولا الخامس ومن حاكم المجر يوحنا هونياد.

في عام 1446م عُيِّن يوحنا هونياد وصياً على عرش المجر بلقب “حاكم”، ليس فقط بسبب صيته العسكري، ولكن لأنه كان أيضا أغنى إقطاعي في المملكة، ليصبح بذلك حاكماً فعلياً لها. قَدّر هونياد أنه سيحتاج إلى أكثرَ من أربعينَ ألفَ رجلٍ لهزيمة العثمانيين، فَسَعَى إلى ضم القوات الألبانية (الأرناؤوطية) الثائرة على العثمانيين، والتي يُعتقد بأنها كانت بقيادة النبيل الأرناؤوطي المتمرد إسكندر بك، واسمه الأصلي جرجس كستريو الذي قاد تمرداً ضد الدولة العثمانية لقرابة خمسٍ وعشرين سنة. تلقَّى العثمانيون في قاعدتهم في صوفيا خبراً مفاده بأن الجيش الصليبي قد تحرك، فبدأوا بتجهيز رجالهم للحرب. استطاع هونياد من ثروته الخاصة أن يحشد حوالي 22,000 إلى 24,000 جندي من المرتزقة، منهم 10,000 من الأفلاق، ومنهم جنود مشاة ألمان وبوهيميون مسلحون بالطبنجات إضافة لفرسانه المجريين.

دور برانكوڤيتش

في مواجهة الموقف الحرج في أوروپا، وفي ظل انشغاله بثورة القرمانيين في الأناضول، أعلن السلطان مراد الثاني استعداده للتفاوض مع الصليبيين. فأرسل في مارس/آذار أو أبريل/نيسان 1444م مبعوثين إلى جُريج برانكوڤيتش، عارضاً عليه السلام بشروط سخية تسمح لبرانكوڤيتش باستعادة صربيا بأكملها كدولة تحت حُكمه واستعادة وَلَدَيْهِ المكفوفين، بشرط تسليمه نصف عائدات الأرض كجزية للسلطان، فسارع إلى الموافقة على السلام، سعيداً باستعادة دولته التي كان العثمانيون قد فتحوها عن بَكرة أبيها من قبل.

لعب ديسپوت الصرب جُريج برانكوڤيتش دور الوسيط في المفاوضات العثمانية المجرية لإبرام صلح مدته عشر سنوات، وتفاني في دوره إلى درجة أنه عرض على هونياد وملك بولونيا والمجر ڤلاديسلاڤ الثالث (ويُنطق بالپولندية: ڤواديسواڤ) أن يرد عليهم جميع ممتلكاتهم المجرية التي بين يديه حتى يوافقوا على التفاوض على السلام مع السلطان. لم يكن هونياد حريصًا بشكل خاص على عقد اتفاقات مع العثمانيين، إلا أن برانكوڤيتش رأى أنها فرصة لصربيا، الواقعة بين مملكة المجر والدولة العثمانية، لكي تعيش في سلام ورخاء بين الإمبراطوريتين المتحاربتين.

وبناء على دعوة السلطان مراد، جاء مبعوثون من الصليبيين للقاء السلطان في أدرنة في يونيو/حزيران 1444م. ووافق السلطان على هدنة مدتها عشر سنوات، والتي من شأنها أن تترك للصليبيين حيازة ما استولوا عليه، فوافق السلطان على هذه الشروط، وأرسل مبعوثيه إلى مدينة سكدين المجرية للحصول على تصديق الملك ڤلاديسلاڤ على الاتفاقية. وبعد أن نجح السلطان على ما يبدو في تأمين الأمور في أوروپا، عاد إلى الأناضول لاستئناف أعماله ضد القرمانيين. وفي يوليو/تموز 1444م، صادق ڤلاديسلاڤ على المعاهدة.

في الخامس عشر من أغسطس/آب 1444م، تم توقيع الاتفاقية الرسمية بين السلطان مراد وبرانكوڤيتش الصربي. وبموجب هذه الاتفاقية تم تحديد أراضي إمارة صربيا التي وُلدت من جديد، وأن يستحوذ برانكوڤيتش على أربعٍ وعشرين قلعة رئيسية يعطيهم إياه العثمانيون، بما فيهم سمندرية، وغولوباك، وبرانيشيفو، ونوفو بردو، وأوستروفيكا، وزفورنيك، وسريبرينيتسا. ووافق جُريج برانكوڤيتش أيضًا على قبول السيادة العثمانية ودفع جزية للسلطان قدرها ستين ألف دوقة. ويبدو أن العثمانيين احتفظوا بقلعة كروشيفاتس المهمة.

بعد إبرام معاهدة أدرنة-سكدين عام 1444م أعاد العثمانيون المدن الصربية التي فتحوها في السابق إلى جُريج برانكوڤيتش ليحكمها بالتبعية للدولة العثمانية، وقام القادة العثمانيون، الواحد تلو الآخر، بتسليم الأماكن المحصنة الأخرى له، والتزم برانكوڤيتش بدفع جزية سنوية كبيرة قدرها خمسين ألف فلورين للعثمانيين وبتزويد السلطان بمفرزة من سلاح الفرسان قدرها أربعة آلاف فارس إذا دعا العثمانيون لتعبئة الجيش وحمل السلاح. وبحلول الثاني والعشرين من أغسطس/آب، دخل برانكوڤيتش سمندرية، حيث تولى حكم دولته المستعادة على نطاق أوسع مما كانت عليه عندما فقدها، بعدما تعهد بأن يكون “الصديق والحليف الأبدي” للسلطان مراد.

وبعد وقت قصير من إبرام السلام، سار السلطان مراد ضد القرمان، وعين ابنه محمد (الفاتح)، الذي كان عمره آنذاك 12 عامًا فقط، حاكمًا على أراضيه الأوروپية.

ورغم أن الحاكم الصربي برانكوڤيتش استقر مع العثمانيين، إلا أنه لم يتمكن من حكم البلاد المنكوبة سلميًا. فبعد أيام قليلة فقط من قبول الاتفاقية، رفض الملك ڤلاديسلاڤ السلام المبرم حديثًا. وأيده في ذلك الكاردينال يوليان سيزاريني الذي أكد أن الاتفاق ليس له أي صلاحية إلا إذا قبله البابا. ساد مزاج الحرب في المجر وأعلن الملك مع النبلاء أنه سيخوض الحرب بحلول الأول من سبتمبر من أجل طرد العثمانيين من أوروپا في نفس العام. ووصلت أخبار بأنه لم يتبق سوى القليل من الجيش العثماني في أوروپا بسبب الحرب في آسيا. وبالإضافة إلى ذلك، في أواخر صيف عام 1444م، اندلعت أعمال شغب وتمرد الإنكشارية الذين طالبوا بزيادة الأجور.

ولكن ما إن تم التوقيع على السَّنَدِ الورقي حتى دفعت النصائح الشريرة التي قدمها المندوبُ البابوي الكاردينال «يوليان سيزاريني»، الملكَ المجريَّ إلى انتهاكه. وبدا الأمر وكأن اللحظة قد حانت لطرد العثمانيين من أوروبا في نظر رجال السياسة في الفاتيكان. جادل برانكوڤيتش عبثاً ضد هذا العمل الغادر غير السياسي؛ وكان هونياد، روح هذه الحملة الصليبية الجديدة، حريصاً على تحرير بلغاريا من أجل إحياء إمبراطورية القياصرة في شخصه.

شعرت روما بأن المسيحيين أصبحوا في صفها، وبالتالي كانت لديهم الفرصة لطرد العثمانيين من أوروپا بالكامل. ودون علم أولئك الذين وقعوا على المعاهدة، أرسلوا أسطولا بحرياً شرقًا لدعم الصليبيين. وعلى هذا فقد كان البابا عازماً على المضي قدماً في الحملة الصليبية، فأرسل المندوب البابوي الكاردينال يوليان سيزاريني، الذي أقنع ڤلاديسلاڤ بسرعة بالانضمام إلى الخطط البابوية، وأعفاه من قَسَمِه. ثم تجاهل ڤلاديسلاڤ وهونياد وسيزاريني المعاهدة التي أبرموها للتو، وبدأوا في إعادة تعبئة القوات المسيحية، وبحلول شهر سبتمبر/أيلول من عام 1444م نكص الصليبيون المعاهدة سراً وبدأوا الزحف في حملة كبيرة إلى أدرنة عاصمة العثمانيين، وأرادوا المسير عبر صربيا وبلغاريا ولكن برانكوڤيتش رفض السماح لهم بالمرور عبر أراضيه، ولم ينضم إلى تلك الحملة الصليبية التي انتهت بالهزيمة في ڤارنا. بدأ المجريون وحلفاؤهم بالتقدم إلى الأراضي البلغارية، وفي أثناء كانوا يهاجمون القرى المسيحية في المنطقة، حتى أنهم دمروا الكنائس ونهبوا في كل مكان.

كان برانكوڤيتش الحكيم راضياً عن المعاهدة، لأنها حققت أهدافه. وكان لديه الكثير ليخسره إذا انتصر العثمانيون، لأنه في حالة فشل الحملة الصليبية الجديدة، فإن صربيا الضعيفة من المرجح أن يفتحها العثمانيون مرة أخرى. وبالتالي أعلن حياده ورفض المشاركة. ولتأمين مستقبل صربيا، يبدو أن برانكوڤيتش الذي ظل محايدًا بحكمة، أرسل مبعوثين للسلطان مراد لإعادة تأكيد روابط تبعية صربيا للدولة العثمانية، ولتحذيره من هجوم الصليبيين الوشيك. وبما أن برانكوڤيتش رفض المشاركة ورفض أيضاً مرور الصليبيين عبر صربيا، فقد عبر الصليبيون نهر الدانوب إلى بلغاريا وزحفوا نحو البحر الأسود.

كان هونياد يبحث أيضًا عن دعم آخر. وفي ربيع عام 1448م، جدد التحالف القديم مع إسكندر بك الذي كان في حالة حرب مع العثمانيين لفترة طويلة، وبحسب التحالف، عرض إسكندر بك مساعدته خلال الحملة القادمة. ولكن في نهاية المطاف لم يشارك الأرناؤوطيون بقيادة إسكندر بك في هذه المعركة أيضاً لأن العثمانيين وحلفائهم منعوهم من اللحاق بجيش يوحنا هونياد، ومن المعتقد أنه تأخر بسبب جُريج برانكوڤيتش المتحالف مع السلطان مراد الثاني، أما دور برانكوڤيتش على وَجْهِ التّحديد فهو محل خلاف، ويقال أيضاً أنه أثّر على الأمير إسكندر بك لكي لا ينضم إلى هونياد، كما أنه حذر العثمانيين من هجوم آخر قادم من الصليبيين. تذكر بعض المراجع أن برانكوڤيتش أعطي هونياد موافقة من خلال رئيس الخزانة التابع له «پاسكو سوركوڤيتش» (الصربية: Pasco Sorkočević) من أهالي دوبروڤنيك، على مرور الجيش، ثم أنه تردد بعد ذلك. ونتيجة لذلك خرَّبّ إسكندر بك ممالك برانكوڤيتش كعقاب له على تخليه عن القضية المسيحية و«مساعدة عدو المسيحيين».

حاول يوحنا هونياد إجبار برانكوڤيتش عن طريق الإرهاب بالمشاركة في الحملة الصليبية، فتعمد في عبوره صربيا مع جيشه أن يعيث فساداً في جميع أنحاء البلاد، حتى إذا ما ورده خبر اقتراب العثمانيين توجه جنوباً إلى حيث وقعت المعركة الثانية في «سهل كوسوڤو». كان رد فعل جريج برانكوڤيتش على التجاوزات الصليبية بحق أراضيه ونهب الصليبيين لها غير حازم، ولكنه في نفس تلك الأثناء تفاوض بشأن شروط الانضمام إلى الحملة الصليبية ضد العثمانيين. كان يوحنا هونياد قد أخبر برانكوڤيتش بأنه أحضر عشرين ألفاً من رجاله وأنه بانتظار تعزيزات إضافية في طريقها إليه، وأن برانكوڤيتش بسلاح فرسانه الخفيفة هو الحليف الوحيد الضروري لجعل هذا النصر حاسماً، وفي المقابل كان برانكوڤيتش شديد الحذر من المشاركة مع التحالف الصليبي لأن العثمانيون كانوا قد أعادوا له عرشه منذ أربع سنوات فقط في معاهدة سلام أدرنة-سكدين عام 1444م بعدما سلبوا منه جميع أملاكه في بلاد الصرب بفتوحاتهم واسعة النطاق. كان برانكوڤيتش يُدرك تماماً القوة العسكرية العثمانية المهولة، ويرغب في الحفاظ على عرشه، ويتحمل مسؤولية سيادة الصرب وتبعيتها للعثمانيين في الوقت نفسه، كما كان يتوقع هزيمة يوحنا هونياد. إضافةً لما سبق كان ديسپوت الصرب عازفاً عن وضع نفسه تحت جناح هونياد تحت أي ظرفٍ من الظروف فقد كان يكِنُّ له كرهاً شخصياً معتبراً إياه أقل منه مكانةً ومنزلةً.

هذه المرة، كانت مساعدة برانكوڤيتش غائبة أيضًا. لقد أكد السلام مع العثمانيين في أغسطس وأراد تجنب حتى الظهور بمظهر أن له أي علاقة بالحرب. وكان لهذا عواقب وخيمة على المجريين. لم يقتصر الأمر على أن برانكوڤيتش لم يمنحهم الإذن بالسير عبر بلاده فحسب، بل أوقف أيضًا القوات الألبانية التي أرادت المشاركة في الحملة وأغلق الطريق الذي كان من المقرر أن يعبره إسكندر بك عبر صربيا في طريقه للانضمام إلى القوات المسيحية في ڤارنا. لذلك اضطر الجيش المجري إلى السير على التضاريس الأكثر صعوبة حتى يتمكنوا من الاتصال بالأسطول في أسرع وقت ممكن، إذ أنه إذا أُغلقت المضائق ولم يتلق الجيش العثماني بالروملي الإمدادات، فيمكن لقوة أصغر بكثير من العام السابق محاربة العثمانيين بنجاح. لذلك فإن نجاح الحملة كان يتوقف أو يقع على عاتق أسطول الحلفاء الصليبيين، فلذلك طلب الكاردينال سيزاريني من البندقية إرسال قوادس إلى نهر الدانوب أيضًا، حتى يتمكن الجيش من العبور إلى نيقوپوليس بسهولة أكبر، ولكن لم تصل هذه السفن على الإطلاق إلا أن الجيش المجري عبر النهر ووصل إلى نيقوپوليس في 16 أكتوبر.

أراد برانكوڤيتش الذي استعاد أرضه مؤخراً من العثمانيين، أن يحافظ على عرشه وكان خائفاً من السلطان مراد الثاني. كان جيش هونياد كبيراً وقوياً ولكن برانكوڤيتش كان يعرف أن الجيش العثماني لم يكن أقل من ذلك. وكانت هناك عوامل أخرى تسببت في رفض جُريج برانكوڤيتش المشاركة مع الصليبيين ضد العثمانيين، وهي:

كان لبرانكوڤيتش في ذلك الوقت نزاعات ومعارك حدودية مع الملك البوسني «أسطفان طوماس» أضعفت قوة برانكوڤيتش.

بالإضافة إلى ذلك لم يرغب برانكوڤيتش في الخضوع لهونياد تحت أي ظرف من الظروف لأنه اعتبره مغروراً وكانت لديه اعْتِرَاضَات عليه.

لم ير برانكوڤيتش فائدة مباشرة لصربيا من التحرر من العثمانيين لأن هذا التحرر كان يعني فقط زيادة الضغوط عليه من المجر، والهيمنة المجرية على الصرب تعني تهديدًا لوجود الأرثوذكسية فيها.

وفقًا للمؤرخ «كالّاي بنينيك» فإن برانكوڤيتش كان يأمل في استنفادٍ متبادلٍ لكل من قوى المجريين والعثمانيين في المعركة.

رأى برانكوڤيتش فرصة لصربيا كي تعيش في سلام وازدهار.

ولذلك في نهاية المطاف رفض برانكوڤيتش مرة أخرى مرور جيش هونياد.

علاوة على ذلك أرسل برانكوڤيتش «باسكو سوركوڤيتش» إلى السلطان مراد الثاني الذي كان يحاصر في ذلك الوقت كرويه في ألبانيا، وأخبره أن هونياد قد غزا صربيا ودخل أراضيها.

برزت الخصومة الشخصية بين يوحنا هونياد وجُريج برانكوڤيتش كنقطةٍ جوهريةٍ في النزاع بينهما. بالنسبة للنبيل المجري هونياد وملك بولونيا ڤلاديسلاڤ الثالث، فعلى الرغم من أن برانكوڤيتش ديسپوت الصرب عرض التنازل عن جميع ممتلكاته المجرية مقابل السلام مع العثمانيين، إلا أن يوحنا هونياد لم يُعرْ اعتباراً كبيراً لأي صفقاتٍ مع العثمانيين، في حين أن برانكوڤيتش الذي سُلب منه مُلكُه كلَُه، رأى أنها فرصة لإحلال السلام وازدهار صربيا، ولذلك وافق على السلام في معاهدة أدرنة-اسكدين عام 1444م، وغادر المجر إلى قلعة سمندرية التي استلمها من العثمانيين بموجب المعاهدة.

وعليه، فعندما أراد يوحنا هونياد قائد حملة ڤارنا الصليبية الوصول إلى أدرنة عاصمة العثمانيين عبر المرور بأراضي صربيا وبلغاريا في وقت لاحق من نفس عام توقيع المعاهدة (1444م)، منع جُريج برانكوڤيتش مرورهم عبر مملكته (الديسپوتية الصربية) التي ردَّها له العثمانيون بموجب المعاهدة.

وبما أن الصليبيين كانوا يعلمون بأن أسطول البندقية لا يُمكنه أن يفرض حصاراً على المضائق البحرية في بحر مرمرة إلا لفترة قصيرة فقط، فقد اختاروا أن يسلكوا طريق الدانوب، ولكن هونياد اعتبر الديسپوت الصربي برانكوڤيتش مجنوناً ليعتقد بأن السلطان مراد الثاني قد أعاد إليه مُلكه إلى الأبد، وتوّعده بإضرام النار في كامل صربيا بعدما يرجع منتصراً من حملته على العثمانيين، ولكن قدَّر الله أن يُهزم الصليبيون هزيمة شنعاء عند مدينة ڤارنا البلغارية الواقعة على ساحل البحر الأسود، وأن يُقتل في المعركة الملك المجري ڤلاديسلاڤ والمندوب البابوي الكاردينال سيزاريني في المعركة، إلى جانب اثنين من الأساقفة والعديد من البارونات، بينما كان هونياد البارون الوحيد الذي بالكاد نجى بحياته تقريبا، وهلك معظم أفراد الجيش في المعركة ومات الكثير من الفلول أثناء محاولتهم الهرب.

عد الهزيمة المُريعة للصليبيين في معركة ڤارنا يوم 28 رجب 848هـ الموافق في 10 نوڤمبر 1444م، تمكن هونياد من الوصول إلى المجر خلال يومين لوجود أدلةٍ معه يرشدونه على الطريق، وفي المصادر العثمانية أنه انسحب إلى الأفلاق.

قامت الأراضي التي استعادها برانكوڤيتش بحماية جنود المجر الهاربين من العثمانيين، وانهار النظام في البلاد تمامًا مرة أخرى.

في ربيع عام 1446م، عاد السلطان مراد إلى العرش وقام بالحملة الأولى ضد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الحادي عشر باليولوج، الذي أصبح لاحقا آخر إمبراطور بيزنطي عند فتح القسطنطينية، ولم يزعج ذلك برانكوڤيتش. وفي أوقات السلم النسبي، انتعشت التجارة في صربيا وأصبح أقوى مركز اقتصادي هو سمندرية؛ التي اجتذبت التجار ليس فقط من مدن بلغراد ورودنيك وبودرينيا، ولكن أيضًا من نوفي بردو وبريشتينا ومدن أخرى بعيدة، وخاصة مع المجر المجاورة.

أراد هونياد الانتقام من الهزيمة الثقيلة في معركة ڤارنا ومواصلة الحرب، وبالفعل بدأ في الاستعداد لحملة جديدة وطلب المساعدة من جميع الجهات، لكن الرد كان ضعيفا ولم يساعده البابا، وقدم ألفونسو الخامس ملك مملكة أرغون وعودًا فارغة، ولم ترغب البُغدان (مولدوفا) حتى في سماع أخبار عن تجدد القتال وحافظت على السلام المبرم مع السلطان عام 1446م. إلا أن دوبروفنيك وافقت بالكاد على منح 2000 دوكات على الرغم من أنها كانت تحت الحكم المجري ، واشترطت ألا تدفعها إلا عندما يعبر هونياد نهر الدانوب مع جيشه. فقط النبيل الأرناؤوطي المتمرد إسكندر بك أراد المساعدة والمشاركة شخصيًا في الحرب. اعتذر الملك الفرنسي بالقول إنه لا يستطيع المساعدة بسبب حربه مع عدوه القديم الملك الإنجليزي.

وعلى الرغم من وعدهم، لم يضحوا كثيرًا من أجل القضية، كما وعدوا، بل تأخر الأسطول البابوي، وكان سبب التأخير هو نقص الأموال في مجمع البندقية، وتم الإدلاء ببيان توبيخ على البابا الذي قضى كل هذا الوقت في تجهيز السفن، رغم أنه أخذ الضريبة الكنسية المخصصة لهذا الغرض. ولم يقم الإمبراطور البيزنطي بأية استعدادات للحرب، رغم أنه لم يبخل في ذلك الوقت بالكلمات المشجعة أيضًا.

وعلى الرغم من أن هونياد لم يتلق مساعدة من المسيحيين إلا أنه لم يتخلّ عن القتال، وبحلول عام 1448م تمكن من حشد جيش جديد ليشنّ حملة عسكرية ضد السلطان مراد الثاني، ودعا الحاكم الصربي برانكوڤيتش للانضمام إليه ولكن لم يتوصلا لاتفاق، فقطع العلاقات مع برانكوڤيتش، ومما زاد الطين بلة أنه سار بجيشه عبر صربيا، مما دفع برانكوڤيتش لإبلاغ السلطان مراد بالحملة المجرية، ومَنَعَ للمرة الثانية الجيوش الصليبية الأخرى من الانضمام إلى هونياد.

وبذلك تجلى عجز الدول المسيحية عن توحيد قواها ضد العثمانيين بوضوح تام في عام 1448م أثناء حملة هونياد على صربيا، وكان ديسپوت الصرب جُريج برانكوڤيتش الذي عاد إلى السلطة مؤخراً مدركاً لموقفه المكشوف في مواجهة العثمانيين، ولم يكن راغباً في المخاطرة ببقائه السياسي في حملة قد تكون بلا جدوى. ولم يكتف بالبقاء على الحياد، بل إنه أبلغ السلطان مراد باتجاه مسيرة جيش هونياد، واحتل الممرات الجبلية على الحدود الصربية الألبانية ليمنع وصول النبيل الأرناؤوطي إسكندر بك المتمرد على العثمانيين. وفي المقابل، تعامل هونياد مع صربيا بلا رحمة، فنهب الريف ودمره كما لوكان يمر عبر دولة معادية. ولم تكن هناك قوات صربية موجودة في معركة كوسوڤو الثانية، حيث هُزم جيش مسيحي للمرة الثانية في مواجهة كبرى مع العثمانيين. وفي الوقت نفسه، تسبب هجوم البندقية على شمال ألبانيا في تأخير إسكندر بك عن مساعدة هونياد. ولقد رد برانكوڤيتش على الأضرار التي ألحقها الجيش المجري بصربيا بأسر هونياد أثناء انسحابه بعد الهزيمة، وسجنه. وكان عدم التعاون بين الدول المسيحية نمطيا للغاية في تلك الفترة، حيث تسببت الأهداف قصيرة المدى في تجاهل تلك الدول لمصلحتها المشتركة في منع توسع الفتوحات العثمانية.

في نفس عام معاهدة أدرنة-سكدين 1444م، عندما أراد الجيش الصليبي الزحف إلى أدرنة عبر الأراضي الصربية والبلغارية لمباغتة العثمانيين رغم معاهدة الصلح بينهما، رفض جُريج برانكوڤيتش مرورهم ولم ينضم إلى الصليبيين. وبعد تعرضه لهزيمة من السلطان العثماني مراد الثاني في معركة ڤارنا 1444م، أضحى هونياد ينتظر اللحظة المناسبة للانتقام.

قضى هونياد عام 1445م في ترتيب الشؤون الداخلية لبلاده. وفي عام 1446م اضطر إلى تنظيم حملة في «ستيريا» (تقع جنوب شرق النمسا بالقرب من سلوڤينيا) ضد أولريتش الثاني قُمَّس «تسليه» (تقع حالياً في سلوڤينيا)، الذي استولى على سلاڤونيا وقلاع كل من أسقفية زغرب ودير “ڤرانا”. وبدلاً من محاولة استعادة القلاع المحتلة، اكتفى هونياد بتدمير أراضي تسليه في ستيريا، وهي العملية التي لم تسفر عن أية نتيجة سياسية على الإطلاق. ثم في أواخر خريف نفس العام، قاد حملة أخرى ضد فريدريك الثالث آل هاپسبورغ، ملك ألمانيا (الذي أصبح لاحقاً إمبراطور روماني مقدس منذ 1452م وحتى وفاته، وهو أول إمبراطور من أسرة هابسبورغ العريقة)، ونهب جميع أراضي هاپسبورغ، ولكن دون أن يتمكن من إجبار خصمه على تقديم أي تنازلات. وفي النهاية أبرم اتفاقيات مع كل من كونتات تسليه وفريدريك على أساس الوضع الراهن. وبحلول وقت حملته ضد فريدريك، كان هونياد قد انتُخِب حاكماً على المجر في يونيو/حزيران 1446م باسم الملك الرضيع.

بدا لهونياد أن إسكندر بك الذي شارك في تحالف عام 1444م، قد علا نجمه تدريجياً كزعيم للمتمردين الأرناؤوط الألبان، وأنه لديه مصلحة راسخة في قتال العثمانيين. وبدا أيضاً أن الهجوم المشترك والمُنَسَّق ضد العثمانيين من المجر وألبانيا، بمساعدة مالية ومادية من ألفونسو الخامس ملك أراغون، قد أتاح الفرصة لتوجيه الضربة التي طال انتظارها للسلطان مراد، والتي كانت من وجهة نظر هونياد من شأنها أن تؤدي إلى طرد الإمبراطورية العثمانية من أوروبا. وجد هونياد حلفاءه في شخص الملك ألفونسو الخامس وإسكندر بك. كان ألفونسو، بطموحاته الخاصة في البلقان، قد شرع في إنشاء شبكة من التحالفات على طول البحر الأدرياتيكي الشرقي في أربعينيات القرن الخامس عشر في ظل قوة عسكرية قوية. وبحلول نهاية عام 1447م كانت الخطة قد اتخذت معالم واضحة إلى حد ما، فقد طلب هونياد من ألفونسو مائة ألف فلورين لتجهيز ستة عشر ألف جندي، كان من المقرر تجنيدهم في المجر.

وفي عام 1447م قمع هونياد ثورة الأفلاق المُحالِفة للعثمانيين وخلع ڤويڤود الأفلاق، ڤلاد الثاني دراكول، في ديسمبر من نفس العام، ونصب حاكما مواليا للمجر. ثم حانت فرصة في عام 1448م لشن حملة صليبية جديدة على الدولة العثمانية، ولكنها كانت في الوقت نفسه فرصة لديسپوت الصرب برانكوڤيتش لتأكيد ولاءه للعثمانيين، فرفض مرة أخرى السماح بمرور الحملة الصليبية عبر أراضيه وطلب مساعدة السلطان مراد بدلاً من ذلك.

كان هونياد قد تمكن بحلول عام 1448م من جمع جيش لشن حملة ضد العثمانيين، اعتمد فيها على دعم السكان المحليين في البلقان. وفي سبتمبر 1448م، عبر هونياد مع الجيش نهر الدانوب، يعتزم انضمام جيش إسكندر بك إليه، وكانت أراضي جُريج برانكوڤيتش تقع بين جيش الحاكم المجري هونياد وجيش الأمير الأرناؤوطي إسكندر بك. أقام هونياد معسكراً بالقرب من العاصمة الصربية سمندرية، حيث انتظر المجريون شهراً واحداً لوصول حلفائهم: الصليبيون الألمان، وحاكم الأفلاق والجيوش البوهيمية والجيوش الأرناؤوطية بقيادة إسكندر بك. ومع ذلك لم يأت الأرناؤوطيون لأن جُريج برانكوڤيتش حليف العثمانيين ووالد زوجة السلطان مراد الثاني، كان قد احتجزهم ومنع مرورهم.

قاد هونياد جيوشه في عمق أراضي العثمانيين دون توفير الحماية الكافية لانسحاب محتمل.

مقدمات المعركة

في عام 1448م، رأى يوحنا هونياد حاكم المملكة المجرية وكان وصياً على عرش المجر، أن الوقت قد صار مناسباً لقيادة حملة أخرى ضد الدولة العثمانية واستند في استراتيجيته على التمرد المتوقع من ثورة شعوب البلقان، وإمكانية تنفيذ هجوم مفاجئ، وتدمير القوة الرئيسية للعثمانيين في معركة واحدة. كان هونياد في قمة الاندفاع وقاد قواته دون أن يترك أي دعم احتياطي ورائه.

الصورة الوحيدة لحاكم الأفلاق: ڤلاديسلاڤ الثاني.

وفي شهر سبتمبر من عام 1448م، سار هونياد مع حاكم الأفلاق الجديد «ڤلاديسلاڤ الثاني» بجيش قوامه قرابة سبعين ألف رجل (في المصادر العثمانية) من القوات المجرية من مدينة «بست» (لاحقاً: بودابست، عاصمة المجر) وعَبَر بالجيش نهر الدانوب وعسكر بهم في بلاد الصرب بالقرب من «كوڤين» ، خارج العاصمة الصربية «سمندرية» ، ينتظرون قدوم جيش إسكندر بك الأمير الأرناؤوطي المتمرد على العثمانيين لينضم إليهم.

كان السلطان مراد الثاني بعد انتصاره في معركة ڤارنا قد سار بالجيش ومعه ابنه الشاهزاده محمد (الثاني) وأخمدوا الثورة في المورة (جنوب اليونان) ثم في الأرناؤوط. وفي نفس تلك الفترة عَلِم السلطان مراد الثاني باستعداد جيش الصليبيين الجديد للكرّ عليه مرة أخرى، فأسرع إلى صوفيا عاصمة إيالة الروملي العثمانية (عاصمة جمهورية بلغاريا حالياً) لينضم إلى قواته الموجودة هناك، وتحرك بقوة مكونة من ستين ألف رجل متجهاً إلى كوسوڤو (قوصوه بالكتابة العثمانية).

تُشير المصادر – على اختلافها – بتباين كبير في تعداد الجيشين وحصر القتلى. بالغ المؤرخون الغربيون في تعداد الجيش العثماني، لإخفاء مرارة الحدث العظيم والخسارة الفادحة للصليبيين.

كتب المؤرخ المجري پالوسفالڤي أنه من المستحيل حساب حجم جيش هونياد بالضبط. ومع ذلك، اعتبر أنَّ هذا كان أكبر جيش إطلاقاً جمعه هونياد لحرب العثمانيين.

المصادر المجرية

كان تعداد الصليبيين قُرابة خمسة عشر ألف خيّال، وثمانية آلاف فارس، وستة آلاف من المشاة.

كان تعداد العثمانيين قُرابة سبعة آلاف جندي إنكشاري، وعشرة آلاف من فرسان سپاهية الأناضول والروملي، وعشرة آلاف من فرسان الآقنجيّة، وعشرة آلاف من جنود العَزَبْ (المشاة الخفيفة غير النظاميين).

قتلى الصليبيين قُرابة خمسة عشر ألف محارب.

قتلى العثمانيين، غير معروف.

مصادر غربية أخرى

تراوح تعداد الصليبيين بين اثنين وعشرين ألفاً إلى ثلاثين ألف محارب، منهم خمسة آلاف من البولونيين، وأربعة آلاف من الأفلاق وثلاثة آلاف من البُغدان.

تراوح تعداد العثمانيين من أربعين ألف إلى ستين ألف محارب.

خسائر الصليبيين تراوحت بين ستة آلاف وسبعة عشر ألف محارب بين مقتول ومأسور.

وصل عدد قتلى العثمانيين إلى أربعة آلاف محارب.

المصادر العثمانية

وصل تعداد الصليبيين لقرابة ستين ألفاً، وفي مصادر: مائة ألف.

كان تعداد العثمانيين قُرابة أربعين ألفاً.

قتلى الصليبيين قُرابة سبعة عشر ألفاً، وفي مصادر: وأُسر الباقي.

قتلى العثمانيين، غير معروف، وفي مصادر: أربعة آلاف.

قبل بدء المعركة، أرسل السلطان مراد مبعوثاً إلى هونياد يعرض السلام ولكن هونياد رفض، وعاد المبعوث إلى السلطان دون أن يحقق شيئاً.

كان تعداد القوات الصليبية يتراوح بين اثنان وعشرون ألفاً وثلاثين ألف رجل، وتختلف المصادر اختلافاً كبيراً في تقييم تلك الأعداد، كما تقدم تفصيله. وبحسب المؤرخين العثمانيين، كان الجيش العثماني مسلحاً بالبنادق والمدافع. وكان الصليبيون مقسمون إلى ثمانية وثلاثين كتيبة، معظمها لا تعرف إحداها لغة الأخرى. وصلت القوات الصليبية إلى سهل كوسوڤو الذي وقعت فيه قبل نحو ستين عاماً معركة قوصوه (الأولى) الأكثر شهرة والتي كانت أيضاً بين الصرب بقيادة الأمير «لازار هربليانوڤيتش» والعثمانيين بقيادة السلطان مراد الأول وانتهت بانتصار العثمانيين.

التقى هونياد يوم الخميس 17 أكتوبر 1448م بالجيش العثماني في سهل كوسوڤو، وكان العثمانيون قد اتخذوا بالفعل مواقعهم يوم 16 أكتوبر.

معركة قوصوه الثانية يقع في Kosovoپليمنتينپليمنتينكوسوڤو

موقع معركة قوصوه الثانية عند «پليمنتين» بمقاطعة «پريشتينا» في كوسوڤو المعاصرة.

عندما ظهر هونياد بجيشه في سهل كوسوڤو، احتلت فرسانه التلال وحصّنوا تلك المواقع «بمتاريس عربات الحرب الهوسية». اصطف الجيشان متقابلين في ذلك اليوم، وبدأت المعركة في اليوم التالي.

استمرت المعركة لثلاثة أيام، قاد فيها السلطان مراد الثاني بنفسِهِ المدفعية وجنود الإنكشارية، وفقاً لحفيد الشيخ بدر الدين محمود (1359م-1420م) الذي شارك شخصياً في هذه المعركة، بينما أسند قيادة قوات الأناضول بالجناح الأيمن للجيش العثماني لابنه وخليفته في المستقبل: السلطان محمد الفاتح وهو ابن ستة عشر ربيعاً ليواجه معركة حربية للمرة الأولى في حياته. قاد هونياد قلب الجيش الصليبي في المعركة بينما كانت ميمنة الصليبيين تحت قيادة الأفلاق، أما المجريون فكانوا يمتلكون مدافع طويلة المدى.

في اليوم الأول من المعركة، لم يُجد نفعا أي هجوم قام به هونياد. وفي اليوم الثاني، تعرض المجريين للهجوم من الأمام والخلف، لكنهم تمكنوا من إعادة تجميع صفوفهم واستعادة خنادقهم، وعندما عاين حاكم الأفلاق شدة الرجال العثمانيين أرسل رجاله إلى السلطان مراد للتفاوض مع الصدر الأعظم خليل باشا الجاندارلي بأن ينحاز الأفلاق من جانب المجريين إلى صفوف العثمانيين مقابل العفو عنهم. وفي اللحظة الحرجة من المعركة، انحاز8,000 جندي أفلاقي إلى العثمانيين في مفاجأةٍ غير متوقعةٍ لهونياد. كانت خسارة ثمانية آلاف مقاتل من التحالف الصليبي، إضافةً إلى القوات الصليبية التي ضُربت من الخلف، حاسمةً في مجريات المعركة وتقرير مصيرها. وبحلول المساء أضمر هونياد النجاة بنفسه، فجمع قادته، وأمر الألمان والمدفعية بالتمركز في مواجهة المواقع التي احتلها العثمانيون أثناء المعركة، مُعداً بذلك خطةً هروبه من المعركة وإعداد طريقاً لانسحابه بعدما تيقن بأن الهزيمة قد حُسمت. ثم ترك المعركة ليلا قبيل الفجر، تاركا الإنكشارية يقتلون كل من بقي من الصليبيين في أرض المعركة بلا قيادة صبيحة اليوم الثالث ولتنتهي المعركة بنصر حاسم للعثمانيين.

قبيل المعركة 16 أكتوبر

تصافَّ الجيشان لمدة يوم ونصف يوم في مواجهة بعضهما بعضاً، وكان هذا التأخير في صالح العثمانيين لأن غالب جنودهم المُصطفين كانوا مُدرَّعين بدروعٍ خفيفة، بينما كان في جيش هونياد العديد من الفرسان ذوي الدروع الثقيلة، الذين وجدوا صعوبة في الانتظار طويلاً. ولذلك كان هونياد هو أول من بدأ المعركة في نهاية الأمر.

اليوم الأول من المعركة 17 أكتوبر

في اليوم التالي 17 أكتوبر 1448م لم يأتِ أحد بأي حركةٍ حتى الظهر، ثم اُفتُتحت المعركة بمصادماتٍ خفيفة.

بعد تنظيم القوات المتحاربة في أماكنها مباشرةً انطلق أحد الفرسان المجريين وتحدى العثمانيين لنزالٍ فرديٍّ فتقدم منهم محارب يٌدعى «إلياس» واشتبك معه. خلال المبارزة سقط الفارس المجري عن حصانه في الوقت الذي انقطع حزام السرج الذي يربطه بخصر جواد إلياس، فانزلق سرجه إلى ذيل الحصان، وبالكاد تمكن إلياس من البقاء على سرجه ولم يستطع استغلال سقوط المجري عن جواده. عاد المتبارزان إلى موقعيهما دون نتيجةٍ حاسمةٍ للنزال [معرفة من هو الأقوى]، ولكن العثمانيين استبشروا بسقوط المجري.

في فترة ما بعد الظهر هاجم هونياد الأجنحة العثمانية بسلاح فرسان مختلط (خفيف وثقيل)، مما تسبب في خسائر كبيرة من الجانبين، إلا أن ذلك الهجوم لم يؤثر تاثيراً كبيراً على نتيجة المعركة. اجتمع هونياد بمجلس الحرب بعد انتهاء القتال لمناقشة كيفية المضي قدماً، وبناءً على نصيحة أميرٍ عثماني مُنشق يُدعى “داود”، قرر هونياد مهاجمة العثمانيين في منتصف الليل. فوجئ إنكشارية بالهجوم الليلي ولكنهم استطاعوا رغم ذلك الصمود بوجه المهاجمين، ولما أدرك هونياد أن استمرار الهجوم غدا بلا جدوى أعاد مع الفجر مفارزه المتعبة إلى مواقعها الأصلية ولم يحرز تقدماً نتيجة الاشتباك.

هناك أكثر من رواية لتسلسل بدء العمليات العسكرية:

الرواية الأولى:

بدأت المعركة بهجوم من هونياد بفرسان مختلطة: فرسان خفيفة وفرسان ثقيلة مُدرعة على جانبيّ الجيش العثماني الميمنة والمسيرة.

ظلَّ جناحا الجيش العثماني الميمنة والميسرة المكونان من جنود الروملي والأناضول يتلقيان الضربات ويتراجعان عن مواقعهما دون أن ينكسروا حتى وصلت الخيالة الخفيفة العثمانية لتعزيزهم، فاندحرت الأجنحة الصليبية وانكسرت لاحقاً وتراجع الناجون منهم إلى القوة الرئيسية لهونياد في قلب الجيش الصليبي.

الرواية الثانية:

إسماعيل حقي أوزون تشارشيلي، مؤرخ تركي أرّخ لعدد الجيشين المتحاربين في معركة قوصوه الثانية بقرابة تسعين ألف صليبي مقابل مائة ألف عثماني. يتوافق هذا التقدير مع شراسة المعركة التي استمرت ثلاثة أيام لتكافؤ المتحاربين، مخالفاً المؤرخين الغربيين الذين بالغوا بتدوين أضعاف عدد العثمانيين كي يُبرروا هزيمة الصليبيين النكراء. جاء تقييمه قريباً مما سُجِّل في رسالة بتاريخ 25 نوڤمبر 1448م إلى پيوس الثاني، بابا الكنيسة الكاثوليكية.

القيصر فريدريك الثالث ابن إرنست الحديدي دوق النمسا من آل هابسبورغ وحاكم مقاطعات ستيريا وكارينثيا وكارنيولا التي تمثل الأجزاء الرئيسية من دوقية النمسا الداخلية، سلَّم حُكم المجر من هونياد الذي كان وصياً على عرش المجر إلى الملك اليافع «لاديسلاوس اليتيم» عام 1452م، بعد هزيمة معركة قوصوه الثانية.

الرواية المجرية: بدأ اليوم بهجوم فرسان السپاهية على المجريين الذين أوقفوا ذلك الهجوم إلا أنهم لم يستطيعوا القيام بهجوم مضاد نظراً لقوة المشاة العثمانيين.

اندلع الذعر في سلاح الفرسان المجريين عندما خَبِرُوا استحالة اختراق قلب الجيش العثماني مما أدى إلى فرار أجنحة الجيش المجري من المعركة.

الرواية المشتركة لما بعد ذلك:

عندما رأى هونياد هزيمة جناحيه هاجم قلب الجيش العثماني بقوته الرئيسية المؤلفة من الفرسان المُدرعة والمشاة الخفيفة ولم ينجح جنود الإنكشارية في صد ذلك الهجوم وأحرز الفرسان الصليبيون تقدماً في قلب الجيش العثماني حتى أوقفوا عند مضارب «المعسكر العثماني» واستحكامات السلطان.

عندما أُوقف الهجوم الصليبي الرئيسي أعاد المشاة العثمانيون تجميع صفوفهم ونجحوا بدفع الفرسان المجريين للخلف، وبذلك تمكنتِ العثمانيون من التغلب على سلاح الخيالة الخفيفة التي أضحت بدون دعم وحماية من الخيالة المُدرعة، فتراجعت القوات المجرية إلى معسكرها تاركةً المشاة للإبادة على يد العثمانيين، وخلال هذا التراجع قَتَلَ القنَّاصةُ العثمانيون الإنكشاريةُ مُعظم النبلاء المجريين.

داهمت قوات هونياد العثمانيين في مساء اليوم نفسه، لكن الهجوم صُدَّ، وفي تلك الليلة أيضاً تبادل الطرفان القصف المدفعي.

اليوم الثاني من المعركة 18 أكتوبر

بدأ الهجوم الرئيسي في صباح اليوم الثاني 18 أكتوبر واستمر حتى المساء ولكن لم يستطع أي من الجانبين أن يحسم المعركة لصالحه.

هاجم الصليبيون جناحي الجيش العثماني في وقتٍ واحدٍ، فأمر مراد الثاني قوات القلب المؤلفة من العزب والإنكشارية بالثبات في مواقعها وسحب قوات الميمنة والميسرة في خداعٍ تكتيكي. يرى المؤرخون الغربيون أن المجريين أجبروا فرسان الجناحين الأناضول والروملي العثمانيين على التراجع، في حين أوقعت هذه الخدعة التكتيكية المجريين لاحقاً تحت حصار العثمانيين.

عندما رأى هونياد انسحاب جناحي الجيش العثماني، هاجم القلب بكل قواته لاستغلال الفرصة السانحة. كان انسحاب المُجنّبتين خدعةً من السلطان الذي -عقب إلقاء هونياد بكامل ثقله في الهجوم- أمر عندها قوات القلب بالتراجع أيضاً، وبذا سمح للصليبيين بالدخول وسط فكي كماشة مُكرراً خطته السابقة في معركة ڤارنا 1444م. انطلقت فرسان الأناضول والروملي من الجناحين بِكَرٍّ سريعٍ في حركة التفافٍ إلى أن حاصرتِ الصليبيين بمناورةٍ مفاجئة. توقف الخيالة الصليبيون أمام المعسكر العثماني ثم انسحبوا إلى معسكرهم تحت وطأة الإنكشارية تاركين المشاة لمصيرهم، فأعمل العثمانيون القتل في الصليبيين المحاصرين من كل الجوانب، وسحق فرسان الروملي بقيادة طرخان بك الجناح الأيمن لهونياد.!!!!!!