
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإنحراف الفكري
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
عوامل الانحراف الفكري: ٢. تقديس الأشخاص
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
أولاً: التأصيل الشرعي
#قامت العقيدة الإسلامية على تحرير العقل البشري من العبودية والتبعية لغير الله تعالى، وأرست قاعدة أصولية كبرى مفادها: (العصمة للوحي فقط، وكل بشر يصيب ويخطئ).
#فالنصوص الشرعية هي الحاكمة والمتبوعة، وأقوال الرجال تُعرض عليها، فما وافقها قُبل، وما خالفها رُد، مهما علت مكانة القائل.
#فالانحراف الفكري ينشأ حين ينقلب الميزان، فيجعل المرء من أقوال الرجال وأفعالهم معياراً للحق، بدلاً من أن يجعل الحق معياراً لوزن الرجال.
٠٠٠٠٠٠٠
#وهذا ما حذر منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بكلمته الخالدة حين جاءه رجل يسأل في فتنة الجمل: أيمكن أن يكون فلان وفلان على الباطل؟ فقال له:
«إِنَّكَ لَمَلْبُوسٌ عَلَيْكَ، إِنَّ الْحَقَّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، اعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَهُ». (ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج5، ص261).
٠٠٠٠٠٠
#وقد صاغ الإمام مالك بن أنس رحمه الله هذا الأصل في عبارته الشهيرة التي أصبحت قاعدة عند أهل السنة والجماعة، حيث قال:
«مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا رَادٌّ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ، إِلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ» وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. (ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، ج2، ص91).
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
ثانياً: المثال من حياة النبي صلى الله عليه وسلم
لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بإرساء هذه القاعدة نظرياً، بل حارب بذور (تقديس الأشخاص) حمايةً لجناب التوحيد ولعقول أمته، وأعظم مثال على ذلك ما وقع يوم وفاة ابنه إبراهيم عليه السلام.
#فقد وافق يوم وفاته كسوف الشمس، فتعلق الناس بثقافة (تقديس الأشخاص) وربطوا ظواهر الكون بموت هذا الطفل لمكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: انكسفت الشمس لموت إبراهيم!
٠٠٠٠٠٠٠
ففي صحيح البخاري (برقم 1043) وصحيح مسلم (برقم 901) عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ).
#وهنا قطع النبي صلى الله عليه وسلم الطريق على كل غلو وتقديس، ورفض أن تُستغل العاطفة لتمرير فكرة باطلة تخالف سنن الله، وأعاد ربط القلوب والأحداث بالله وحده.
٠٠٠٠٠٠
#وفي مقام آخر، سدّ ذريعة التقديس لشخصه الكريم قائلاً: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ). (صحيح البخاري، برقم 3445).
٠٠٠٠٠٠٠٠
ثالثاً: أمثلة من الواقع المعاصر للانحراف بسبب هذا الخلط
١.التعصب الحزبي والمذهبي:
#يبرز هذا الانحراف فيمن يوالي ويعادي على أساس شخص أو شيخ أو قيادة حزبية، فيرفض النصوص الشرعية الواضحة إذا خالفت رأي “شيخه” أو “مرجعيته”، ويلتمس له المعاذير الباردة ليبرر خطأه، ويجعل من أقواله قوالب جامدة لا تقبل النقاش، وهذا عين ما عابه القرآن على الأمم السابقة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
٠٠٠٠٠
٢.تقديس رموز الفكر الغربي والحداثي:
#وهذا وجه آخر لتقديس الأشخاص؛ حيث ينحرف بعض الناس عن ثوابت شريعتهم بسبب انبهارهم وتقديسهم لبعض المفكرين أو الفلاسفة المعاصرين، فيتلقون نظرياتهم التي تهدم الدين بالقبول التام، دون إخضاعها لميزان النقد، ظناً منهم أن ما يصدر عن هؤلاء “الرموز” هو العلم الذي لا يأتيه الباطل، متناسين أنهم بشر تصدر أفكارهم عن بيئات وأهواء مختلفة.

