رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علم الرجال عند المحدثين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علم الرجال عند المحدثين

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

علم الرجال عند المحدثين

تعريفه، أصوله، مصادره، وأئمة النقد فيه

يُعَدُّ علم الرجال من العلوم الأساسية التي اعتمد عليها المحدثون في نقد الروايات وتمييز المقبول من المردود؛ إذ لا يكفي النظر في متن الحديث وحده، بل لا بد من دراسة إسناده، ومعرفة رواته، واتصال بعضهم ببعض، وأحوالهم من حيث العدالة والضبط، ومقارنة رواياتهم بروايات غيرهم.

فعلم الرجال أوسع من الجرح والتعديل؛ فهو يشمل التعريف بالرواة، وأسمائهم وأنسابهم وكناهم وألقابهم، وطبقاتهم وشيوخهم وتلاميذهم، وتواريخ مواليدهم ووفياتهم، وما يتصل بذلك من معرفة المؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق، والمبهمات، وغير ذلك.

أما الجرح والتعديل فهو الجانب الذي يُعنى بالحكم على الراوي من حيث القبول والرد، وفق قواعد النقد الحديثي.

فعلم الرجال أداة رئيسة من أدوات نقد الإسناد، لكنه لا يستقل وحده بالحكم النهائي على الحديث؛ فقد يكون الإسناد ظاهره الصحة، ثم تظهر علة خفية عند جمع الطرق ومقارنة الروايات، وقد يكون الراوي ثقةً لكنه يخطئ في حديث بعينه أو عن شيخ مخصوص.

أولًا: تعريف علم الرجال وحدوده.

هوالعلم الذي يُعنى بمعرفة رواة الحديث وأحوالهم، وما يتصل بأسمائهم وأنسابهم وكناهم وطبقاتهم وشيوخهم وتلاميذهم ومواليدهم ووفياتهم، وبالحكم على رواياتهم من جهة القبول والرد عند بحث عدالتهم وضبطهم.

وهذا تعريف جامع من حيث المعنى حسب معرفتي.

2. الفرق بين علم الرجال والجرح والتعديل وعلل الحديث

_علم الرجال: أوسع هذه العلوم؛ إذ يتناول التعريف بالرواة وطبقاتهم وصلاتهم العلمية، ويشمل جانبًا من الحكم عليهم.

_ علم الجرح والتعديل: يبحث في ألفاظ النقاد وأحكامهم على الرواة من حيث العدالة والضبط، مع دراسة أسباب تلك الأحكام ومراتبها.

_ علم علل الحديث: يبحث في الأسباب الخفية التي تؤثر في صحة الحديث، وقد تظهر بمقارنة طرقه وروايات الثقات، ولو كان رجال الإسناد معروفين بالثقة.

_ علم التخريج: يعنى بعزو الحديث إلى مصادره، وجمع طرقه، ودراسة أسانيده وألفاظه، بحسب المنهج المتبع.

ومن ثم، فليس كل راوٍ ثقةً يكون كل حديث يرويه صحيحًا، ولا يكفي أن نجد حكمًا على رجال الإسناد لنحكم على الحديث بالصحة دون فحص الاتصال والشذوذ والعلة.

ثانيًا: أصول علم الرجال وقواعده

القاعدة الأولى: التعديل والجرح لا يُفهمان بمعزل عن اصطلاح الناقد

الأصل أن توثيق الراوي من ناقد معتبر يفيد في إثبات أهليته للرواية، لكن لا يصح إطلاق قاعدة مطلقة بأن كل تعديل يُقبل بلا تفسير، وأن كل جرح لا يُقبل إلا إذا فُسِّر؛ فالمسألة فيها تفصيل وخلاف بين أهل العلم.

فالجرح المفسر أقوى في البيان من الجرح المجمل عند تعارض الأقوال، إذا ثبت السبب وكان مؤثرًا في الرواية، وصدر عن ناقد عارف بأسباب الجرح.

_أما الجرح المجمل فقد يقبله بعض أهل العلم عن إمام ناقد معروف بالمعرفة والتحري، وفق القرائن والاصطلاح المعتمد.

كما أن التعديل المجمل قد لا يكفي وحده إذا عارضته قرائن معتبرة، أو كان التوثيق صادرًا عن ناقد لا يعرف حال الراوي معرفة كافية.

القاعدة الثانية: العدالة والضبط أساس قبول الرواية

يشترط في الراوي الذي يُحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا، مع استيفاء بقية شروط قبول الحديث.

العدالة: صفة تحمل الراوي على التقوى والمروءة، وتقتضي اجتناب أسباب الفسق وخوارم المروءة وفق ما يقرره أهل العلم.

الضبط: إتقان ما يرويه الراوي، إما بحفظه وإما بصيانة كتابه وضبط روايته منه، مع مراعاة مقدار خطئه ووهمه.

_الإسلام والعقل شرطان في أهلية الأداء، أما البلوغ فليس شرطًا لتحمل الحديث؛ فقد يتحمل الصغير الحديث ثم يؤديه بعد بلوغه إذا استوفى شروط الأداء. لذلك لا ينبغي إدراج البلوغ ضمن شروط التحمل على الإطلاق.

القاعدة الثالثة: معرفة الطبقات واللقاء والسماع

معرفة طبقات الرواة وتواريخهم وشيوخهم وتلاميذهم من أهم أدوات التحقق من اتصال الإسناد، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات السماع.

فقد يتعاصر راويان من غير أن يلتقيا، وقد يلتقيان من غير أن يسمع أحدهما الحديث المعين من الآخر. ولهذا يدرس المحدثون صيغ الأداء، وإمكان اللقاء، وثبوت السماع، والتدليس، والإرسال، والانقطاع.

القاعدة الرابعة: لا عصمة لأحد في الرواية

قد يكون الراوي صالحًا عابدًا، لكنه ضعيف الحفظ، وقد يكون حافظًا متقنًا مع وجود ملاحظات في عدالته. ولا يجوز أن يحل الانطباع الشخصي أو المحبة أو الخصومة محل الأدلة النقدية.

فالنقد ليس إذنًا بالتجريح بلا ضوابط؛ بل يشترط في الناقد العلم والتثبت ومعرفة أسباب الجرح والتعديل، وتجنب التعصب والهوى.

القاعدة الخامسة: أحكام النقاد تُفهم بحسب اصطلاحاتهم

لا يصح أن نجعل ألفاظ النقاد مترادفة في جميع العصور والأشخاص؛ فقد تختلف دلالة بعض العبارات باختلاف الناقد والسياق.

القاعدة السادسة: الثقة قد يخطئ في حديث بعينه

الحكم على الراوي بأنه ثقة لا يعني تصحيح كل ما يرويه؛ إذ قد يهم في رواية، أو يختلط في آخر عمره، أو يروي عن شيخ على وجه يخالف فيه أصحاب ذلك الشيخ، أو يقع له وهم في الوصل والرفع.

ولهذا يجمع النقاد طرق الحديث، ويقارنون الروايات، وينظرون في اختلاف أصحاب الراوي، وفي روايته قبل الاختلاط وبعده، وفي خصوصية روايته عن شيوخه.

ثالثًا: أبرز كتب علم الرجال ومصادره

1. كتب الطبقات والتاريخ والتراجم

* الطبقات الكبرى — محمد بن سعد.

* التاريخ الكبير — محمد بن إسماعيل البخاري.

* تاريخ بغداد — الخطيب البغدادي.

* تاريخ دمشق — ابن عساكر.

* تذكرة الحفاظ — الذهبي.

هذه الكتب مهمة لمعرفة التراجم والطبقات والتواريخ والشيوخ والتلاميذ، لكن مناهجها وأهدافها ليست واحدة؛ فليس كل كتاب تراجم كتابًا مختصًا بالجرح والتعديل.

2. كتب الجرح والتعديل والضعفاء

* الجرح والتعديل — ابن أبي حاتم الرازي.

* الضعفاء الكبير — العقيلي.

* ميزان الاعتدال في نقد الرجال — الذهبي.

* المغني في الضعفاء — الذهبي.

* ديوان الضعفاء والمتروكين — الذهبي.

* لسان الميزان — ابن حجر العسقلاني.

* تقدمة المعرفة للجرح والتعديل — ابن أبي حاتم الرازي، وهي مقدمة منهجية لكتابه في الجرح والتعديل.

1. كتاب ميزان الاعتدال مخصص أساسًا لذكر من تكلم فيهم من الرواة، لكنه ليس مجرد قائمة للضعفاء؛ فقد يناقش الذهبي أحكام النقاد وينبه إلى أوهام أو مبالغات في الجرح.

2. لسان الميزان ليس مجرد نسخة مطابقة لـميزان الاعتدال، بل هو عمل استدراك مع إضافات وتحريرات، وينبغي الرجوع إلى مقدمته لفهم منهجه.

3. كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم فى مقدمته بأنها تتناول الحاجة إلى معرفة الصحيح والسقيم، ومراتب الرواة، ثم تراجم عدد من الأئمة وأحوالهم.

3. كتب رجال الكتب الستة وما يتصل بها

_الكمال في أسماء الرجال — عبد الغني المقدسي.

_ تهذيب الكمال في أسماء الرجال — جمال الدين المزي.

_ تهذيب التهذيب — ابن حجر العسقلاني.

_تقريب التهذيب — ابن حجر العسقلاني.

_ الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة — الذهبي.

_ إكمال تهذيب الكمال — مغلطاي بن قليج.

4. كتب تجمع بين الرجال والعلل والسؤالات

_العلل ومعرفة الرجال — الإمام أحمد بن حنبل، بروايات متعددة.

_ سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي — من المصادر المهمة في نقل أحكام النقاد.

_ العلل — علي بن المديني.

_ العلل ومعرفة الرجال وما في معناه من روايات النقاد ومجالسهم، بحسب الكتاب والراوي الذي نقلها.

هذه المصادر ذات قيمة خاصة لأنها تكشف جانبًا من ممارسة النقد عند المتقدمين: السؤال عن الرواة، ومقارنة الأسانيد، وتفسير بعض الأحكام، والتمييز بين الروايات المحفوظة وغير المحفوظة.

رابعًا: أبرز أئمة علم الرجال والنقد

1. أئمة النقد في القرنين الثاني والثالث الهجريين

_ يحيى بن معين (ت 233هـ): من كبار أئمة الجرح والتعديل، عُرف بكثرة سؤالاته وأحكامه على الرواة.

_ علي بن المديني (ت 234هـ): إمام بارز في علل الحديث ونقد الأسانيد، وله أثر كبير في تكوين منهج البخاري النقدي.

_ أحمد بن حنبل (ت 241هـ): إمام في معرفة الحديث والرجال والعلل، ونُقلت عنه أحكام كثيرة في الرواة.

_ محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256هـ): إمام في نقد الرجال والعلل، وله كتاب التاريخ الكبير وكتاب الضعفاء الصغير.

_ أبو زرعة الرازي (ت 264هـ): من كبار نقاد الحديث، وله سؤالات وأحكام مهمة في الرواة.

_ أبو حاتم الرازي (ت 277هـ): من أئمة الجرح والتعديل، وصاحب كتاب الجرح والتعديل.

_ محمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ): له إسهام بارز في بيان علل الأحاديث واختلاف الفقهاء وأقوال أهل العلم في روايات الباب، ولا يصح وصفه بأنه مبتكر نقد الرجال؛ فهذا العلم أقدم منه.

_ أبو عبد الرحمن النسائي (ت 303هـ): إمام في الحديث والعلل والرجال، وله كتاب الضعفاء والمتروكون.

_ أبو الحسن الدارقطني (ت 385هـ): من أبرز أئمة العلل والنقد، وصاحب كتاب العلل الواردة في الأحاديث النبوية.

2. مرحلة الجمع والتصنيف

_الخطيب البغدادي (ت 463هـ): جمع أصول الرواية وقواعدها في كتب مثل الكفاية في علم الرواية، ووسع التراجم في تاريخ بغداد.

_عبد الغني المقدسي (ت 600هـ): صاحب الكمال في أسماء الرجال، وهو أصل مهم في مشروع جمع رجال الكتب الستة.

_المزي (ت 742هـ): صاحب تهذيب الكمال، الذي وسع المادة الرجالية وجمع تراجم رواة الكتب التي اعتمدها في كتابه.

_ الذهبي (ت 748هـ): من كبار نقاد الرجال والتراجم، وله ميزان الاعتدال والكاشف والمغني في الضعفاء.

_مغلطاي بن قليج (ت 762هـ): صاحب إكمال تهذيب الكمال، وله إسهام في استدراك تراجم الرجال ومناقشة ما ورد في المصادر السابقة.

_ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ): صاحب تهذيب التهذيب وتقريب التهذيب ولسان الميزان، وقد لخّص وحرر واستدرك في كتب الرجال، مع اختلاف أهداف كل كتاب ومنهجه.

3.المحققون والباحثون في العصر الحديث

_ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت 1386هـ): من أبرز الباحثين في نقد الرجال ومناقشة أحكام النقاد، وله كتاب التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، إلى جانب تحقيقات وتعليقات علمية مهمة.

_محمد ناصر الدين الألباني (ت 1420هـ): عُرف باشتغاله بتخريج الأحاديث والحكم عليها، ودراسة الأسانيد، وله اختيارات نقدية تقبل البحث والمناقشة كغيرها من اجتهادات المحدثين.

_شعيب الأرناؤوط (ت 1438هـ): من كبار المحققين المعاصرين في كتب الحديث والتراجم، وأشرف على أعمال تحقيقية واسعة، منها تحقيق تهذيب الكمال للمزي، ومسند الإمام أحمد في طبعة مؤسسة الرسالة.

_دكتور بشار عواد معروف: من المحققين البارزين في كتب الرجال والتاريخ، ومن أعماله تحقيق تهذيب الكمال للمزي وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي في طبعات علمية معروفة.

خامسًا: منهج عملي للبحث عن حال راوٍ

لمن أراد تطبيق علم الرجال على حديث بعينه، يمكن اتباع الخطوات الآتية:

1.ضبط اسم الراوي: الرجوع إلى كتب الأسماء والكنى والأنساب، مع الانتباه إلى تشابه الأسماء والاشتراك في الكنية والنسبة.

2.تحديد ترجمته: مراجعة كتب الرجال المناسبة، مثل تهذيب الكمال، ثم تهذيب التهذيب، ثم تقريب التهذيب للاستفادة من خلاصته.

3. جمع أقوال النقاد: مراجعة الجرح والتعديل، وتاريخ البخاري، وسؤالات النقاد، وكتب الضعفاء والعلل، بحسب حال الراوي.

4.تحرير ألفاظ الحكم: عدم التسوية بين «ثقة»، و«صدوق»، و«لا بأس به»، و«صالح الحديث»، و«لين الحديث»؛ بل يُراعى اصطلاح الناقد والقرائن.

5. التحقق من الاتصال: دراسة شيوخ الراوي وتلاميذه، واللقاء والسماع، وصيغ الأداء، واحتمال التدليس أو الانقطاع.

6.جمع طرق الحديث ومقارنتها: فقد يكون الراوي ثقة، لكن يخطئ في رواية مخصوصة؛ وهنا تظهر أهمية علم العلل.

7. صياغة النتيجة بتحفظ علمي: يُذكر الحكم على الراوي، وأقوال النقاد المؤثرة، ثم الحكم على الحديث بعد استكمال دراسة الإسناد والمتن والطرق، لا بناءً على ترجمة الراوي وحدها.

سادسًا: المراجع

_ ابن أبي حاتم الرازي، الجرح والتعديل، ومعه تقدمة المعرفة للجرح والتعديل.

_ الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية.

_ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد.

_البخاري، التاريخ الكبير.

_ ابن سعد، الطبقات الكبرى.

_ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث.

_ المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة.

_ الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي.

_ الذهبي، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة.

_ الذهبي، المغني في الضعفاء.

_ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب.

_ابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب.

_ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان.

_العقيلي، الضعفاء الكبير، تحقيق عبد المعطي قلعجي.

_الدارقطني، العلل الواردة في الأحاديث النبوية، تحقيق محفوظ الرحمن السلفي.

_ المعلمي اليماني، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل