
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الاستيلاء على الميراث وقطع صلة الرحم
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الاستيلاء على الميراث وقطع صلة الرحم: حين يتحول المال إلى عداوة بين الأقارب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. مقدمة: مالٌ يفرّق بين من جمعهم الدم
من المؤلم أن يتحول الميراث، الذي شرعه الله لحفظ الحقوق وتحقيق العدل بين الورثة، إلى سبب للخصومة والقطيعة بين الإخوة والأخوات، وبين الأبناء وأبناء العمومة. فبدل أن يكون الميراث امتدادًا لذكرى الوالدين، وبرهانًا على تماسك الأسرة، يصبح أحيانًا شرارة تشعل العداوة وتُحيي الأحقاد القديمة. والمفارقة أن بعض الناس يحرصون على جمع المال طوال حياتهم من أجل أبنائهم، ثم يتحول هذا المال بعد وفاتهم إلى سبب في تمزيق الأسرة التي سعوا إلى إسعادها.
2. الميراث حق شرعي وليس غنيمة للأقوى
لم يترك الإسلام تقسيم الميراث للأهواء الشخصية، ولا لقوة النفوذ أو القدرة على فرض الأمر الواقع، بل حدّد للورثة حقوقًا وأنصبة وفق أحكام شرعية دقيقة. قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ \(النساء: 7\).
وتؤكد الآية أن الحق في الميراث ليس منّة من أحد على أحد، ولا هبة يوزعها أحد الورثة وفق رضاه، وإنما هو حق قرره الله لمستحقيه. فلا يجوز لأخ أن يحرم أخته أو أخيه من حقوقهم التي شرعها لهم الله، ولا لابن أن يستأثر بأملاك أبيه دون بقية الورثة، ولا لقريب أن يجعل حيازته للعقار أو الوثائق وسيلة للاستيلاء على حقوق الآخرين.
3. حرمان النساء من الميراث: ظلم باسم العادات
من صور الاعتداء على الميراث أن تُحرم المرأة من حقها بحجة المحافظة على أرض العائلة، أو منع انتقال العقار إلى أسرة زوجها، أو بدعوى أنها حصلت على نصيبها من الزواج أو المساعدة في حياتها. وهذه الأعذار لا تُسقط حقًا شرعيًا ثابتًا.
فالمرأة ليست ضيفة في أسرتها، ولا يقل حقها في الميراث لأنها تزوجت أو غادرت منزل والديها. وقد جعل الله لها نصيبًا معلومًا بحسب درجة القرابة وبقية الورثة، فلا يجوز إلغاؤه بعرف اجتماعي أو ضغط عائلي.
وإذا تنازلت المرأة عن حقها، فلا بد أن يكون تنازلها عن علم ورضا حقيقيين، بعد ثبوت حقها وتمكينها من التصرف فيه، لا نتيجة تهديد أو إحراج أو خوف من القطيعة.
4. الاستيلاء على الميراث أكلٌ لأموال الناس بالباطل
قد لا يقع الاعتداء على الميراث بالإنكار الصريح وحده، بل قد يتخذ صورًا متعددة، مثل إخفاء بعض الممتلكات، أو الاستحواذ على مداخيل العقارات، أو تأخير القسمة سنوات طويلة دون مسوغ، أو التصرف في المال المشترك من غير إذن أصحابه.
وقد حذّر القرآن من أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ \(البقرة: 188\).
والخطورة أن المعتدي قد يبرر لنفسه فعلته بأنه الأكبر سنًا، أو الأكثر إنفاقًا على الوالدين، أو الأحق بإدارة الممتلكات. لكن إدارة التركة لا تعني امتلاكها، والقيام على شؤون الأسرة لا يمنح صاحبه حق مصادرة حقوق الآخرين. أما المصاريف والديون والنفقات المستحقة، فتُعالج بالحساب والإثبات والاتفاق أو القضاء، لا بالاستيلاء المنفرد.
5. المال يكشف الأخلاق عند غياب الرقيب
قد يتظاهر الإنسان بالكرم والعدل ما دامت المصالح محدودة، لكن اختبار الأخلاق الحقيقي يظهر عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع حق القريب. فهل يقبل المرء أن يحصل أخوه على حقه كاملًا، حتى إن كان ذلك سيقلل ما سيؤول إليه؟ وهل يرضى بأن تأخذ أخته نصيبها دون أن يحمّلها ثمن ذلك من كرامتها وعلاقتها بأسرتها؟
إن الأمانة ليست أن تترك أموال الناس عندما تعجز عن أخذها، بل أن تمتنع عن أخذها وأنت قادر عليه. والعدل ليس أن تمنح الآخرين ما تراه مناسبًا، بل أن تؤدي إليهم ما يستحقونه.
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه مسلم. والغش في الحقوق لا يقتصر على التجارة، بل يشمل كل تصرف يقوم على إخفاء الحقيقة أو تضليل أصحاب الحقوق.
6. قطع صلة الرحم: جرح يتجاوز حدود المال
حين يُحرم أحد الورثة من نصيبه، لا تكون الخسارة مالية فقط؛ فقد يشعر بالإهانة، وفقدان الثقة، والتنكر لسنوات من المحبة والتضحية. وقد تتحول الخصومة إلى قطيعة بين أبناء العمومة، ثم تنتقل إلى الأبناء والأحفاد، فيرث الصغار عداوات لم يصنعوها.
وقد أمر الله بصلة الأرحام، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ \(النساء: 1\).
وصلة الرحم ليست مجرد زيارات ومجاملات في الأعياد، بل تتجلى أيضًا في العدل، وحفظ الحقوق، وعدم استغلال حاجة القريب أو غيابه. فمن غير المعقول أن يتحدث الإنسان عن صلة الرحم بلسانه، ثم يحرم رحمه من حقه بيده.
7. لا يجوز استخدام صلة الرحم لإسكات المظلوم
من أخطر الممارسات أن يطالب المعتديُ المظلومَ بالتسامح، وأن يُقال لمن يطالب بحقه: «لا تفضح العائلة»، أو «لا تقطع الرحم»، أو «سامح أخاك مهما فعل». وهكذا يتحول واجب المحافظة على الأسرة إلى وسيلة لحماية الظلم وإدامته.
إن صلة الرحم لا تعني التنازل الإجباري عن الحقوق، والعفو فضيلة لا يصح فرضها على المظلوم لإراحة المعتدي. ويجوز للإنسان أن يطالب بحقه بالطرق المشروعة، وأن يلجأ إلى الوساطة أو القضاء عند الحاجة، مع تجنب السب والانتقام والاعتداء.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ \(المائدة: 8\).
فالعدل واجب حتى مع وجود الخصومة، كما أن حفظ الحقوق لا يمنع من إبقاء باب الصلح مفتوحًا.
8. موقف الإسلام من قطيعة الرحم
حذّر النبي ﷺ من قطع الأرحام، وجعل صلة الرحم من الأخلاق العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها، حتى عندما يقابَل بالإساءة.
قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» رواه مسلم، والمقصود به في هذا الحديث قاطع الرحم.
وقال ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» رواه البخاري.
وهذا توجيه عظيم إلى عدم جعل إساءة الآخرين مبررًا دائمًا لقطع الرحم. لكن ينبغي فهمه في موضعه الصحيح: صلة الرحم لا تعني تمكين المعتدي من مواصلة الظلم، ولا إسقاط حق المظلوم، ولا ترك الإجراءات اللازمة لحماية المال والنفس والكرامة. ويمكن للمرء أن يحافظ على قدر من التواصل والاحترام، مع وضع حدود واضحة تحول دون تكرار الاعتداء.
9. كيف نعالج نزاعات الميراث قبل أن تتحول إلى عداوة؟
العلاج يبدأ من الاعتراف بأن الحقوق لا تُحل بالأصوات المرتفعة، ولا بفرض السيطرة، ولا بتدخل الأقارب الذين ينحازون إلى طرف على حساب آخر. ويمكن اعتماد خطوات عملية:
حصر التركة: تحديد العقارات والأموال والمنقولات والديون والمستحقات بصورة واضحة.
توثيق الحقوق: جمع الوثائق والعقود والسجلات اللازمة، وعدم إخفاء أي جزء من التركة.
القسمة العادلة: الرجوع إلى الأحكام الشرعية والقانونية المعمول بها، والاستعانة بأهل الاختصاص عند وجود خلاف.
الوساطة العائلية: اختيار شخص نزيه يقبله جميع الأطراف، لا شخصًا يضغط على الطرف المظلوم.
اللجوء إلى القضاء عند الضرورة: إذا تعذر الحل الودي، فالمطالبة القانونية بالحق وسيلة مشروعة لحمايته.
والأفضل أن تُعالج مسائل التركة مبكرًا، قبل أن تتحول الخلافات إلى اتهامات متبادلة وقطيعة يصعب إصلاحها.
10. الخاتمة: لا تجعلوا المال ميراثًا للعداوة
إن المال الذي يتركه الآباء لأبنائهم ينبغي أن يكون عونًا لهم على الحياة، لا سببًا في هدم ما بنوه من محبة وتماسك. وقد يربح المستولي على الميراث عقارًا أو مبلغًا من المال، لكنه يخسر ثقة إخوته، واحترام أسرته، وربما يخسر راحة ضميره وطمأنينة قلبه.
ولا يكفي أن يترك الإنسان لأبنائه أملاكًا كثيرة؛ فالأهم أن يترك لهم تربية تقوم على العدل، وأن يعلمهم أن حق الأخت كحق الأخ في أن يُحترم نصيبها الذي قرره الشرع، وأن صلة الرحم لا تُشترى بالهدايا ولا تُحفظ بالكلام الجميل، وإنما تُصان بالأمانة والإنصاف.
فلا تجعلوا الميراث آخر ما يجمعكم من مال، وأول ما يفرقكم من رحمة. ولا تجعلوا القبور التي تضم آباءكم شاهدة على خصوماتكم حول ما تركوه وراءهم.
من أراد برَّ والديه بعد وفاتهما، فليحفظ الحقوق التي تركاها، وليصل رحمه، وليطفئ نار الخلاف قبل أن تنتقل إلى الأجيال القادمة. فالتركة الحقيقية ليست ما يُكتب في سجلات الملكية وحدها، بل ما يبقى بين أفراد الأسرة من مودة ورحمة وعدل.
خلاصة المقال: الاستيلاء على الميراث ظلمٌ للحقوق، وقطع الرحم بسبب المطالبة بها ظلمٌ آخر قد يضاعف الجرح. والطريق السليم هو رد الحقوق إلى أصحابها، وتحري العدل، والسعي إلى الصلح دون إكراه المظلوم على التنازل عما يستحقه.
المراجع من القرآن الكريم والسنة النبوية:
أولًا: القرآن الكريم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. سورة النساء، الآية 1: الأمر بتقوى الله ومراعاة الأرحام.
2. سورة النساء، الآية 7: تقرير حق الرجال والنساء في الميراث.
3. سورة النساء، الآيات 11–12: بيان أنصبة عدد من الورثة وأحكام الميراث.
4. سورة البقرة، الآية 188: النهي عن أكل الأموال بالباطل.
5. سورة المائدة، الآية 8: الأمر بالعدل ولو مع وجود الخصومة.
6. سورة محمد، الآيتان 22–23: التحذير من الإفساد في الأرض وقطع الأرحام.
ثانيًا: السنة النبوية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. صحيح البخاري، كتاب الفرائض: أحاديث أحكام الميراث.
2. صحيح البخاري، كتاب الأدب: حديث «ليس الواصل بالمكافئ».
3. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب: حديث «لا يدخل الجنة قاطع».
4. صحيح مسلم، كتاب الإيمان: حديث «من غشنا فليس منا»

