
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن هل تجوز الصلاة على الغائب
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
هل تجوز الصلاة على الغائب؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الغائِبِ بالنِّيةِ.
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ الصَّلاةِ على الميِّتِ الغائِبِ عن البَلدِ سَواءٌ كانَ في جِهةِ القِبلةِ أو في غيرِها، ولكنَّ المُصلِّيَ يَستقبِلُ القِبلةَ، ولا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ المَسافةُ بينَ البَلدَينِ قَريبةً أو بَعيدةً على الصَّحيحِ عندَهما، خِلافًا لشَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ حيث قالَ: لا بدَّ أنْ يَكونَ الغائِبُ مُنفصِلًا عن البَلَد بما يُعدُّ الذَّهابُ إليه نَوعَ سَفرٍ.
واستَدلُّوا على ذلك بما رَواه أبو هُريرةَ : «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَعى لِلناسِ وهو بالمَدينةِ النَّجاشيَّ صاحِبَ الحَبشةِ في اليَومِ الذي ماتَ فيه، قالَ: إنَّ أخًا لَكم قد ماتَ -وفي رِوايةٍ: ماتَ اليَومَ عبد صالِحٌ بغيرِ أرضِكم- فقُوموا فصلُّوا عليه، قالوا: ومَنْ هو؟ قالَ: النَّجاشيُّ، قالَ: استَغفِروا لِأخيكم، قالَ فخرَجَ بهم إلى المُصلَّى -وفي رِوايةٍ: البَقيعِ- ثم تَقدَّمَ فصَفُّوا خَلفَه صَفَّينِ، قالَ: فصَفَفنا خَلفَه كما يُصَفُّ على الميِّتِ، وصلَّينا عليه كما يُصَلَّى على الميِّتِ، وما تَحسَبُ الجنازةَ إلا مَوضوعةً بينَ يدَيْه، قالَ: فأمَّنا وصلَّى عليه، وكبَّرَ عليه أربَعَ تَكبيراتٍ»(1).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى عَدمِ جَوازِ الصَّلاةِ على الغائِبِ، وأنَّ ذلك مَكروهٌ، كما يَنُصُّ المالِكيةُ؛ لأنَّ مِن شُروطِ صِحَّةِ صَلاةِ الجنازةِ أنْ يَكونَ الميِّتُ حاضِرًا ومَوضوعًا أمامَ المُصلِّي، وأنْ يَكونَ للقِبلةِ، وهذه الشُّروطُ لا تَتوافرُ في الميِّتِ الغائِبِ؛ ولأنَّه قد تُوفِّيَ خَلقٌ كَثيرونَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِن أعَزِّهم القُرَّاءُ، ولَم يُنقَلْ عنه أنَّه صلَّى عليهم، مع حِرصِه على ذلك، حتى قالَ: «لَا يَموتَنَّ أحَدٌ مِنْكُم إلا آذَنتُمونِي به، فإنَّ صَلاتِي عليه له رَحمَةٌ»(2).
قالوا: وأمَّا صَلاتُه ﷺ على النَّجاشيِّ فتلك خُصوصيَّةٌ مِن خُصوصياتِه ﷺ(3).
أمَّا شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيمِ فقد فَرَّقا في ذلك:
فقال شَيخُ الإِسلامِ وابنُ القَيمِ : ولَم يَكنْ مِن هَديِه ﷺ الصَّلاةُ على كلِّ ميِّتٍ غائِبٍ، فقد ماتَ خَلقٌ كَثيرٌ مِن المسلِمينَ وهُم غُيَّبٌ فلَم يُصلِّ عليهم، وصَحَّ عنه ﷺ أنَّه صلَّى على النَّجاشيِّ صَلاتَه على الميِّتِ فاختَلفَ الناسُ في ذلك على ثَلاثِ طُرُق:
إِحداها: أنَّ هذا تَشريعٌ منه وسُنةٌ للأُمةِ الصَّلاةُ على كلِّ غائِبٍ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأحمدَ في إحدى الرِّوايتَينِ عنه.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: هذا خاصٌّ به، وليسَ ذلك لغيرِه.
قال أَصحابُهما: ومِن الجائِزِ أنْ يَكونَ رُفعَ له سَريرُه فصلَّى عليه وهو يَرى صَلاتَه على الحاضِرِ المُشاهَدِ، وإنْ كانَ على مَسافةٍ مِن البُعدِ والصَّحابةُ -وإنْ لَم يَروْه- هُم تابِعون للنَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ.
قالوا: ويَدُلُّ على هذا أنَّه لَم يُنقَلْ عنه أنَّه كانَ يُصلِّي على كلِّ الغائِبِين غيرِه، وتَركُه سُنةٌ كما أنَّ فِعلَه سُنةٌ، ولا سَبيلَ لِأحدٍ بعدَه أنْ يُعايِنَ سَريرَ الميِّتِ مِن المَسافةِ البَعيدةِ ويُرفَعَ له حتى يُصلِّيَ عليه، فعُلمَ أنَّ ذلك مَخصوصٌ به ﷺ.
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: الصَّوابُ أنَّ الغائِبَ إنْ ماتَ ببَلدٍ لَم يُصلَّ عليه فيه صُليَ عليه صَلاةُ الغائِبِ، كما صلَّى النَّبيُّ ﷺ على النَّجاشيِّ؛ لأنَّه ماتَ بينَ الكُفارِ ولَم يُصلَّ عليه، وإنْ صُلِّيَ عليه حيثُ ماتَ لَم يُصلِّ عليه صَلاةَ الغائِبِ؛ لأنَّ الفَرضَ قد سقَطَ بصَلاةِ المسلِمينَ عليه، والنَّبيُّ ﷺ صلَّى على الغائِبِ وترَكَه، وفِعلُه وتَركُه سُنةٌ، وهذا له مَوضِعٌ وهذا له مَوضِعٌ، واللهُ أعلَمُ.
والأَقوالُ الثَّلاثةُ في مَذهبِ أحمدَ، وأصَحُّها هذا التَّفصيلُ، والمَشهورُ عندَ أَصحابِه الصَّلاةُ عليه مُطلَقًا(4).
![]()
والذي أراه أن الصلاة على الميت الغائب إنما تجوز إذا توفر أمران:
الأول: أنْ يَكونَ الغائِبُ مُنفصِلًا عن البَلَد بما يُعدُّ الذَّهابُ إليه نَوعَ سَفرٍ في الجملة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
الثاني: أن يكون الغائِبَ ماتَ ببَلدٍ لَم يُصلَّ عليه فيه فيصُليَ عليه صَلاةُ الغائِبِ، أو يكون رمزا أو عالماً أو ذا مكانة عند أهل الإسلام ولا يصلى على كل ميت.
لأنه لَم يَكنْ مِن هَديِه ﷺ الصَّلاةُ على كلِّ ميِّتٍ غائِبٍ، فقد ماتَ خَلقٌ كَثيرٌ مِن المسلِمينَ وهُم غُيَّبٌ فلَم يُصلِّ عليهم، وصَحَّ عنه ﷺ أنَّه صلَّى على النَّجاشيِّ صَلاتَه على الميِّتِ فدل ذلك على أن الصلاة على الغائب لا يعمل بها مطلقا ولا تمنع مطلقا وإنما تصلى إذا لم يصلى عليه كما صلى النبي ﷺ على النجاشي.
وإلى هذا التَّفصيلِ ذهَبَ بعضُ المُحقِّقين مِن الشافِعيةِ كالخَطابيِّ والرُّويانِيِّ(5) وهو الصحيح لكن لا ينكر على من صلى على الغائب مطلقا سواء كان من مسافة طويلة أم قصيرة وسواء صليَّ عليه أو لم يصل عليه.
![]()
موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
من المجلد [(3) «صفحة»(316/313)]
![]()
المصادر:
[(1) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدم.])
[(2) صححه الألباني وفيه كلام: أخرجه النسائي (2022)، وفي الكبرى (2/460)، وابن ماجه (1528)، وأحمد (4/388)، وابن أبي شيبة في المسند (707)، وفي المصنف (3/275)، وابن المنذر في الأوسط (3013)، وأبو يعلى في مسنده (937)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1970)، وابن حبان (3087)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (2930)، وفي شرح مشكل الآثار (76)، وابن بشران في الأمالي (1643)، والحاكم في المستدرك (3/682)، والطبراني في الكبير (22/239، 240)، والبيهقي في الكبرى (4/48)، وفي المعرفة (7664)، وابن عبد البر في التمهيد (6/271)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (15/390) من طريق عُثْمَان بْن حَكِيمٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَى قَبْرًا جَدِيدًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: هَذِهِ فُلَانَةُ مَوْلَاةُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاتَتْ ظُهْرًا وَأَنْتَ نَائِمٌ قَائِلٌ فَلَمْ نُحِبَّ أَنْ نُوقِظَكَ بِهَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ، وَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا يَمُوتُ فِيكُمْ مَيِّتٌ مَا دُمْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ إِلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ، فَإِنَّ صَلَاتِي لَهُ رَحْمَةٌ».
قلت: الإسناد يغلب على الظن أن فيه انقطاعًا بين خاجة بن زيد وعمه : يزيد بن ثابت والله أعلم.
قال البخاري في التاريخ الصغير (1/67): فإن صح قول موسى بن عقبة أن يزيد بن ثابت قتل أيام اليمامة في عهد أبي بكر، فإن خارجة لم يدرك يزيد.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة يزيد بن ثابت (4/ 1572): وروى عنه خارجة بْن زيد، ولا أحسبه سمع منه.
وقال الحافظ في الإصابة في ترجمة يزيد بن ثابت (6/509): وإذا مات باليمامة فرواية خارجة عنه مرسلة.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه.])
[(3) «ابن عابدين» (2/208، 209)، و«المبسوط» (2/67)، و«البدائع» (2/340)، والبيهقي في «الكبرى» (4/48)، و«الاستذكار» (3/27)، و«بداية المجتهد» (1/334)، و«عمدة القاري» (1/21، 22)، و«تفسير القرطبي» (2/81)، و«شرح ابن بطال» (3/244)، و«الشرح الصغير» (1/372)، و«الفواكه الدواني» (1/299)، و«المجموع» (6/335)، و«روضة الطالبين» (2/130)، و«المغني» (3/285)، و«الإنصاف» (2/533)، و«فتح الباري» (3/189)، و«التحقيق» لابن الجوزي (2/147)، و«الإفصاح» (1/280).])
[(4) «زاد المعاد» (1/520، 521).])
[(5) «عمدة القاري» (8/21، 119)، و«عون المعبود» (9/15).])

