
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الرضاعة الأولى.. ثويبة الأسلمية وبركات الأيام الأولى
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الرضاعة الأولى.. ثويبة الأسلمية وبركات الأيام الأولى
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
أولا: الحدث
#بعد أن أتمت السيدة آمنة رضاعة وليدها في أيامه الأولى، انتقلت شرف هذه المهمة إلى امرأة أخرى لتكون أول مرضعة للنبي ﷺ بعد أمه. لم تكن هذه المرأة من أشراف قريش ولا من سيداتها، بل كانت “ثويبة”، مولاة (أَمة) عمه أبي لهب. لقد فرح أبو لهب بميلاد ابن أخيه فرحاً شديداً، وحين زفت إليه ثويبة بشرى ولادته، أعتقها من الرق مكافأة لها على هذا الخبر السعيد (1)
٠٠٠٠٠٠٠
#أرضعت ثويبة النبي ﷺ بلبن ابنٍ لها يُدعى “مَسْرُوح”، ولمدة تقارب الأيام السبعة أو تزيد قليلاً قبل قدوم مرضعات بني سعد. وفي هذه الأيام القلائل، نال النبي ﷺ شرفاً إضافياً؛ فقد أرضعت ثويبة قبله عمه “حمزة بن عبد المطلب”، وأرضعت بعده الصحابي الجليل “أبا سلمة بن عبد الأسد”. وبذلك، أصبح حمزة وأبو سلمة أخوين للنبي ﷺ من الرضاعة، وهو ما جعل النبي ﷺ يعتز بهذه الرابطة طوال حياته (2).
٠٠٠٠٠
#ورغم قصر المدة التي قضاها النبي ﷺ في حِجر ثويبة، إلا أن تدبير الله عز وجل جعل من هذه الأيام القليلة سبباً لتخليد ذكر هذه المرأة في سجلات التاريخ. لقد حفظ النبي ﷺ لثويبة هذا الفضل طوال حياته؛ فكان يكرمها في مكة قبل الهجرة وتكرمها معه السيدة خديجة رضي الله عنها، وبعد أن هاجر إلى المدينة، ظل يرسل لها الهدايا والكسوة والصلات براً بها واعترافاً بجميلها، حتى توفيت بعد غزوة خيبر، فسأل عن ابنها مسروح ليكفله ويبره، فقيل له إنه مات أيضاً (3).
٠٠٠٠٠٠
#هكذا، وفي أيامه الأولى، جمع الله لنبيه ﷺ بين حنان الأم، وفرحة الجد، وعطاء هذه المولاة البسيطة، لتتسع دوائر الارتباط الإنساني في حياة هذا اليتيم منذ خطواته الأولى في الدنيا.
٠٠٠٠٠٠
ثانيا: دروس خالدة لواقعنا المعاصر:
من هذه الأيام القليلة في حِجر ثويبة، نستخرج خمسة دروس عظيمة تضبط بوصلة الأخلاق والعلاقات في واقعنا:
1. الوفاء لأصحاب الفضل المبكر مهما طال الزمن (البعد الأخلاقي):
#الدرس: رضع النبي ﷺ من ثويبة أياماً معدودة وهو طفل لا يعي، ومع ذلك ظل يرسل لها الهدايا من المدينة وهو قائد للأمة ونبي يوحى إليه، لم ينسَ قطرة اللبن التي أسكتت جوعه يوماً.
#إسقاط معاصر: في زحمة الحياة وتوالي النجاحات، ينسى الكثيرون من مدّ لهم يد العون في بداياتهم الصعبة. هذا المشهد يوقظ فينا “ذاكرة الوفاء”. المعلم الذي علمك الحروف الأولى، الجار الذي ساند أسرتك في محنة قديمة، أو حتى العامل البسيط الذي كان يرعاك في طفولتك؛ هؤلاء يستحقون منك السؤال والبر والهدايا. النفوس الكبيرة لا تتنكر لبداياتها، والوفاء لأصحاب الفضل القديم هو من أمارات النبل ونقاء الأصل.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
2. القيمة الحقيقية في العطاء لا في الطبقة الاجتماعية (البعد الاجتماعي):
#الدرس: لم يمنع تدبير الله أن تكون أول من ترضع خاتم الأنبياء امرأة كانت “أَمة مملوكة”. لقد رُفع قدرها بعملها (الرضاعة والرعاية) لا بنسبها أو ثروتها.
#إسقاط معاصر: لا تزال مجتمعاتنا تعاني من النظرة الطبقية التي تحتقر بعض المهن أو الفئات (كالمربيات، وعمال النظافة، والخدم). يعلمنا هذا المشهد أن ميزان التكريم الإسلامي يعتمد على “حجم العطاء” وليس “المركز الاجتماعي”. السيدة التي تساعدك في تربية أبنائك أو تنظيف بيتك تقدم لك خدمة جليلة تستحق عليها الاحترام البالغ والشكر العميق، لا الاستعلاء والجفاء.
٠٠٠٠٠٠٠
3. توسيع دوائر الروابط الإنسانية (البعد التربوي والنفسي):
#الدرس: من خلال رضاعة أيام، كسب النبي ﷺ أخوة من الرضاعة (كحمزة وأبي سلمة). هذا التشابك الاجتماعي المبكر يعزز الشعور بالانتماء ويذيب الفوارق بين العائلات.
#إسقاط معاصر: يميل الناس اليوم إلى “التقوقع” داخل دوائرهم الأسرية الضيقة، مما ينتج أجيالاً تعاني من العزلة والهشاشة الاجتماعية. نحن بحاجة لإعادة إحياء “الروابط المجتمعية الأصيلة”؛ كحق الجوار، والصداقة العميقة، والتكافل بين العائلات. اجعل لأبنائك دوائر ارتباط واسعة وصحية خارج محيط الأسرة المباشرة، فهذا التنوع يبني شخصياتهم ويوفر لهم شبكة دعم نفسي واجتماعي في المستقبل.
٠٠٠٠٠٠٠
4. مفارقة الفطرة والعناد #الأيديولوجي (البعد الفكري):
الدرس: فرح أبو لهب فرحاً فطرياً بميلاد ابن أخيه حتى أعتق ثويبة، لكنه عندما كبر هذا الطفل وجاءه بالحق، تحول إلى ألد أعدائه بسبب العناد والخوف على مكانته القبلية.
#إسقاط معاصر: قد يمتلك الإنسان فطرة سليمة تجعله يفرح بالخير ويدعم الحق في بداياته، لكن عندما يتعارض هذا الحق مع مصالحه الشخصية، أو مناصبه، أو انتماءاته الحزبية، قد يتحول إلى محارب شرس له. احذر من “أبي لهب” الذي قد يختبئ في داخلك! لا تدع مكاسبك المادية أو كبرياءك يطمس بصيرتك ويمنعك من الانقياد للحق إذا ظهر لك، فالعناد هو مقبرة العقول.
٠٠٠٠٠٠
٥. العمل الصالح يُخلّد اسم صاحبه (البعد الإيماني والتحفيزي):
#الدرس: لو لم ترضع ثويبة النبي ﷺ، لكانت مجرد رقم منسي في آلاف الإماء في مكة. لكن هذا العمل الصالح البسيط خلّد اسمها ليُذكر في آلاف الكتب وتصلي عليها الأمة ضمن سياق السيرة.
#إسقاط معاصر: لا تحتقر أي عمل صالح مهما بدا لك صغيراً أو عابراً. قد تكفل يتيماً بملغ يسير، أو تنصح شاباً تائهاً بكلمة طيبة، أو تدعم طالباً في دراسته، فيكون هذا العمل هو الذي يُخلد أثرك في الدنيا ويرفع درجتك في الآخرة. الأعمال العظيمة لا تُقاس بحجمها، بل بصدقها وبمن تقع عليه، فابحث عن “أثرك” في مساعدة الضعفاء والمحتاجين.
٠٠٠٠٠٠٠٠
المصادر:
(1) السيرة النبوية، ابن هشام، ج1، ص 160. (وذكر قصة عتق ثويبة).
(2) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع، حديث رقم (5101). (وفيه ذكر أخوة حمزة للنبي ﷺ من الرضاعة).
(3) الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج1، ص 108. (وفيه تفصيل برّ النبي ﷺ لثويبة بعد الهجرة ووفاتها).
صلاة وسلاما عليك يا سيدي يا رسول الله

