رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المُثَقَّفُ المُشَّاءُ: مِنْ بُرْجِ المَعْرِفَةِ إِلَى مَيْدَانِ الإِنْسَانِ

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المُثَقَّفُ المُشَّاءُ: مِنْ بُرْجِ المَعْرِفَةِ إِلَى مَيْدَانِ الإِنْسَانِ

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

المُثَقَّفُ المُشَّاءُ: مِنْ بُرْجِ المَعْرِفَةِ إِلَى مَيْدَانِ الإِنْسَانِ

فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ حَمَلَةُ المَحَابِرِ، وَشَحَّ فِيهِ جُنْدُ المَنَابِرِ، وَتَكَاثَرَتْ فِيهِ الشَّهَادَاتُ وَالأَلْقَابُ، وَتَقَلَّصَتْ فِيهِ مَسَاحَاتُ الفِعْلِ، غَدَتِ المَعْرِفَةُ عِنْدَ بَعْضِ النُّخَبِ زِينَةً تُعَلَّقُ عَلَى جُدْرَانِ الأَنَا، وَصَارَتِ الثَّقَافَةُ أَحْيَانًا بُرْجًا عَاجِيًّا مُرْتَفِعًا، يَنْظُرُ مِنْ شُرْفَتِهِ صَاحِبُهُ إِلَى بُؤْسِ النَّاسِ كَأَنَّهُ مَشْهَدٌ بَعِيدٌ لَا يَعْنِيهِ.

وَحِينَ تُحْبَسُ المَعْرِفَةُ فِي أَقْفَاصِ التَّجْرِيدِ، وَيُغْلَقُ عَلَيْهَا بَابُ المَيْدَانِ، فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ نُورًا لِلسَّائِرِينَ، بَلْ تَصِيرُ مَصْبَاحًا مُعَلَّقًا فِي غُرْفَةٍ خَالِيَةٍ؛ يُضِيءُ نَفْسَهُ، وَيَتْرُكُ الطَّرِيقَ لِلظَّلَامِ.

إِنَّ المُثَقَّفَ الَّذِي يَرَى الطُّوفَانَ مِنْ قِمَّةِ بُرْجِهِ، ثُمَّ يَكْتَفِي بِوَصْفِ ارْتِفَاعِ المَاءِ، لَا يَكْفِي أَنْ نُسَمِّيَهُ مُثَقَّفًا؛ فَالمَعْرِفَةُ لَيْسَتْ مَقْعَدًا مُرِيحًا لِمُرَاقَبَةِ الكَارِثَةِ، وَلَا الشَّقْشَقَةُ اللَّفْظِيَّةُ قَارِبَ نَجَاةٍ.

مِنْ هُنَا يَخْرُجُ «المُثَقَّفُ المُشَّاءُ»؛ لَا بِاعْتِبَارِهِ مَوْضَةً فِكْرِيَّةً، وَلَا شَعَارًا لِلنُّخْبَةِ، بَلْ بِاعْتِبَارِهِ ضَرُورَةً لِمَعْرِفَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَحْيَا.

هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَخْلَعُ عَنْ عَقْلِهِ غُبَارَ العُزْلَةِ، وَيَنْزِلُ مِنْ بُرْجِ المَعْرِفَةِ إِلَى مَيْدَانِ الإِنْسَانِ؛ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، لَا لِيَسْتَعْرِضَ ثَقَافَتَهُ، بَلْ لِيَخْتَبِرَ مَا تَعَلَّمَهُ؛ يَسْمَعُ أَنِينَهُمْ، وَيَلْمَسُ جُرُوحَهُمْ، وَيَرَى أَوْجَاعَهُمْ بِالعَيْنِ الَّتِي لَا تَرَاهَا الكُتُبُ وَحْدَهَا.

فَالمَعْرِفَةُ الَّتِي لَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ صَاحِبِهَا إِلَى حَيَاةِ النَّاسِ، قَدْ تَكُونُ مَلَكَةً شَخْصِيَّةً؛ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إِلَى مَرْتَبَةِ الرِّسَالَةِ.

خَلْعُ الأَرْدِيَةِ… وَالسُّقُوطُ مِنْ بُرْجِ العَاجِ

لَيْسَ أَخْطَرَ عَلَى الثَّقَافَةِ مِنْ مُثَقَّفٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى كَاهِنٍ لِمَعْبَدِهِ الخَاصِّ؛ يَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا أَهْلُ المَحْفِلِ، وَيَكْتُبُ لِنُخْبَةٍ تُصَفِّقُ لِنُخْبَةٍ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ يُنِيرُ الطَّرِيقَ لِلمُجْتَمَعِ.

أَيُّ نُورٍ هَذَا الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى أَحَدٍ؟

وَأَيُّ مَعْرِفَةٍ هَذِهِ الَّتِي تَخَافُ مِنْ غُبَارِ الطَّرِيقِ؟

إِنَّ «المُثَقَّفَ المُشَّاءَ» لَا يُلْغِي الكِتَابَ، وَلَا يَهْجُرُ المَكْتَبَ، وَلَا يَتَنَكَّرُ لِلتَّأَمُّلِ وَالتَّنْظِيرِ؛ بَلْ يَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأَدَوَاتُ سُجُونًا لِلفِكْرِ.

إِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الكِتَابَ يَصْنَعُ الفِكْرَةَ، وَلَكِنَّ المَيْدَانَ يَخْتَبِرُهَا.

وَيَعْرِفُ أَنَّ المَكْتَبَ قَدْ يَصْنَعُ المَعْرِفَةَ، وَلَكِنَّ الحَيَاةَ تَسْأَلُهَا عَنْ جَدْوَاهَا.

لِذَلِكَ يَخْلَعُ عَنْهُ أَرْدِيَةَ النُّخْبَوِيَّةِ المُتَعَالِيَةِ، وَيَعُودُ إِلَى «الطِّينِ الأَوَّلِ»؛ إِلَى الإِنْسَانِ حَيْثُ يَكُونُ، وَإِلَى الأَلَمِ حَيْثُ يَنْزِفُ، وَإِلَى الجَهْلِ حَيْثُ يَتَمَدَّدُ، وَإِلَى الخُرَافَةِ حَيْثُ تُقِيمُ فِي العُقُولِ كَطُفَيْلٍ يَسْتَنْزِفُهَا.

المُثَقَّفُ المُشَّاءُ… وَفَلْسَفَةُ الحَرَكَةِ

لَيْسَ «المُشَّاءُ» هُنَا ذَلِكَ الَّذِي يَقْطَعُ الطُّرُقَ بِقَدَمَيْهِ فَقَطْ؛ فَالمَقْصُودُ أَعْمَقُ مِنَ الحَرَكَةِ الجَسَدِيَّةِ.

إِنَّهُ مُثَقَّفٌ يَجْعَلُ مِنَ الحَرَكَةِ مَنْهَجًا، وَمِنَ السُّؤَالِ رِحْلَةً، وَمِنَ المُشَاهَدَةِ مَادَّةً لِلتَّحْلِيلِ، وَمِنَ المَعْرِفَةِ أَدَاةً لِلتَّغْيِيرِ.

وَهُنَا يَلْتَقِي المَفْهُومُ، مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ، مَعَ إِرْثِ المَدْرَسَةِ المَشَّائِيَّةِ، لَكِنَّهُ يَتَجَاوَزُهَا إِلَى مَعْنًى إِنْسَانِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ مُعَاصِرٍ:

فَالفِكْرُ الَّذِي لَا يَمْشِي إِلَى الإِنْسَانِ، قَدْ يَبْقَى حَبِيسَ صَاحِبِهِ.

وَمَنْ هُنَا، فَإِنَّ «المُثَقَّفَ المُشَّاءَ» لَا يَتَحَرَّكُ لِكَيْ يُرَى، بَلْ يَتَحَرَّكُ لِكَيْ يَرَى.

يَرَى مَا لَا تَرَاهُ النَّدَوَاتُ المُغْلَقَةُ.

يَرَى مَا لَا تَقْرَؤُهُ التَّقَارِيرُ البَارِدَةُ.

يَرَى وَجْهَ الفَقْرِ، وَوَجْهَ التَّهْمِيشِ، وَوَجْهَ الجَهْلِ، وَوَجْهَ الخُرَافَةِ، وَوَجْهَ القَهْرِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَكْتَبِهِ لَا لِيَكْتُبَ عَنْهَا كَسَائِحٍ مَرَّ بِمَدِينَةٍ غَرِيبَةٍ، بَلْ لِيَحْفِرَ فِي جُدْرَانِهَا بِأَنْيَابِ القَلَمِ.

لَيْسَتِ المُشْكِلَةُ فِي الانْفِصَالِ وَحْدَهُ… بَلْ فِي غِيَابِ الفَعَّالِيَّةِ

هُنَا يَقَعُ الفَرْقُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ مُثَقَّفٍ يَمْشِي، وَمُثَقَّفٍ يُؤَثِّرُ.

فَالاِنْفِصَالُ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ المَعْرِفَةَ مُنْقَطِعَةً عَنْ بِيئَتِهَا، وَيَجْعَلُ صَاحِبَهَا يَرَى المُجْتَمَعَ مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ سَمِيكٍ.

لَكِنَّ الفَعَّالِيَّةَ أَشَدُّ خُطُورَةً وَأَعْظَمُ شَأْنًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِصَاحِبِ المَعْرِفَةِ وَحْدَهُ، بَلْ بِمَا يَتَرَكُهُ فِي غَيْرِهِ.

قَدْ يَنْزِلُ مُثَقَّفٌ إِلَى الشَّارِعِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُلْقِي خُطَبَهُ، وَيَكْتُبُ مَقَالَاتِهِ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ فِي الوَاقِعِ شَيْءٌ.

فَهَلْ كَانَ مُشَّاءً؟

لَا.

لَقَدْ مَشَى جَسَدُهُ، وَلَكِنَّ أَثَرَهُ ظَلَّ قَاعِدًا.

وَالمُثَقَّفُ المُشَّاءُ لَيْسَ مَنْ يَمْشِي فَقَطْ؛ بَلْ مَنْ يَجْعَلُ لِمَشْيِهِ أَثَرًا.

لَا يَكْفِي أَنْ يَبْلُغَ الرِّسَالَةَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ: مَاذَا فَعَلَتْ رِسَالَتِي فِي عَقْلِ مَنْ سَمِعَهَا؟

لَا يَكْفِي أَنْ يَحَارِبَ الجَهْلَ فِي كُتُبِهِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْهَمَ فِي تَفْكِيكِهِ فِي العُقُولِ.

لَا يَكْفِي أَنْ يَفْضَحَ الخُرَافَةَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ مَكَانَهَا مَعْرِفَةً تَقْدِرُ عَلَى الصُّمُودِ.

لَا يَكْفِي أَنْ يَشْخَصَ الدَّاءَ؛ فَالثَّقَافَةُ الَّتِي تَكْتَفِي بِالتَّشْخِيصِ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى طَبٍّ يَصِفُ المَرَضَ وَيَتْرُكُ المَرِيضَ يَتَآكَلُ أَمَامَهُ.

إِنَّ الفَعَّالِيَّةَ هِيَ مَرْحَلَةُ امْتِحَانِ المَعْرِفَةِ بَعْدَ امْتِحَانِ صَاحِبِهَا.

المَيْدَانُ… غِرْبَالُ الزَّيْفِ وَمَحَكُّ الاِلْتِزَامِ

المَيْدَانُ لَا يُجَامِلُ.

المَيْدَانُ لَا يَنْبَهِرُ بِالأَلْقَابِ، وَلَا يَرْتَعِدُ أَمَامَ الشَّهَادَاتِ، وَلَا يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ لِأَنَّ صَاحِبَ المَعْرِفَةِ يَمْلِكُ لُغَةً مُزَخْرَفَةً.

المَيْدَانُ يَسْأَلُ سُؤَالًا وَاحِدًا:

مَاذَا أَنْتَ فَاعِلٌ؟

هُنَا تَسْقُطُ الأَقْنِعَةُ.

هُنَا تَتَكَسَّرُ الأَلْقَابُ الكَرْتُونِيَّةُ.

هُنَا تَظْهَرُ أَسْنَانُ الحَقِيقَةِ، وَتَتَكَشَّفُ هَشَاشَةُ مَنْ كَانَ يَعِيشُ عَلَى صَدَى التَّصْفِيقِ.

فَالثَّقَافَةُ فِي المَيْدَانِ لَيْسَتْ عَرْضًا لِلعَضَلَاتِ اللُّغَوِيَّةِ، وَلَا مَسَابَقَةً فِي تَزْيِينِ العِبَارَاتِ؛ إِنَّهَا مَسْؤُولِيَّةٌ، وَمُكَابَدَةٌ، وَاحْتِكَاكٌ، وَدَفْعٌ لِثَمَنِ الكَلِمَةِ.

وَلِذَلِكَ فَالمَيْدَانُ هُوَ مُخْتَبَرُ الفَعَّالِيَّةِ:

إِمَّا أَنْ تَكُونَ لِلمَعْرِفَةِ أَقْدَامٌ تَمْشِي بِهَا، وَأَيْدٍ تَبْنِي، وَأَصْوَاتٌ تُوقِظُ، وَعُقُولٌ تُحَرِّكُهَا؛

وَإِمَّا أَنْ تَبْقَى حَبِيسَةَ الأَرْفُفِ، تَتَغَذَّى عَلَى مَدَائِحِ أَصْحَابِهَا، ثُمَّ تَمُوتُ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ العَالَمُ شَيْئًا بِمَوْتِهَا.

أَيُّهَا المُثَقَّفُ… تَرَجَّلْ!

تَرَجَّلْ مِنْ بُرْجِكَ، لَا لِتَهْجُرَ كُتُبَكَ، بَلْ لِتَمْنَعَهَا مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَصْنَامٍ.

تَرَجَّلْ مِنْ عَرْشِ النُّخْبَوِيَّةِ، لَا لِتَفْقِدَ عُلُوَّكَ، بَلْ لِتَجْعَلَ عُلُوَّكَ مَسْؤُولِيَّةً لَا اسْتِعْلَاءً.

تَرَجَّلْ إِلَى النَّاسِ.

إِلَى الأَزِقَّةِ الَّتِي تَعْرِفُ الجَهْلَ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُهُ الكُتُبُ.

إِلَى المَدَارِسِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُشْعِلُ السُّؤَالَ فِي رُؤُوسِ أَبْنَائِهَا.

إِلَى الأَسْوَاقِ وَالمَصَانِعِ وَالمَعَامِلِ وَالمَقَاهِي وَالحَقُولِ وَالأَرْصِفَةِ؛ إِلَى حَيْثُ تَتَحَرَّكُ الحَيَاةُ بِوَجْهِهَا الخَشِنِ، لَا بِوَجْهِهَا المُصَقَّلِ فِي قَاعَاتِ النَّدَوَاتِ.

اِذْهَبْ إِلَى النَّاسِ وَأَصْغِ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ.

فَالمُثَقَّفُ الَّذِي لَا يُصْغِي، قَدْ يَكُونُ أَسِيرَ صَوْتِهِ.

وَالَّذِي لَا يَرَى آلامَ النَّاسِ، قَدْ يَكُونُ أَسِيرَ صُورَتِهِ عَنْهُمْ.

وَالَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ دُونَ أَنْ يَعْرِفَهُمْ، قَدْ يَكُونُ قَدْ صَنَعَ مِنْهُمْ مَوْضُوعًا، بَدَلَ أَنْ يَرَاهُمْ إِنْسَانًا.

الثَّقَافَةُ الَّتِي لَا تُقَاوِمُ الزَّيْفَ… تُسَاهِمُ فِي بَقَائِهِ

هُنَا تَظْهَرُ وَظِيفَةُ المُثَقَّفِ الحَقِيقِيِّ بِصُورَتِهَا الأَشَدِّ وَالأَخْشَنِ.

فَلَيْسَ المُثَقَّفُ زَهْرَةً لِتَزْيِينِ المَشْهَدِ.

وَلَيْسَ قَلَمُهُ مِرْآةً لِيُعْجَبَ بِصُورَتِهِ فِيهَا.

إِنَّ قَلَمَهُ سِلَاحٌ أَخْلَاقِيٌّ وَمَعْرِفِيٌّ، وَإِذَا كَانَ الجَهْلُ قَفَصًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْسِرَ قُضْبَانَهُ؛ وَإِذَا كَانَ الزَّيْفُ قِنَاعًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَهُ؛ وَإِذَا كَانَتِ الخُرَافَةُ عَقْلًا مُسْتَعْمَرًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُشْعِلَ فِيهِ ثَوْرَةَ السُّؤَالِ.

لَا تَكْفِي المُجَامَلَةُ حِينَ يَكُونُ الوَاقِعُ فِي حَاجَةٍ إِلَى مِخْلَبٍ.

وَلَا يَنْفَعُ التَّلَطُّفُ حِينَ يَكُونُ الزَّيْفُ قَدْ نَصَبَ لِلْحَقِيقَةِ مَشَانِقَهُ.

إِنَّ الثَّقَافَةَ الَّتِي تَخَافُ مِنْ أَنْ تَخْدِشَ وَجْهَ الزَّيْفِ، قَدْ تَنْتَهِي إِلَى خِدْمَتِهِ.

وَالمُثَقَّفُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَكْتُبُ دُونَ أَنْ يُغْضِبَ أَحَدًا، قَدْ يَتَعَلَّمُ فِي النِّهَايَةِ كَيْفَ يَكْتُبُ دُونَ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا.

مِنَ المَعْرِفَةِ إِلَى الرِّسَالَةِ… وَمِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى الأَثَرِ

إِنَّ المَعْرِفَةَ فِي أَرْقَى مَرَاحِلِهَا لَيْسَتْ كَمًّا مِنَ المَعْلُومَاتِ، وَلَا زِينَةً ذِهْنِيَّةً، وَلَا رَصِيدًا لِلتَّفَاخُرِ.

إِنَّهَا أَمَانَةٌ.

وَالأَمَانَةُ إِذَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ صَاحِبِهَا إِلَى النَّاسِ، بَقِيَتْ حَبِيسَةً فِي صَدْرِهِ.

لِذَلِكَ فَالمُثَقَّفُ المُشَّاءُ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِشَيْءٍ؛ بَلْ يَسْعَى لِأَنْ يَكُونَ نَافِعًا بِشَيْءٍ.

وَبَيْنَ «العَالِمِ» وَ«النَّافِعِ» مَسَافَةٌ قَدْ تَكُونُ أَطْوَلَ مِنْ أَلْفِ كِتَابٍ.

فَالعِلْمُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى العَمَلِ قَدْ يَبْقَى مَعْرِفَةً؛ أَمَّا العِلْمُ الَّذِي يَصِلُ إِلَى النَّاسِ، وَيُحَرِّكُ سُؤَالَهُمْ، وَيَهْدِمُ وَهْمَهُمْ، وَيَفْتَحُ أَمَامَهُمْ نَافِذَةً نَحْوَ المُسْتَقْبَلِ، فَهُوَ الَّذِي يَقْتَرِبُ مِنْ مَعْنَى الرِّسَالَةِ.

نِدَاءُ الأَرْضِ: اِمْشِ… فَالمَيْدَانُ يَنْتَظِرُكَ

أَيُّهَا المُثَقَّفُ…

لَا تَبْقَ حَبِيسَ مَا تَعْرِفُ.

اِمْشِ إِلَى مَا لَا تَعْرِفُهُ.

اِسْأَلْ، وَاسْمَعْ، وَرَاقِبْ، وَشَاهِدْ، وَعَايِنْ، وَتَأَلَّمْ، ثُمَّ اكْتُبْ.

فَالأَرْضُ أَكْثَرُ صِدْقًا مِنْ كَثِيرٍ مِنَ المَنَابِرِ، وَوُجُوهُ النَّاسِ أَكْثَرُ فَصَاحَةً مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الخُطَبِ.

اِمْشِ؛ فَالمَيْدَانُ سَيَسْأَلُكَ عَنْ مَعْرِفَتِكَ.

اِمْشِ؛ فَالنَّاسُ سَيَسْأَلُونَكَ عَنْ مَوْقِفِكَ.

اِمْشِ؛ فَالحَيَاةُ سَتَسْأَلُكَ عَنْ أَثَرِكَ.

وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِخُطَاكَ وَجْهَةٌ نَحْوَ الإِنْسَانِ، فَقَدْ تَكُونُ كُلُّ حَرَكَتِكَ دَوَرَانًا فِي المَكَانِ.

لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ تَمْشِيَ لِيَرَاكَ النَّاسُ؛

بَلْ أَنْ تَمْشِيَ حَتَّى يَرَى النَّاسُ مَا كَانُوا لَا يَرَوْنَهُ.

لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ تَكْثُرَ خُطَبُكَ؛

بَلْ أَنْ تَكْثُرَ العُقُولُ الَّتِي اسْتَيْقَظَتْ بَعْدَ أَنْ مَرَّتْ بِهَا كَلِمَاتُكَ.

لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ تُسَجِّلَ حُضُورَكَ فِي المَيْدَانِ؛

بَلْ أَنْ يَسْجُلَ المَيْدَانُ أَثَرَكَ فِي وَعْيِ النَّاسِ.

وَأَخِيرًا… المُثَقَّفُ المُشَّاءُ لَيْسَ مَنْ يَمْشِي، بَلْ مَنْ يُحَرِّكُ

هُنَا يَكْتَمِلُ المَعْنَى.

فَالمُثَقَّفُ المُشَّاءُ لَيْسَ سَائِرًا بِلَا وَجْهَةٍ، وَلَا خَطِيبًا يَبْحَثُ عَنْ مَسْرَحٍ، وَلَا نَخْبَوِيًّا تَغَيَّرَ مَكَانُهُ وَبَقِيَتْ رُوحُهُ فِي بُرْجِهِ.

إِنَّهُ مُثَقَّفٌ يَخْرُجُ مِنْ عُزْلَةِ المَعْرِفَةِ إِلَى رَحَابِ الإِنْسَانِ، وَمِنْ سُكُونِ النَّظَرِيَّةِ إِلَى حَرَكَةِ الحَيَاةِ، وَمِنْ امْتِلَاكِ المَعْلُومَةِ إِلَى مَسْؤُولِيَّةِ نَشْرِهَا، وَمِنْ نَشْرِهَا إِلَى اخْتِبَارِ فَعَّالِيَّتِهَا.

فَإِذَا كَانَتِ المَعْرِفَةُ نُورًا، فَلْيَكُنْ لَهَا طَرِيقٌ.

وَإِذَا كَانَتِ الثَّقَافَةُ رِسَالَةً، فَلْيَكُنْ لَهَا حَامِلٌ.

وَإِذَا كَانَ القَلَمُ سِلَاحًا، فَلْيَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ يَضْرِبُ فِيهِ جُدْرَانَ الجَهْلِ وَالزَّيْفِ وَالخُرَافَةِ.

فَالمُجْتَمَعَاتُ لَا تَنْهَضُ بِالمُثَقَّفِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا فَقَطْ، بَلْ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ، وَيَمْشُونَ، وَيُوَاجِهُونَ، وَيُؤَثِّرُونَ.

وَإِنَّ أَخْطَرَ مَا يُصِيبُ الثَّقَافَةَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى زِينَةٍ فِي وَقْتٍ يَحْتَاجُ فِيهِ المُجْتَمَعُ إِلَى مِخْلَبٍ.

وَأَخْطَرَ مَا يُصِيبُ المُثَقَّفَ أَنْ يَمْلِكَ لِسَانًا يَقْدِرُ عَلَى وَصْفِ الجُرْحِ، وَلَا يَمْلِكُ شَجَاعَةَ الاِقْتِرَابِ مِنْهُ.

فَانْزِلْ، أَيُّهَا المُثَقَّفُ، مِنْ بُرْجِكَ.

اِمْشِ.

اِصْطَدِمْ.

اِسْأَلْ.

اِكْشِفْ.

اِفْضَحْ.

اِبْنِ.

وَاتْرُكْ لِخُطَاكَ أَثَرًا، وَلِقَلَمِكَ جُرْحًا فِي جِسْمِ الزَّيْفِ، وَلِمَعْرِفَتِكَ نَفَسًا فِي رِئَةِ المُجْتَمَعِ.

فَالمَعْرِفَةُ الَّتِي لَا تَمْشِي إِلَى الإِنْسَانِ قَدْ تَبْقَى مَعْرِفَةً؛ وَلَكِنَّ المَعْرِفَةَ الَّتِي تَمْشِي، وَتُؤَثِّرُ، وَتُوقِظُ، وَتُغَيِّرُ، هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُسَمَّى رِسَالَةً.

ذَاكَ هُوَ المُثَقَّفُ المُشَّاءُ:

لَا يَمْشِي لِيَصِلَ إِلَى النَّاسِ فَقَطْ،

بَلْ يَمْشِي لِيُحَرِّكَ فِي النَّاسِ مَا كَانَ سَاكِنًا.