
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المال الحرام في الوظائف العامة
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
المال الحرام في الوظائف العامة
دراسة في ضوء القرآن والسنة وأقوال الائمة
أَمَانَةُ الْوَظِيفَةِ: حُكْمُ أَخْذِ الرَّاتِبِ بِدُونِ عَمَلٍ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَةِ .
حَدِيثُنَا عَنْ شَيْءٍ يَدْخُلُ كُلَّ بَيْتٍ، وَيَصِلُ إِلَى كُلِّ أُسْرَةٍ، وَيَمَسُّ حَيَاةَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. حَدِيثُنَا عَنِ الْوَظِيفَةِ، وَعَنِ الرَّاتِبِ، وَعَنِ الْأَمَانَةِ. حَدِيثُنَا لَيْسَ عَنْ وَرَقَةٍ تُوَقَّعُ، وَلَا عَنْ دَفْتَرِ حُضُورٍ وَانْصِرَافٍ، وَلَا عَنْ مُدِيرٍ يُرَاقِبُ الْمُوَظَّفَ. إِنَّمَا حَدِيثُنَا عَنْ عَيْنٍ لَا تَنَامُ، وَعَنْ رَبٍّ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ.
يَا مَنْ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِكَ كُلَّ صَبَاحٍ وَتَقُولُ لِزَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِكَ: «سَأَذْهَبُ إِلَى عَمَلِي»… يَا مَنْ تَدْخُلُ مَكْتَبَكَ، أَوْ مَدْرَسَتَكَ، أَوْ مُسْتَشْفَاكَ، أَوْ مَصْلَحَتَكَ، أَوْ شَرِكَتَكَ… يَا مَنْ تَضَعُ أَمَامَكَ دَفْتَرَ الْحُضُورِ، أَوْ تَفْتَحُ جِهَازَكَ، أَوْ تُمْسِكُ قَلَمَكَ…
اسْأَلْ نَفْسَكَ سُؤَالًا وَاحِدًا:
هَلْ أَنَا فِي عَمَلِي كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ أَكُونَ؟
لِأَنَّ الْمُدِيرَ قَدْ لَا يَرَاكَ…
وَرَئِيسَ الْمَصْلَحَةِ قَدْ لَا يَرَاكَ…
وَقَدْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْدَعَ النِّظَامَ…
وَقَدْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ زَمِيلًا يُوَقِّعُ لَكَ…
وَقَدْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَغِيبَ وَلَا يَعْلَمَ بِكَ أَحَدٌ…
لَكِنْ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَغِيبَ عَنِ اللَّهِ؟
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٖ وَمَا تَتْلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ﴾ [يونس: 61].
إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ أَخْذِ الرَّاتِبِ بِدُونِ عَمَلٍ لَيْسَ حَدِيثًا عَابِرًا، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَعَنْ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ، وَعَنْ غِشٍّ يَسْرِي فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ كَالسُّمِّ.
الرَّاتِبُ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْتَكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَرْقَامٍ.
إِنَّهُ لُقْمَةٌ تَدْخُلُ فَمَكَ وَفَمَ أَوْلَادِكَ.
إِنَّهُ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ.
إِنَّهُ دَوَاءٌ تَشْتَرِيهِ.
إِنَّهُ طَعَامٌ تَضَعُهُ عَلَى مَائِدَةِ أُسْرَتِكَ.
فَاحْرِصْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَالُ حَلَالًا طَيِّبًا؛ فَإِنَّ اللُّقْمَةَ الْحَلَالَ بَرَكَةٌ، وَاللُّقْمَةَ الْحَرَامَ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهَا.
وَسَنَتَحَدَّثُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ فِي الْعَنَاصِرِ التَّالِيَةِ :
أَوَّلًا: مَكَانَةُ الْعَمَلِ وَقَاعِدَةُ «الْأَجْرُ مُقَابِلُ الْعَمَلِ»
ثَانِيًا: الْوَظِيفَةُ عَقْدٌ وَأَمَانَةٌ
ثَالِثًا: حُرْمَةُ أَخْذِ الرَّاتِبِ بِدُونِ عَمَلٍ (الْأَدِلَّةُ)
رَابِعًا: خُطُورَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الْوَظِيفَةِ الْعَامَّةِ
خَامِسًا: تَفْصِيلُ الْحَالَاتِ
سَادِسًا: آثَارُ أَخْذِ الْأَجْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ
سَابِعًا: كَيْفِيَّةُ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ
ثَامِنًا: تَسَاؤُلَاتٌ شَائِعَةٌ وَحَالَاتٌ تَطْبِيقِيَّةٌ







أَوَّلًا: مَكَانَةُ الْعَمَلِ وَقَاعِدَةُ «الْأَجْرُ مُقَابِلُ الْعَمَلِ» مَكَانَةُ الْعَمَلِ فِي الْإِسْلَامِ دِينُنَا لَمْ يَجْعَلِ الْعَمَلَ عَيْبًا، وَلَمْ يَجْعَلِ الْكَسْبَ الْحَلَالَ شَيْئًا دَنِيئًا.
بَلْ جَعَلَ الْعَمَلَ الشَّرِيفَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ إِذَا صَلَحَتِ النِّيَّةُ.
تَعْمَلُ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُطْعِمَ أَوْلَادَكَ بِالْحَلَالِ…
تَعْمَلُ حَتَّى لَا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى النَّاسِ…
تَعْمَلُ حَتَّى تُنْفِقَ عَلَى وَالِدَيْكَ… تَعْمَلُ حَتَّى تُعِفَّ نَفْسَكَ… فَأَنْتَ فِي عِبَادَةٍ إِذَا صَلَحَتْ نِيَّتُكَ. فَالْعَمَلُ فِي دِينِنَا عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ إِذَا صَلَحَتِ النِّيَّةُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولٗا فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِۦ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾ [الملك، رقم: ١٥].
• وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة، رقم: ١٠٥]. تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ:
﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ﴾.
اللهُ يَرَى عَمَلَكَ.
يَرَى اجْتِهَادَكَ.
يَرَى تَقْصِيرَكَ.
يَرَى حُضُورَكَ.
وَيَرَى غِيَابَكَ.
يَرَى الْمُوَظَّفَ الَّذِي يُؤَدِّي عَمَلَهُ بِإِخْلَاصٍ، وَلَوْ لَمْ يَشْكُرْهُ أَحَدٌ.
وَيَرَى الْمُوَظَّفَ الَّذِي يَجْلِسُ فِي مَكْتَبِهِ بِالسَّاعَاتِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُقَدِّمُ لِلنَّاسِ شَيْئًا.
وَيَرَى مَنْ يَغِيبُ، ثُمَّ يَأْخُذُ رَاتِبَهُ كَامِلًا.
وَيَرَى مَنْ يُوَقِّعُ لِزَمِيلِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَائِبٌ.
فَلْيَكُنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ عَمَلٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كَامِيرَا، وَلَا إِلَى مُدِيرٍ، وَلَا إِلَى جِهَازِ بَصْمَةٍ.
وَالْأَجْرُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مُقَابِلِ مَا تَعَاقَدَ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ وَقْتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ.
فَمَنْ أَخَذَ أَجْرًا مُقَابِلَ عَمَلٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَمَلَ كَمَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ.
• وَقَدْ أَرْسَتِ الشَّرِيعَةُ قَاعِدَةً دَقِيقَةً: «الْأَجْرُ مُقَابِلُ الْمَنْفَعَةِ»، وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الرَّاتِبَ عِوَضٌ عَنْ وَقْتِكَ وَجُهْدِكَ. فَإِذَا أَخَذْتَ الرَّاتِبَ وَلَمْ تُؤَدِّ الْعَمَلَ، فَأَنْتَ دَاخِلٌ فِي أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
● وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي تَضْبِطُ هَذَا الْبَابَ:
• الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: «الْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ» — أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ مَنْ لَمْ يَضْمَنْ أَدَاءَ الْعَمَلِ.
• الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: «الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ» — أَيْ مَنْ طَلَبَ الرِّبْحَ تَحَمَّلَ الْخُسْرَانَ.
• الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» — أَيْ مَنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ اسْتَحَقَّ نَمَاءَهُ.
• الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: «الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ» — أَيْ مَا أَمْكَنَ أَدَاؤُهُ لَا يَسْقُطُ بِمَا تَعَذَّرَ.
ثَانِيًا: الْوَظِيفَةُ عَقْدٌ وَأَمَانَةٌ.
حِينَ وَقَّعْتَ عَقْدَ الْعَمَلِ، لَمْ تَكُنْ تُوَقِّعُ عَلَى وَرَقَةٍ فَقَطْ. لَقَدِ الْتَزَمْتَ أَمَامَ النَّاسِ، وَالْتَزَمْتَ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 34].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾ [المؤمنون: 8].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58].
.. وَظِيفَتُكَ أَمَانَةٌ. وَالْأَمَانَةُ لَيْسَتْ فَقَطِ الْمَالَ الَّذِي وَضَعَهُ شَخْصٌ فِي يَدِكَ. الْأَمَانَةُ أَيْضًا: وَقْتُ الْعَمَلِ أَمَانَةٌ. الْمَكْتَبُ أَمَانَةٌ. الْأَوْرَاقُ أَمَانَةٌ. أَسْرَارُ الْعَمَلِ أَمَانَةٌ. حُقُوقُ الْمُرَاجِعِينَ أَمَانَةٌ.
وَالرَّاتِبُ نَفْسُهُ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّكَ تَأْخُذُهُ فِي مُقَابِلِ مَا الْتَزَمْتَ بِهِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ: فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» <رواه البخاري، رقم: ٢٢٦٩>.
• وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» <رواه مسلم، رقم: ٤٦٧٩>. هُنَاكَ يَوْمٌ سَتُرَدُّ فِيهِ الْحُقُوقُ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُنَاكَ يَوْمٌ تَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ تَهْرُبَ مِنَ الْحَقِيقَةِ.
● إِنَّ الْوَظِيفَةَ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ تَنْدَرِجُ تَحْتَ بَابِ «عَقْدِ الْإِجَارَةِ». وَبِمُجَرَّدِ التَّوْقِيعِ عَلَى عَقْدِ الْعَمَلِ، يَصِيرُ هَذَا الْعَقْدُ مُلْزِمًا شَرْعًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة، رقم: ١]. • وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولٗا﴾ [الإسراء، رقم: ٣٤].
• وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ [المؤمنون، رقم: ٨].
ثَالِثًا: حُرْمَةُ أَخْذِ الرَّاتِبِ بِدُونِ عَمَلٍ (الْأَدِلَّةُ) أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
● يَقُولُ رَبُّكُمْ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمٗا﴾ [النساء، رقم: ٢٩].
• وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓاْ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ﴾ [البقرة، رقم: ١٨٨].
• وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ﴾ [آل عمران، رقم: ١٦١].
• وَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٖ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٦١].
• وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة، رقم: ١١٩].
• وَيَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ [الحج، رقم: ٣٠].
• وَيَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة، رقم: ٢].
• وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء، رقم: ١٠٧]. • وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور، رقم: ٣١].
• وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين، رقم: ١].
• وَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ﴾ [النحل، رقم: ٩٠].
الْأَمْرُ لَيْسَ «شَطَارَةً».
لَيْسَ ذَكَاءً.
لَيْسَ فَهْلَوَةً.
لَيْسَ: «كُلُّ النَّاسِ بِتَعْمَلْ كِدَهْ».
الْمَعْصِيَةُ لَا تُصْبِحُ حَلَالًا لِأَنَّ النَّاسَ اعْتَادُوهَا.
وَالْبَاطِلُ لَا يَصِيرُ حَقًّا لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَفْعَلُونَهُ.
• وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» <رواه مسلم>.
• وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» <متفق عليه>.
ثُمَّ اسْمَعُوا إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَهُزَّ قَلْبَ كُلِّ إِنْسَانٍ حَرِيصٍ عَلَى رِزْقِهِ:
• قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» <رواه مسلم، رقم: ١٠١٥>. يَا مَنْ تَقُولُ: «أَنَا مُحْتَاجٌ»…
نَعَمْ، أَنْتَ مُحْتَاجٌ.
وَلَكِنَّ أَشَدَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَالُكَ حَلَالًا.
يَا مَنْ تَقُولُ: «رَاتِبِي قَلِيلٌ»…
نَحْنُ لَا نَقُولُ لَكَ: لَا تَطْلُبْ حَقَّكَ.
اطْلُبْ زِيَادَةً.
طَالِبْ بِحَقِّكَ.
ابْحَثْ عَنْ عَمَلٍ آخَرَ.
اعْمَلْ بَعْدَ عَمَلِكَ فِيمَا يَحِلُّ. لَكِنْ لَا تَجْعَلْ ضَعْفَ الرَّاتِبِ سَبَبًا لِخِيَانَةِ الْأَمَانَةِ.
● وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ بِدُونِ عَمَلٍ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا. إِنَّ «الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ وُكِلَ إِلَيْهِ عَمَلٌ يَتَقَاضَى فِي مُقَابِلِهِ رَاتِبًا: أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ مَا يَتَقَاضَاهُ مِنَ الرَّاتِبِ» <فتاوى اللجنة الدائمة، ج ١٥، ص ١٥٣>. لِأَنَّ «رَاتِبَهُ يَصْبَحُ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَيَجِبُ لَهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ، وَأَنْ يَعْتَنِيَ بِعَمَلِهِ؛ فَإِذَا كَانَ لَا يُبَالِي، فَرَاتِبُهُ بَعْضُهُ حَرَامٌ» <مجموع فتاوى ابن باز، ج ١٩، ص ٣٤٢>.
رَابِعًا: خُطُورَةُ التَّخَلُّفِ عَنِ الْوَظِيفَةِ الْعَامَّةِ
تَزْدَادُ الْمَسْأَلَةُ خُطُورَةً إِذَا كَانَتِ الْوَظِيفَةُ عَامَّةً. (وَظِيفَةٍ حُكُومِيَّةٍ)؛ لِأَنَّ الرَّاتِبَ يُصْرَفُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَالٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمُوَاطِنِينَ. فَأَخْذُ جُزْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ.
لَكِنْ لِمَاذَا تَزْدَادُ الْمَسْأَلَةُ خُطُورَةً؟ لِأَنَّ الْمُوَظَّفَ الْعَامَّ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ فَقَطْ.
هُنَاكَ مَرِيضٌ يَنْتَظِرُ.
وَهُنَاكَ كَبِيرُ سِنٍّ يَنْتَظِرُ.
وَهُنَاكَ امْرَأَةٌ جَاءَتْ تَقْضِي مَصْلَحَةً.
وَهُنَاكَ طَالِبٌ يَنْتَظِرُ وَرَقَةً.
وَهُنَاكَ إِنْسَانٌ قَطَعَ عَشَرَاتِ الْكِيلُومِتْرَاتِ لِيَصِلَ إِلَى هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ.
فَإِذَا غِبْتَ بِلَا حَقٍّ، فَقَدْ لَا تَكُونُ قَدْ خَسِرْتَ سَاعَاتٍ مِنَ الْعَمَلِ فَقَطْ.
رُبَّمَا عَطَّلْتَ مَصَالِحَ عِبَادِ اللهِ.
وَرُبَّمَا جَعَلْتَ إِنْسَانًا يَعُودُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
وَرُبَّمَا اضْطَرَّهُ غِيَابُكَ إِلَى أَنْ يَدْفَعَ مَالًا أَوْ يَتَحَمَّلَ مَشَقَّةً أَوْ يُضَيِّعَ يَوْمًا مِنْ عَمَلِهِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب: 58].
.
لَا تَنْظُرْ إِلَى الْكُرْسِيِّ الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَانْظُرْ إِلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ مِنْكَ الْخِدْمَةَ.
أَنْتَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ قَدْ تَكُونُ بَابًا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ.
فَلَا تُغْلِقْ هَذَا الْبَابَ بِغِيَابِكَ وَإِهْمَالِكَ وَتَعْطِيلِ مَصَالِحِ النَّاسِ.
خَامِسًا: تَفْصِيلُ الْحَالَاتِ
● الْحَالَةُ الْأُولَى: تَرْكُ الْعَمَلِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الرَّاتِبِ:
• صُورَتُهَا: أَنْ يَتْرُكَ الْمُوَظَّفُ وَظِيفَتَهُ وَيَنْتَقِلَ لِعَمَلٍ آخَرَ، وَمَعَ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ رَاتِبُهُ يَأْتِيهِ مِنَ الْوَظِيفَةِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ هَذَا الْمَالِ.
• حُكْمُهَا: مُحَرَّمَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَهِيَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَخِيَانَةٍ مِنَ الدَّافِعِ وَالْمُسْتَقْبِلِ.
● الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْغِيَابُ بِدُونِ إِذْنٍ: مَنْ غَابَ عَنْ عَمَلِهِ بِلَا إِذْنٍ مُعْتَبَرٍ، ثُمَّ أَخَذَ رَاتِبَ الْيَوْمِ أَوِ السَّاعَاتِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَأَخْذِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
• حُكْمُهَا: حَرَامٌ قَطْعًا، وَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَمِنَ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ، وَيَجِبُ رَدُّ مَا يُقَابِلُ أَيَّامَ الْغِيَابِ، وَأَنْ يَرُدَّ مَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بِحَسَبِ النِّظَامِ وَالْعَقْدِ. يَا أَخِي. لَا تَقُلْ: «يَوْمٌ وَاحِدٌ». فَالْمَعْصِيَةُ لَيْسَتْ بِصِغَرِ الرَّقْمِ. قَدْ يَكُونُ الْمَبْلَغُ قَلِيلًا عِنْدَكَ، لَكِنَّهُ كَبِيرٌ فِي مِيزَانِ الْأَمَانَةِ.
● الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْغِيَابُ بِإِذْنِ الْمَدِيرِ الْمُبَاشِرِ:
• إِذَا كَانَ الْمَدِيرُ مُخَوَّلًا مِنَ الْجِهَةِ الْعُلْيَا وَفِي حُدُودِ اللَّوَائِحِ: فَلَا حَرَجَ، وَالرَّاتِبُ حَلَالٌ.
• إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَدِيرُ مُخَوَّلًا وَيَرْفَعُ التَّقَارِيرَ عَلَى أَنَّكَ حَاضِرٌ: فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِخْلَالِ بِعَقْدِ الْعَمَلِ وَالْغِشِّ وَالْكَذِبِ وَالْخِدَاعِ.
• إِذَا كَانَ الْعَمَلُ يَحْتَاجُ إِلَى وُجُودِكَ: فَلَيْسَ لَكَ الِانْصِرَافُ وَلَوْ أَذِنَ الْمَدِيرُ. لَا يَجُوزُ لَكَ الِانْصِرَافُ لِمُجَرَّدِ أَنَّ الْمَدِيرَ قَالَ لَكَ: «امْشِ».
• إِذَا كَانَ الْعَمَلُ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْكَ وَأَذِنَ لَكَ صَاحِبُهُ الْمُبَاشِرُ: فَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ.
• وَالضَّابِطُ: الْمَدِيرُ الْمُبَاشِرُ لَيْسَ مَالِكًا لِلْمَالِ، بَلْ هُوَ «مُؤْتَمَنٌ» وَ«وَكِيلٌ»، وَلَا يَحِقُّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّوَائِحِ. لَيْسَ كُلُّ إِذْنٍ يُقَالُ لَكَ يَجْعَلُكَ بَرِيئًا أَمَامَ اللهِ؛ بَلِ الْعِبْرَةُ بِمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ الْإِذْنِ.
● الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: التَّوْقِيعُ لِلزَّمِيلِ الْغَائِبِ: وَهَذِهِ مِنْ أَخْطَرِ الصُّوَرِ. يَأْتِي الْمُوَظَّفُ وَيَقُولُ لِزَمِيلِهِ: «أَنَا هَوَقَّعْلَكْ، وَلَا حَدَّ هَيَعْرَفْ». يَا أَخِي… مَنْ قَالَ لَكَ إِنَّ اللهَ لَا يَعْرَفُ؟ قَدْ لَا يَعْرَفُ الْمَدِيرُ. قَدْ لَا يَعْرَفُ التَّفْتِيشُ. قَدْ لَا يَعْرَفُ الْمَسْؤُولُ. لَكِنَّ اللهَ يَعْلَمُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
• حُكْمُهَا: مُحَرَّمٌ شَرْعًا وَمُجَرَّمٌ قَانُونًا، وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِ وَالتَّزْوِيرِ وَالْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ.
• وَأَوْجُهُ الْإِثْمِ: الْكَذِبُ، وَالتَّزْوِيرُ وَالْغِشُّ، وَالْخِيَانَةُ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. فَلَا تُسَاعِدْ أَخَاكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ. الصَّدِيقُ الصَّالِحُ لَيْسَ مَنْ يُخَلِّصُكَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، بَلْ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا.
• وَالْمُوَظَّفُ الْمُوَقَّعُ لَهُ آثِمٌ أَيْضًا؛ لِخِيَانَتِهِ الْأَمَانَةَ.
● الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَمَلٌ:
• حُكْمُهَا: رَاتِبُهُ حَلَالٌ ١٠٠٪، لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى «تَسْلِيمِ النَّفْسِ وَاحْتِبَاسِ الْوَقْتِ». فَمَا دُمْتَ تَحْضُرُ وَمُسْتَعِدًّا لِلْعَمَلِ، وَلَمْ يُوجَدْ عَمَلٌ بِسَبَبِ جِهَةِ الْإِدَارَةِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي رَاتِبِكَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. لِأَنَّكَ أَدَّيْتَ مَا عَلَيْكَ مِنْ حُضُورٍ وَاسْتِعْدَادٍ وَاحْتِبَاسٍ لِلْوَقْتِ حَسَبَ طَبِيعَةِ عَقْدِكَ. الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي قِلَّةِ الْعَمَلِ الَّتِي لَمْ تَتَسَبَّبْ فِيهَا، وَإِنَّمَا الْمُشْكِلَةُ فِي أَنْ تَتَعَمَّدَ تَرْكَ الْعَمَلِ الَّذِي كُلِّفْتَ بِهِ. وَرَاتِبُكَ حَلَالٌ، وَالْخَلَلُ مِنْ جِهَةِ الْإِدَارَةِ.
● الْحَالَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَ الْعَمَلُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وُجُودِ الْمُوَظَّفِ وَأَذِنَ الْمَدِيرُ الْمُعْتَبَرُ الْمُخَوَّلُ، وَكَانَ الْإِذْنُ مُعْتَبَرًا، وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى غِيَابِ الْمُوَظَّفِ تَعْطِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٌ لِلنِّظَامِ.
• حُكْمُهَا: لَا حَرَجَ، وَرَاتِبُهُ حَلَالٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ مُعْتَبَرًا شَرْعًا.
● الْحَالَةُ السَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ مُسْتَعِدًّا لِلْعَمَلِ لَكِنَّهُ لَا يَجِدُ مَكَانًا:
• حُكْمُهَا: لَا حَرَجَ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَالِ وَلَا التَّصَدُّقُ بِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِعِلْمِ الْمَسْؤُولِينَ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِأَدَاءِ الْعَمَلِ مَتَى طُلِبَ مِنْهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي رَاتِبِهِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ. وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَوَّلَ ذَلِكَ إِلَى ذَرِيعَةٍ لِلِانْقِطَاعِ الْكَامِلِ وَعَدَمِ السُّؤَالِ عَنِ الْعَمَلِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ لِلِاطِّلَاعِ وَالْمُسَاعَدَةِ.
● الْحَالَةُ الثَّامِنَةُ: الرَّاتِبُ مُقَابِلَ «تَسْلِيمِ النَّفْسِ» لَا «الْإِنْتَاجِ»:
• حُكْمُهَا: رَاتِبُهُ حَلَالٌ، وَلَا عَلَاقَةَ لَهُ بِكَمِّيَّةِ الْإِنْتَاجِ.
● الْحَالَةُ التَّاسِعَةُ: إِنْهَاءُ الْعَمَلِ قَبْلَ نِهَايَةِ الدَّوَامِ:
• حُكْمُهَا: تَدُورُ بَيْنَ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ بِحَسَبِ نِظَامِ الْعَمَلِ. فَإِنْ كَانَ النِّظَامُ يَسْمَحُ، فَلَا حَرَجَ. وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَحُ، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَقْتِ. إِلَّا إِذَا أَذِنَ النِّظَامُ أَوْ صَاحِبُ الصَّلَاحِيَّةِ.
● الْحَالَةُ الْعَاشِرَةُ: ادِّعَاءُ وَقْتٍ أَطْوَلَ مِمَّا اسْتَغْرَقَ: إِذَا أَنْجَزَ الْمُوَظَّفُ الْعَمَلَ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ اسْتَغْرَقَ سَاعَةً وَنِصْفًا لِيَأْخُذَ مَالًا أَكْثَرَ، فَهَذَا كَذِبٌ وَأَكْلٌ لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
• حُكْمُهَا: حَرَامٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، إِلَّا إِنْ قَضَى الْوَقْتَ الزَّائِدَ فِي مُرَاجَعَةِ الْعَمَلِ وَتَحْسِينِهِ.
● الْحَالَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَخْذُ رَاتِبٍ عَنْ عَمَلٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَصْلًا:
• حُكْمُهَا: حَرَامٌ، وَهُوَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَمِنَ الْغُلُولِ إِذَا كَانَ الْمَالُ عَامًّا.
● الْحَالَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الرَّاتِبُ مُقَابِلَ «الِاسْتِعْدَادِ» لَا «الْعَمَلِ الْفِعْلِيِّ»: فَقَدْ يَكُونُ الْأَجْرُ مُقَابِلَ الِاسْتِعْدَادِ وَالِاحْتِبَاسِ وَالْوُجُودِ تَحْتَ الطَّلَبِ. وَهَذَا أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ فِي بَعْضِ الْوَظَائِفِ. لِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ. الْمِيزَانُ هُوَ الْعَقْدُ، وَطَبِيعَةُ الْعَمَلِ، وَاللَّوَائِحُ، وَالْإِذْنُ الْمُعْتَبَرُ.
• حُكْمُهَا: رَاتِبُهُ حَلَالٌ، لِأَنَّ الْأَجْرَ مُقَابِلُ الِاسْتِعْدَادِ وَالِاحْتِبَاسِ، كَرِجَالِ الْأَمْنِ وَالْإِطْفَاءِ.
سَادِسًا: آثَارُ أَخْذِ الْأَجْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ مَاذَا يَفْعَلُ الْمَالُ الْحَرَامُ بِصَاحِبِهِ؟ يَا عِبَادَ اللهِ… الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي أَنَّ الْمَالَ حَرَامٌ. الْمُشْكِلَةُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْحَرَامُ فِي الْقَلْبِ وَالْبَيْتِ وَالْحَيَاةِ.
● الْأَثَرُ الْأَوَّلُ: مَحْقُ الْبَرَكَةِ. يَذْهَبُ بِالْبَرَكَةِ، قَدْ يَكُونُ الْمَالُ كَثِيرًا، وَلَكِنَّ الْبَرَكَةَ قَلِيلَةٌ. تَأْتِي الْأَمْوَالُ وَتَذْهَبُ. يَأْتِي الرَّاتِبُ وَلَا يَكْفِي. يَكْثُرُ الْمَالُ وَتَكْثُرُ مَعَهُ الْمُشْكِلَاتُ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ [البقرة: 276]. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَحْدَهَا. كَمْ مِنْ مَالٍ قَلِيلٍ بَارَكَ اللهُ فِيهِ فَكَفَى صَاحِبَهُ، وَكَمْ مِنْ مَالٍ كَثِيرٍ نُزِعَتْ مِنْهُ الْبَرَكَةُ فَلَمْ يُغْنِ صَاحِبَهُ شَيْئًا. الْمَالُ الْحَرَامُ يَا سَادَةُ يَنْزِعُ الْبَرَكَةَ مِنَ الرَّاتِبِ كُلِّهِ، وَمِنْ صِحَّةِ الْإِنْسَانِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ.
● الْأَثَرُ الثَّانِي: عَدَمُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ. كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» <رواه مسلم، رقم: ١٠١٥>. يَا مَنْ تَرْفَعُ يَدَيْكَ وَتَقُولُ: «يَا رَبِّ ارْزُقْنِي…» «يَا رَبِّ اشْفِ ابْنِي…» «يَا رَبِّ أَصْلِحْ بَيْتِي…» «يَا رَبِّ اقْضِ دَيْنِي…» فَتِّشْ عَنْ لُقْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ.
● الْأَثَرُ الثَّالِثُ: الْخِيَانَةُ لِلْأَمَانَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء، رقم: ١٠٧]. وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَنْسَى مَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ أَنَّهُ خَانَ. لَكِنَّ اللهَ لَا يَنْسَى.
● الْأَثَرُ الرَّابِعُ: شُبْهَةُ الْحَرَامِ فِي الرَّاتِبِ. «فَإِذَا كَانَ لَا يُبَالِي، فَرَاتِبُهُ بَعْضُهُ حَرَامٌ؛ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ وَيَتَّقِيَ اللهَ».
سَابِعًا: كَيْفِيَّةُ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ
● أَوَّلًا: التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ. كَيْفَ نُبْرِئُ ذِمَّتَنَا؟ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: وَالْجَمِيلُ فِي دِينِنَا أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ.
• قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النساء، رقم: ١٧]. لَوْ كُنْتَ قَصَّرْتَ… لَوْ كُنْتَ غِبْتَ… لَوْ كُنْتَ أَخَذْتَ مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ… لَا تَيْأَسْ. ارْجِعْ إِلَى اللهِ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 31]. وَقَالَ: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110]. لَكِنَّ التَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ لَهَا عَمَلٌ. أَوَّلًا: أَنْ تَنَدَمَ. ثَانِيًا: أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ الْخَطَأِ. ثَالِثًا: أَنْ تَعْزِمَ أَلَّا تَعُودَ.
● ثَانِيًا: رَدُّ الْمَالِ إِلَى جِهَةِ الْعَمَلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النساء، رقم: ٥٨].
● طَرِيقَةُ الرَّدِّ: التَّنَازُلُ عَنِ الْإِجَازَاتِ، أَوْ إِعَادَةُ الْمَبْلَغِ لِخَزِينَةِ الدَّوْلَةِ، أَوِ الْعَمَلُ سَاعَاتٍ إِضَافِيَّةً بِدُونِ أَجْرٍ.
● ثَالِثًا: إِذَا تَعَذَّرَ الرَّدُّ الْمُبَاشِرُ. وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَالِ تَعَذُّرًا حَقِيقِيًّا، فَحِينَئِذٍ يَجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ الْإِضَافِيِّ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ بِنِيَّةِ الرَّدِّ لِأَصْحَابِهِ. وَيَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْ كَيْفِيَّةِ التَّخَلُّصِ مِنْهُ بِحَسَبِ حَالِهِ.
● رَابِعًا: لَا يُجْزِئُ التَّصَدُّقُ مَعَ إِمْكَانِ الرَّدِّ. فَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْمَالِ مَعْرُوفِينَ وَهُمْ جِهَةُ الْعَمَلِ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَا. أَمَّا جِهَاتُ الْعَمَلِ الْخَاصَّةِ، فَيَجِبُ رَدُّ الْمَالِ إِلَيْهَا؛ مَا دَامَتْ قَائِمَةً.
ثَامِنًا: تَسَاؤُلَاتٌ شَائِعَةٌ وَحَالَاتٌ تَطْبِيقِيَّةٌ
● التَّسَاؤُلُ الْأَوَّلُ: «مَاذَا لَوْ أَذِنَ لِيَ الْمَدِيرُ الْمُبَاشِرُ؟» الْجَوَابُ: الْمَدِيرُ الْمُبَاشِرُ لَيْسَ مَالِكًا لِلْمَالِ، بَلْ هُوَ «مُؤْتَمَنٌ» وَ«وَكِيلٌ»، وَلَا يَحِقُّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا فِي حُدُودِ اللَّوَائِحِ.
● التَّسَاؤُلُ الثَّانِي: «أَنَا أَحْضُرُ وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ عَمَلٌ، فَهَلْ رَاتِبِي حَلَالٌ؟» الْجَوَابُ: نَعَمْ حَلَالٌ ١٠٠٪، مَا دُمْتَ تَحْضُرُ وَمُسْتَعِدًّا، وَالْخَلَلُ مِنْ جِهَةِ الْإِدَارَةِ.
● التَّسَاؤُلُ الثَّالِثُ: «رَاتِبِي ضَعِيفٌ، فَهَلْ يَجُوزُ لِيَ التَّغَيُّبُ؟» الْجَوَابُ: الرِّضَا بِالْعَقْدِ تَمَّ مُنْذُ الْبِدَايَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة، رقم: ١]. ضَعْفُ الرَّاتِبِ لَا يُبِيحُ خِيَانَةَ الْأَمَانَةِ. الْحَلُّ: الْمُطَالَبَةُ بِزِيَادَةٍ، أَوْ وَظِيفَةٌ أُخْرَى، أَوْ عَمَلٌ إِضَافِيٌّ خَارِجَ الدَّوَامِ.
● التَّسَاؤُلُ الرَّابِعُ: «أَنَا سَرِيعٌ، أُنْهِي عَمَلِي فِي سَاعَتَيْنِ، فَهَلْ يَجُوزُ الِانْصِرَافُ؟» الْجَوَابُ: الْعُقُودُ الْوَظِيفِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى «الْوَقْتِ» لَا «الْقِطْعَةِ». الِانْصِرَافُ الْمُبَكِّرُ إِخْلَالٌ بِالْعَقْدِ، إِلَّا إِنْ كَانَ هُنَاكَ نِظَامٌ رَسْمِيٌّ يَسْمَحُ.
● التَّسَاؤُلُ الْخَامِسُ: «هَلْ يَجُوزُ اسْتِغْلَالُ وَقْتِ الْفَرَاغِ فِي أَعْمَالِي الْخَاصَّةِ؟» الْجَوَابُ: وَقْتُ الدَّوَامِ «مَمْلُوكٌ» لِجِهَةِ الْعَمَلِ. إِذَا كُنْتَ قَدْ أَنْهَيْتَ عَمَلَكَ وَلَا مُرَاجِعِينَ، وَاسْتَغْلَلْتَ الْوَقْتَ فِي الْقِرَاءَةِ دُونَ اسْتِخْدَامِ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ، فَالْأَمْرُ فِيهِ سِعَةٌ عِنْدَ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ أَوِ الِاسْتِئْذَانُ فِيهِ.
● التَّسَاؤُلُ السَّادِسُ: «هَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ وَظِيفَةِ الْحُكُومَةِ وَعَمَلٍ آخَرَ؟» الْجَوَابُ: الْأَصْلُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَصِّرَ فِي وَظِيفَتِهِ، وَأَنْ لَا يُرْهِقَ نَفْسَهُ إِرْهَاقًا يُعْجِزُهُ عَنِ الْعَمَلِ اللَّازِمِ.
● حَالَاتٌ تَطْبِيقِيَّةٌ:
• الْمُوَظَّفُ أَوِ الْمُوَظَّفَةُ الَّتِي تَرَكَتْ عَمَلَهَا الْأَوَّلَ وَلَا يَزَالُ رَاتِبُهَا يَأْتِيهَا: هَذَا الرَّاتِبُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْذُ مَالٍ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَكَوْنُهُ سَيُصْرَفُ فِي عَمَلٍ خَيْرِيٍّ لَا يُبَرِّرُهُ.
• الْمُوَظَّفُ الَّذِي يَتَقَاضَى رَاتِبًا بِالسَّاعَةِ: إِذَا أَنْجَزَ الْعَمَلَ فِي سَاعَةٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَنْجَزَهُ فِي سَاعَةٍ وَرُبْعٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ، إِلَّا إِنْ قَضَى الْوَقْتَ الزَّائِدَ فِي مُرَاجَعَةِ الْعَمَلِ وَتَحْسِينِهِ.
• الْمُوَظَّفُ الَّذِي لَا يَذْهَبُ لِعَمَلِهِ أَصْلًا وَهُوَ بِعِلْمِ الْمَسْؤُولِينَ: إِذَا كَانَ بِعِلْمِهِمْ وَرِضَاهُمْ، وَأَنْتَ مُسْتَعِدٌّ لِلْعَمَلِ، فَلَا حَرَجَ، وَلَا يَلْزَمُكَ رَدُّهُ وَلَا التَّصَدُّقُ بِهِ. • الْمُوَظَّفُ الَّذِي قَصَّرَ فِي عَمَلِهِ: الْوَاجِبُ التَّوْبَةُ، وَرَدُّ مَا يُقَابِلُ سَاعَاتِ التَّقْصِيرِ إِلَى جِهَةِ الْعَمَلِ، وَلَا يُجْزِئُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ مَا دَامَ الرَّدُّ مُمْكِنًا.
وَقْفَةٌ مَعَ النَّفْسِ
قَبْلَ أَنْ نَنْصَرِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ، أُرِيدُ مِنْ كُلِّ مُوَظَّفٍ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ سُؤَالًا.
لَيْسَ سُؤَالًا عَنْ رَاتِبِهِ.
وَلَا عَنْ عِلَاوَتِهِ.
وَلَا عَنِ الْمُكَافَأَةِ.
بَلْ عَنْ ضَمِيرِهِ:
هَلْ أَنَا أَمِينٌ؟
هَلْ أُؤَدِّي عَمَلِي كَمَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرِي أَجْرَهُ؟
هَلْ أَرْضَى أَنْ يُعَامِلَنِي النَّاسُ كَمَا أُعَامِلُهُمْ؟
لَوْ كَانَ الْمُدِيرُ وَاقِفًا فَوْقَ رَأْسِي، هَلْ سَأَعْمَلُ أَكْثَرَ؟
فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ نَعَمْ، فَاسْأَلْ نَفْسَكَ:
وَمَاذَا عَنِ اللهِ؟
هَلْ نَسِيتَ أَنَّ اللهَ فَوْقَ الْمُدِيرِ؟
هَلْ نَسِيتَ أَنَّ اللهَ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ الْمُدِيرُ؟
هَلْ نَسِيتَ أَنَّ هُنَاكَ يَوْمًا سَتُفْتَحُ فِيهِ الْمَلَفَّاتُ كُلُّهَا؟
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7-8].
يَا مُوَظَّفُ…
اجْعَلْ مَكْتَبَكَ مَكَانًا لِلْعِبَادَةِ.
نَعَمْ، مَكْتَبُكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً.
كَيْفَ؟
بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ.
بِالصِّدْقِ.
بِالْإِتْقَانِ.
بِخِدْمَةِ النَّاسِ.
بِإِنْجَازِ الْعَمَلِ.
بِتَرْكِ الْغِشِّ.
بِتَرْكِ الْكَذِبِ.
بِتَرْكِ التَّوْقِيعِ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ.
بِتَرْكِ أَخْذِ مَا لَا تَسْتَحِقُّ.
عِنْدَهَا تَتَحَوَّلُ سَاعَاتُ الْعَمَلِ الَّتِي قَدْ يَرَاهَا الْبَعْضُ مُجَرَّدَ سَاعَاتٍ إِلَى حَسَنَاتٍ مَكْتُوبَةٍ عِنْدَ اللهِ.
.
نَحْنُ لَا نَتَحَدَّثُ الْيَوْمَ عَنِ الْمُوَظَّفِ الْفَاسِدِ فَقَطْ.
نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ أَنْفُسِنَا.
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَحْتَاجُ أَنْ يُرَاجِعَ نَفْسَهُ.
هَلْ فِي رَاتِبِي شَيْءٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ؟
هَلْ فِي وَظِيفَتِي تَقْصِيرٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْبَةٍ؟
هَلْ ظَلَمْتُ أَحَدًا بِتَأَخُّرِي أَوْ غِيَابِي؟
هَلْ أَخَذْتُ شَيْئًا لَا أَسْتَحِقُّهُ؟
هَلْ وَقَّعْتُ لِزَمِيلٍ غَائِبٍ؟
هَلْ كَذَبْتُ فِي سَاعَاتِ الْعَمَلِ؟
هَلْ قَصَّرْتُ ثُمَّ قُلْتُ: «كُلُّ النَّاسِ بِتَعْمَلْ كِدَهْ»؟
يَا عِبَادَ اللهِ…
إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تُؤَجِّلْ.
أَصْلِحِ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ النَّدَمُ.
وَتَذَكَّرْ:
قَدْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْفِيَ غِيَابَكَ عَنِ الْمُدِيرِ…
لَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْفِيَهُ عَنِ اللهِ.
قَدْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ زَمِيلَكَ يُوَقِّعُ لَكَ…
لَكِنْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ الْمَلَائِكَةَ تَمْحُو مَا كُتِبَ.
قَدْ تَأْخُذُ الْمَالَ وَتَضَعُهُ فِي جَيْبِكَ…
لَكِنْ لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَأْخُذَهُ مَعَكَ إِلَى قَبْرِكَ.
فَاخْتَرِ لِنَفْسِكَ الْيَوْمَ مَا تُحِبُّ أَنْ تَلْقَى اللهَ بِهِ غَدًا.
يَا مَنْ تَدْخُلُ بَيْتَكَ بِرَاتِبِكَ…
اجْعَلْ أَوْلَادَكَ يَأْكُلُونَ مِنْ حَلَالٍ.
يَا أَبًا…
يَا أُمًّا…
لَا تَجْعَلُوا أَبْنَاءَكُمْ يَأْكُلُونَ مِنْ مَالٍ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
قَدْ يَفْرَحُ الْإِنْسَانُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ سَاعَةً، ثُمَّ يَعِيشُ أَثَرَهُ نَدَمًا طَوِيلًا.
أَمَّا الْمَالُ الْحَلَالُ، فَقَدْ يَكُونُ قَلِيلًا، لَكِنَّ اللهَ يَضَعُ فِيهِ الْبَرَكَةَ.
أَخْذُ الرَّاتِبِ بِدُونِ عَمَلٍ مُحَرَّمٌ، وَالْغِيَابُ بِدُونِ إِذْنٍ مُحَرَّمٌ، وَالتَّوْقِيعُ لِلْغَائِبِ مُحَرَّمٌ، وَإِبْرَاءُ الذِّمَّةِ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَالِ. وَاتَّقُوا اللهَ فِي وَظَائِفِكُمْ، فَإِنَّهَا أَمَانَةٌ سَتُسْأَلُونَ عَنْهَا. وَاجْعَلُوا رِزْقَكُمْ طَيِّبًا، فَإِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَلَالًا طَيِّبًا، وَبَارِكْ لَنَا فِيهِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَظَائِفَنَا أَمَانَةً نُؤَدِّيهَا، لَا غَنِيمَةً نَنّهَبُهَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا أُمَنَاءَ إِذَا اؤْتُمِنَّا، صَادِقِينَ إِذَا تَكَلَّمْنَا، أَوْفِيَاءَ إِذَا عَاهَدْنَا.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنَّا مُقَصِّرًا فَرُدَّهُ إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا.
اللَّهُمَّ مَنْ أَخَذَ مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَعِنْهُ عَلَى رَدِّ الْحَقِّ إِلَى أَهْلِهِ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَمْوَالَنَا مِنَ الْحَرَامِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الْغِشِّ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ فِي بُيُوتِنَا لُقْمَةً حَرَامًا، وَلَا دِرْهَمًا مَشْبُوهًا، وَلَا مَالًا أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا أَبْنَاءَنَا وَأَهْلِينَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَمْوَالِنَا وَأَعْمَارِنَا وَأَعْمَالِنَا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا عَمِلُوا أَحْسَنُوا، وَإِذَا اؤْتُمِنُوا أَدَّوْا، وَإِذَا عَاهَدُوا وَفَوْا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَمِنْ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ، وَمِنَ الْغِشِّ وَالْكَذِبِ وَالْخِدَاعِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا رِزْقًا حَلَالًا وَاسِعًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ.
اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وَارْزُقْنَا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ، وَجَنِّبْنَا الْحَرَامَ وَالْخَبِيثَ، وَأَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَمِنْ خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ، وَمِنْ غِشِّ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ رِزْقَنَا مِنْ حَيْثُ لَا نَحْتَسِبُ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الشَّاكِرِينَ

