
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن إسم الله الكافي
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
إِنَّنَا الْيَوْمَ مَعَ اسْمٍ عَظِيمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، اسْمٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُلُوبُ حِينَ تَضِيقُ بِهَا الدُّنْيَا، وَتَحْتَاجُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ حِينَ تَتَكَاثَرُ عَلَيْهَا الْهُمُومُ، اسْمٍ يُعَلِّمُكَ أَلَّا تَنْكَسِرَ أَمَامَ الْخَلْقِ، وَأَلَّا تَجْعَلَ حَاجَتَكَ بِيَدِ مَخْلُوقٍ، وَأَلَّا تَظُنَّ أَنَّ الْأَبْوَابَ قَدْ أُغْلِقَتْ مَا دَامَ بَابُ اللَّهِ مَفْتُوحًا.
أَوَّلًا: مَنْ هُوَ الْكَافِي؟
حِينَ تَقُولُ: اللَّهُ كَافِينِي، فَأَنْتَ لَا تَقُولُ كَلِمَةً عَابِرَةً؛ أَنْتَ تُعْلِنُ أَنَّ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ رَبًّا يُدَبِّرُ الْأَسْبَابَ، وَأَنَّ وَرَاءَ الْأَبْوَابِ رَبًّا يَفْتَحُ الْأَبْوَابَ، وَأَنَّ وَرَاءَ ضَعْفِكَ قُوَّةً لَا تُغْلَبُ.
وَالْكِفَايَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ سَدُّ الْحَاجَةِ وَالْقِيَامُ بِالْأَمْرِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ الْإِنْسَانُ.
وَالْكَافِي يَعْنِي يَكْفِي عِبَادَهُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَ وَيَضْطَرُّونَ إِلَيْهِ؛ رِزْقًا وَمَعَاشًا وَقُوتًا، فَهُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ وَمُدَبِّرُ أَمْرِهِمْ، لَا غِنَى لَهُمْ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود، رقم: ٦]. فَاللَّهُ يَكْفِي خَلْقَهُ كِفَايَةً عَامَّةً: يَخْلُقُهُمْ، وَيَرْزُقُهُمْ، وَيُدَبِّرُ شُؤُونَهُمْ.
وَهُنَاكَ كِفَايَةٌ خَاصَّةٌ؛ كِفَايَةُ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ، فَيَحْفَظُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مِنَ الشَّرِّ مَا شَاءَ، وَيُيَسِّرُ لَهُمْ أُمُورَ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق، رقم: ٣]. فَـ«حَسْبُهُ» أَيْ: كَافِيهِ. فهوَالْوَكِيلُ الَّذِي يُفَوِّضُ الْعَبْدُ أَمْرَهُ إِلَيْهِ.
ثَانِيًا: هَلْ وَرَدَ اسْمُ «الْكَافِي» فِي الْقُرْآنِ؟
جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِثْبَاتُ مَعْنَى الْكِفَايَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ أَشْهَرِهَا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر، رقم: ٣٦].
تَأَمَّلُوا السُّؤَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟! بَلَى وَاللَّهِ. إِذَا خَافَكَ النَّاسُ فَاللَّهُ يَكْفِيكَ، وَإِذَا خَذَلَكَ النَّاسُ فَاللَّهُ يَكْفِيكَ، وَإِذَا ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا فَاللَّهُ يَكْفِيكَ، وَإِذَا عَجَزْتَ عَنْ تَدْبِيرِ أَمْرِكَ فَاللَّهُ يَكْفِيكَ.
لَكِنِ انْتَبِهُوا: مَعْنَى الْكِفَايَةِ لَا يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَنْ يُبْتَلَى، وَلَا أَنَّهُ لَنْ يَجُوعَ أَوْ يَمْرَضَ أَوْ يَحْزَنَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ عَبْدَهُ، وَأَنَّ عَاقِبَةَ أَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِلَى خَيْرٍ إِذَا صَدَقَ مَعَ رَبِّهِ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة، رقم: ١٣٧].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر، رقم: ٩٥].
وَقَالَ تعالى : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب، رقم: ٢٥].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق، رقم: ٣]. وَقَالَ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال، رقم: ٦٤].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٢٤].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ: كَمْ مَرَّةٍ يَقُولُ لَكَ الْقُرْآنُ: لَا تَخَفْ، اللَّهُ يَكْفِيكَ!
فَلِمَاذَا تَحْمِلُ هَمَّ الْغَدِ وَكَأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تُدَبِّرُ الْكَوْنَ؟!
وَلِمَاذَا تَجْعَلُ رِضَا النَّاسِ أَكْبَرَ هَمِّكَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ النَّاسُ جَمِيعًا هُوَ اللَّهُ؟!
ثَالِثًا: الْكِفَايَةُ لَيْسَتْ تَعْطِيلًا لِلْأَسْبَابِ
وَهُنَا أَمْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا: التَّوَكُّلُ لَيْسَ كَسَلًا.
وَالْإِيمَانُ بِكِفَايَةِ اللَّهِ لَيْسَ أَنْ تَتْرُكَ عَمَلَكَ، وَلَا أَنْ تُهْمِلَ عِلَاجَكَ، وَلَا أَنْ تَتْرُكَ السَّعْيَ فِي رِزْقِكَ، ثُمَّ تَقُولَ: أَنَا مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللَّهِ. بَلِ التَّوَكُّلُ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ مَعَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ.
تَذْهَبُ إِلَى الطَّبِيبِ، وَقَلْبُكَ مَعَ اللَّهِ.
تَعْمَلُ، وَقَلْبُكَ مَعَ اللَّهِ. تَطْلُبُ الرِّزْقَ، وَقَلْبُكَ مَعَ اللَّهِ.
تَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ، لَكِنَّكَ لَا تَعْبُدُ الْأَسْبَابَ.
فَالْأَسْبَابُ لَا تَنْفَعُ بِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَنْفَعُ بِإِذْنِ اللَّهِ.
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق، رقم: ٣].
فَلَا تَسْتَعْجِلْ. قَدْ تَدْعُو الْيَوْمَ، وَيَأْتِي الْفَرَجُ غَدًا، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ الْفَرَجُ لِحِكْمَةٍ، وَقَدْ يَأْتِيكَ الْفَرَجُ فِي صُورَةٍ لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهَا.
رَابِعًا: مَاذَا تَفْعَلُ حَتَّى تَنَالَ كِفَايَةَ اللَّهِ؟
● أَوَّلًا: تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق، رقم: ٣].
يَا عَبْدَ اللَّهِ، ضَعْ حَاجَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ، لَا عِنْدَ النَّاسِ. وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنْ تَتْرُكَ النَّاسَ أَوْ تَرْفُضَ مُسَاعَدَتَهُمْ؛ فَالْعَبْدُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِالنَّاسِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَلَا يَرَى أَنَّ النَّفْعَ وَالضَّرَّ اسْتِقْلَالًا بِأَيْدِيهِمْ.
وَمِنْ أَجْمَلِ مَا يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ». <رواه النسائي، رقم ٢٥٩٥، وحسنه الألباني.>
● ثَانِيًا: قُلْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ: حِينَ تَضِيقُ بِكَ الدُّنْيَا، قُلْهَا بِقَلْبِكَ قَبْلَ لِسَانِكَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران، رقم: ١٧٣].
ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران، رقم: ١٧٤].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». <رواه البخاري، رقم ٤٥٦٣.>
● ثَالِثًا: احْفَظْ حُدُودَ اللَّهِ يَحْفَظْكَ اللَّهُ .
لَا تَطْلُبُوا كِفَايَةَ اللَّهِ وَأَنْتُمْ مُصِرُّونَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ.
احْفَظْ عَيْنَكَ، احْفَظْ لِسَانَكَ، احْفَظْ جَوَارِحَكَ، احْفَظْ فَرَائِضَكَ، احْفَظْ حُقُوقَ النَّاسِ.
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد، رقم: ١١].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ». <رواه الترمذي، وصححه الألباني.>
● رَابِعًا: أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ.
يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الدُّيُونُ، يَا مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الْمَعِيشَةُ، يَا مَنْ لَا تَجِدُ مَخْرَجًا: قُلْ كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ». <رواه الترمذي، رقم ٣٥٦٣، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني.>
يَا رَبِّ، اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ.
يَا رَبِّ، أَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. كَمْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ مِنْ تَوْحِيدٍ، وَمِنْ افْتِقَارٍ، وَمِنْ عِزَّةٍ!
● خَامِسًا: الْزَمِ الْأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ .
إِذَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ فَلَا تَخْرُجْ بِقَلْبٍ غَافِلٍ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ، يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَيَتَنَحَّى لَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ». <رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل الحديث.>
● سَادِسًا: لَا تَبِعْ رِضَا اللَّهِ بِرِضَا النَّاسِ كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ الْجَمِيعُ! وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ. أَرْضِ اللَّهَ أَوَّلًا، وَلَا تَعْصِ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ التَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ». <رواه الترمذي، رقم ٢٤١٤، وصححه الألباني.>
فلَا تَجْعَلْ دِينَكَ ثَمَنًا لإِعْجَابِ النَّاسِ بِكَ.
خَامِسًا: مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ بِكِفَايَةِ اللَّهِ .
● أَوَّلُ ثَمَرَةٍ: الطَّمَأْنِينَةُ إِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللَّهَ كَافِيكَ، لَمْ تَعُدْ تَخَافُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا كُنْتَ تَخَافُ.
لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّكَ لَا تَحْزَنُ، وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّكَ لَا تَنَهَارُ. قَدْ تَبْكِي، لَكِنَّكَ لَا تَيْأَسُ. قَدْ تَتَأَلَّمُ، لَكِنَّكَ لَا تَعْتَرِضُ عَلَى رَبِّكَ. قَدْ تَضِيقُ بِكَ الدُّنْيَا، لَكِنَّكَ تَقُولُ: رَبِّي مَعِي، رَبِّي يَرَانِي، رَبِّي يَعْلَمُ، رَبِّي يَكْفِينِي.
● ثَانِي ثَمَرَةٍ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الْخَلْقِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ أَلَّا تَسْأَلَ أَحَدًا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَلَّا يَكُونَ قَلْبُكَ أَسِيرًا لِمَنْ أَعْطَاكَ أَوْ مَنَعَكَ.
اللَّهُ هُوَ الْأَصْلُ.
النَّاسُ أَسْبَابٌ. وَمَنْ عَرَفَ الْكَافِيَ لَمْ يُذِلَّ نَفْسَهُ إِلَّا لِلَّهِ.
● ثَالِثُ ثَمَرَةٍ: حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ قَدْ تَكُونُ الْكِفَايَةُ فِي شَيْءٍ تُحِبُّهُ، وَقَدْ تَكُونُ الْكِفَايَةُ فِي شَيْءٍ تَكْرَهُهُ. قَدْ يَمْنَعُكَ اللَّهُ مِنْ وَظِيفَةٍ فَتَظُنُّ أَنَّكَ خَسِرْتَ، ثُمَّ تَكْتَشِفُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ أَنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكَ. قَدْ يُغْلِقُ بَابًا كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّ حَيَاتَكَ سَتَنْتَهِي بِدُونِهِ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَكَ بَابًا لَمْ يَخْطُرْ لَكَ عَلَى بَالٍ. فَلَيْسَتْ كِفَايَةُ اللَّهِ دَائِمًا فِي أَنْ يُعْطِيَكَ مَا تُرِيدُ، وَإِنَّمَا قَدْ تَكُونُ كِفَايَتُهُ أَنْ يَمْنَعَ عَنْكَ مَا يَضُرُّكَ.
سَادِسًا: صُوَرٌ مِنْ كِفَايَةِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ .
● قِصَّةُ الْغُلَامِ الْمُؤْمِنِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ الْغُلَامِ الْمُؤْمِنِ لَمَّا أَبَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ دَفَعَهُ الْمَلِكُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَيْ (جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ) وَقَالَ لَهُمْ: اِذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا جَبَلٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ شَاهِقٍ رَفِيعٍ وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا بَلَغُوا ذُرْوَتَهُ فَاطْرَحُوهُ يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ، لِيَقَعَ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ فَيَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ. فَلَمَّا بَلَغُوا قِمَّةَ الْجَبَلِ فَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ أَبَى، لِأَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ أَوْ يَتَزَحْزَحَ، فَلَمَّا هَمُّوا أَنْ يَطْرَحُوهُ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ – دَعْوَةُ مُضْطَرٍّ مُؤْمِنٍ- أَيْ: بِالَّذِي تَشَاءُ وَلَمْ يُعَيِّنْ، فَرَجَفَ اللَّهُ بِهِمُ الْجَبَلَ فَسَقَطُوا وَهَلَكُوا، وَجَاءَ الْغُلَامُ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ أَيْنَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: قَدْ كَفَانِيهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى جَمَاعَةٍ آخَرِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا الْبَحْرَ فِي قُرْقُورٍ (سَفِينَةٍ). فَإِذَا بَلَغُوا لُجَّةَ الْبَحْرِ عَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ رَمَوْهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا مِنَ الْبَحْرِ عَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ – وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ – فَقَالَ: لَا! فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ: فَانْقَلَبَتِ السَّفِينَةُ وَغَرِقُوا وَأَنْجَاهُ اللَّهُ <شرح رياض الصالحين (١/ ٢١٩ – لَيْسَ الْمُهِمُّ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ سَيَأْتِي الْفَرَجُ. الْمُهِمُّ أَنْ تَعْرِفَ مَنِ الَّذِي يَأْتِي بِالْفَرَجِ.
● كِفَايَةُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ أَعْجَبِ صُوَرِ الْكِفَايَةِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ، وَسَيْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّقٌ، فَأَخَذَ الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُ». فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ الرَّجُلِ، وَانْتَهَى الْأَمْرُ. <رواه البخاري في قصة غزوة نجد.> وَهَكَذَا يُرِيكَ اللَّهُ أَنَّ أَقْوَى مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ قَدْ يَصْبَحُ عَاجِزًا فِي لَحْظَةٍ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كِفَايَةَ عَبْدِهِ.
● كِفَايَةُ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ. يَوْمَ بَدْرٍ قَلَّ الْعَدَدُ وَنَقَصَ الْعَتَادُ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَائِكَتَهُ عَلَى الْكَافِرِينَ تَحْصُدُهُمْ حَصَادَ الْمِنْجَلِ لِلْهَشِيمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٢٣]. ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٢٤].
● كِفَايَةُ اللَّهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ .
– يَوْمَ الْأَحْزَابِ، حِينَ اجْتَمَعَتِ الْقَبَائِلُ لِاسْتِئْصَالِ شَأْفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ أَنْ نَفِدَتْ أَسْبَابُ الْأَرْضِ تَدَخَّلَتْ أَسْبَابُ السَّمَاءِ؛ فَانْدَحَرَ الْكُفَّارُ خَزَايَا، وَلَمْ يُمَكِّنْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رِقَابِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب، رقم: ٢٥].
● كِفَايَةُ اللَّهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ تَدَخَّلَتْ عِنَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرْسَلَ مِنْ جُنْدِهِ مَنْ غَيَّرَ مَجْرَيَاتِ الْأُمُورِ، وَقَلَبَ مَوَازِينَهَا. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة، رقم: ٢٥]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة، رقم: ٢٦]. يَا عِبَادَ اللَّهِ: فِي بَدْرٍ كَانَ الْعَدَدُ قَلِيلًا، وَفِي الْأَحْزَابِ كَانَ الْخَطَرُ عَظِيمًا، وَفِي حُنَيْنٍ أَعْجَبَتْهُمُ الْكَثْرَةُ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ شَيْئًا. وَالدَّرْسُ وَاحِدٌ: لَا تَعْتَمِدْ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَا عَلَى عَدَدِكَ، وَلَا عَلَى مَالِكَ، وَلَا عَلَى قُوَّتِكَ؛ اِعْتَمِدْ عَلَى اللَّهِ مَعَ أَخْذِكَ بِالْأَسْبَابِ.
سَابِعًا: الْكِفَايَةُ لَا تَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُعْطِيكَ كُلَّ مَا تَطْلُبُهُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُرِيدُهَا
– وَهُنَا نَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ عَمِيقٍ. قَدْ تَقُولُ: دَعَوْتُ اللَّهَ فَلَمْ يَحْدُثْ مَا أُرِيدُ. فَنَقُولُ لَكَ: وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْكِفَايَةَ هِيَ أَنْ يَحْدُثَ مَا تُرِيدُ أَنْتَ؟! اللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ. اللَّهُ يَحْكُمُ وَأَنْتَ لَا تَحْكُمُ. قَدْ تَكُونُ نَجَاتُكَ فِي شَيْءٍ ظَنَنْتَهُ بَلَاءً. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ: الرِّضَا وَالثِّقَةُ وَحُسْنُ الظَّنِّ. وَمِنْ هُنَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِنَّ كِفَايَةَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ قَدْ تَكُونُ فِي الدِّينِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا، وَقَدْ تَكُونُ بِحِفْظِهِ مِنَ الشَّرِّ، وَقَدْ تَكُونُ بِتَأْخِيرِ مَا يُحِبُّ حَتَّى يَأْتِيَ فِي الْوَقْتِ الْأَنْسَبِ.
ثَامِنًا: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءُ
مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: قَالَ: قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي، فَقَالَ مَا شِئْتَ، قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا، قَالَ: «إِذَنْ تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ ذَنْبُكَ». <رواه الترمذي>. <رواه الترمذي، وحسنه أهل العلم.> فَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدُّعَاءِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَلَا تَجْعَلِ الْحَدِيثَ ذَرِيعَةً إِلَى تَرْكِ الدُّعَاءِ أَوِ الْعَمَلِ؛ بَلِ اجْمَعْ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَفِعْلِ الْأَسْبَابِ.
تَاسِعًا: مِنْ أَجْمَلِ دُرُوسِ الْكِفَايَةِ: مَوْقِفُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مَعَ وَالِي الْعِرَاقِ – تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِكِفَايَةِ اللَّهِ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: اسْتَدْعَى عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَالِي الْعِرَاقِ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَالْإِمَامَ الشَّعْبِيَّ لِيَسْأَلَ عَمَّا يَبْعَثُهُ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ أَوَامِرَ تَحْتَوِي عَلَى ظُلْمٍ هَلْ يُنَفِّذُهَا أَمْ لَا؟ بَعَثَ إِلَيْهِمَا لِيَسْأَلَهُمَا عَنْ أَوَامِرَ تَصْدُرُ إِلَيْهِ قَدْ يَكُونُ فِيهَا ظُلْمٌ. فَسَأَلَ عُمَرُ الشَّعْبِيَّ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ أَوَّلًا، فَقَالَ كَلَامًا يُرْضِي الْوَالِيَ وَالْخَلِيفَةَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ سَاكِتٌ، فَلَمَّا انْتَهَى الشَّعْبِيُّ مِنْ كَلَامِهِ الْتَفَتَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْحَسَنِ وَقَالَ: وَمَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَوَعَظَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَوْعِظَةً قَوِيَّةً أَمَرَهُ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ فِيهَا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَمْ يُدَاهِنْ أَوْ يُوَارِ فَقَالَ فِيمَا قَالَ: يَا ابْنَ هُبَيْرَةَ خَفِ اللَّهَ فِي يَزِيدَ، وَلَا تَخَفْ يَزِيدَ فِي اللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْنَعُكَ مِنْ يَزِيدَ وَأَنَّ يَزِيدَ لَا يَمْنَعُكَ مِنَ اللَّهِ، يَا ابْنَ هُبَيْرَةَ إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ مَلَكٌ غَلِيظٌ شَدِيدٌ لَا يَعْصِي اللَّهَ مَا أَمَرَهُ فَيُزِيلُكَ عَنْ سَرِيرِكَ هَذَا، وَيَنْقُلُكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ حَيْثُ لَا تَجِدُ هُنَاكَ يَزِيدَ، وَإِنَّمَا تَجِدُ عَمَلَكَ، يَا ابْنَ هُبَيْرَةَ إِنَّكَ إِنْ تَكُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي طَاعَتِهِ يَكْفِكَ بَائِقَةَ يَزِيدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَكُ مَعَ يَزِيدَ فِي مَعْصِيَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَكِلُكَ إِلَى يَزِيدَ، وَاعْلَمْ يَا ابْنَ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ، فَبَكَى عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ حَتَّى بَلَّلَتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ، وَأَكْرَمَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ إِكْرَامًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الشَّعْبِيِّ. فَلَمَّا خَرَجَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَذَهَبَا لِلْمَسْجِدِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِيَعْرِفُوا خَبَرَهُمَا الْتَفَتَ الشَّعْبِيُّ لِلنَّاسِ بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَ دَرْسًا هَامًّا تَعَلَّمَ أَلَّا يُرْضِيَ أَحَدًا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ تُؤْثِرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى خَلْقِهِ فِي كُلِّ مَقَامٍ فَلْيَفْعَلْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا قَالَ الْحَسَنُ لابْنِ هُبَيْرَةَ قَوْلًا لَا أَجْهَلُهُ – يَعْنِي كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ مِثْلَ مَا قَالَ الْحَسَنُ – وَلَكِنْ أَرَدْتُ فِيمَا قُلْتُ وَجْهَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَأَرَادَ الْحَسَنُ فِيمَا قَالَ وَجْهَ اللَّهِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ: هَذِهِ هِيَ الْكِفَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ. أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَغْلَى عِنْدَكَ مِنَ النَّاسِ. أَنْ تَقُولَ الْحَقَّ بِأَدَبٍ وَحِكْمَةٍ، وَلَا تَجْعَلَ رِزْقَكَ سَبَبًا لِمَعْصِيَتِكَ، وَلَا تَجْعَلَ خَوْفَكَ مِنْ مَخْلُوقٍ يَدْفَعُكَ إِلَى سَخَطِ الْخَالِقِ.
عَاشِرًا: تَنْبِيهٌ عِلْمِيٌّ مُهِمٌّ حَوْلَ اسْمِ «الْكَافِي» أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: اسْمُ «الْكَافِي» ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ضِمْنَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَعْنَاهُ بِنُصُوصِ الْكِفَايَةِ وَالْحَسْبِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ دَقِيقِينَ: حَدِيثُ «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا» لَا يُثْبِتُ أَنَّ «الْكَافِيَ» وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَذْكُرْ أَسْمَاءَهَا أَصْلًا. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ». <متفق عليه.> فَالْوَاجِبُ أَنْ نُثْبِتَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ تَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ. لَكِنْ طَالَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ ذَكَرَهُ نُثْبِتُهُ وَالنَّصُّ الْقُرْآنِيُّ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ: مَاذَا يَقُولُ الْمَهْمُومُ الْآنَ؟
يَا مَنْ أَثْقَلَكَ الدَّيْنُ:
قُلْ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ». يَا مَنْ تَخَافُ إِنْسَانًا: قُلْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ». <رواه أحمد، وحسنه محققوه.>
يَا مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ:
قُلْ: «بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ». يَا مَنْ ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا: قُلْ بِقَلْبِكَ قَبْلَ لِسَانِكَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَإِذَا نَزَلَ بِكَ الْكَرْبُ فَادْعُ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». <متفق عليه.> وَإِذَا ضَاقَ بِكَ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَذَكَّرْ قَوْلَ رَبِّكَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر، رقم: ٣٦]. بَلَى يَا رَبِّ. أَنْتَ الْكَافِي. وَأَنْتَ الْحَسِيبُ. وَأَنْتَ الْوَكِيلُ. وَأَنْتَ الْغَنِيُّ. وَأَنْتَ الْقَادِرُ. وَأَنْتَ الرَّحِيمُ. وَأَنْتَ الَّذِي لَا تَضِيعُ عِنْدَهُ الْوَدَائِعُ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُ: قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَمْنَعَ الْبَلَاءَ. لَكِنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْرِفَ إِلَى مَنْ تَلْجَأُ إِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ. وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْرِفَ مَاذَا يَحْمِلُ لَكَ الْغَدُ. لَكِنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْرِفَ مَنْ يَمْلِكُ الْغَدَ. وَقَدْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَحَكَّمَ فِي النَّاسِ. لَكِنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعَلِّقَ قَلْبَكَ بِرَبِّ النَّاسِ.
فَإِذَا قَالَ النَّاسُ:
مَاذَا سَتَفْعَلُ؟ قُلْ: اللَّهُ مَعِي. وَإِذَا قَالَتْ لَكَ الدُّنْيَا: مَنْ يُنْقِذُكَ؟ قُلْ: رَبِّي.
وَإِذَا ضَاقَتْ بِكَ الْأَسْبَابُ: قُلْ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؟ نَعَمْ، وَاللَّهِ.
وَلَكِنْ كُنْ عَبْدًا صَادِقًا، وَخُذْ بِالْأَسْبَابِ، وَاتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَلَا تَسْتَعْجِلْ وَعْدَهُ. فَمَنْ عَرَفَ الْكَافِيَ لَمْ يَخَفْ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ خَوْفَ الْيَائِسِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْخَلْقِ تَعَلُّقَ الذَّلِيلِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْأَسْبَابَ تَرْكَ الْكَسُولِ. بَلْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ، وَيَطْمَئِنُّ بِقَلْبِهِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ.
اللَّهُمَّ يَا كَافِيُ، اكْفِنَا مَا أَهَمَّنَا، وَاقْضِ عَنَّا دُيُونَنَا، وَفَرِّجْ هُمُومَنَا، وَاكْشِفْ كُرُوبَنَا، وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا وَمِنْ فَوْقِنَا، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا.
اللَّهُمَّ اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، الرَّاضِينَ بِقَضَائِكَ، الْوَاثِقِينَ بِكَ، الْحَافِظِينَ لِحُدُودِكَ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ.
اللَّهُمَّ يَا كَافِيُ، اكْفِنَا شَرَّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَفَرِّجْ كُرُوبَنَا، وَأَصْلِحْ دِينَنَا وَدُنْيَانَا وَآخِرَتَنَا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا آخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

