رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مسألة المُعَمَّرين وحياة الخضر وإلياس والدجال”

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مسألة المُعَمَّرين وحياة الخضر وإلياس والدجال”

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مسألة المُعَمَّرين وحياة الخضر وإلياس والدجال”

تُعَدُّ مسألة بقاء بعض البشر أحياءً مددًا طويلة جدًا من المسائل التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم، ودخل فيها الكلام على المُعَمَّرين، وعلى حياة الخضر وإلياس عليهما السلام، وعلى المسيح الدجال.

والمنهج الصحيح التفريق بين ما ثبت بدليل صحيح صريح، وبين ما ورد في الأخبار والحكايات التي لا تثبت.

أولًا: الأصل أن الإنسان يموت، ولا يخلَّد في الدنيا؛ قال الله تعالى:

﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].

وقد استدل ابن كثير بهذه الآية على موت الخضر، وذكر أن الآية تدل على أن البشر لا يخلَّدون في الدنيا.

لكن هذا لا يعني أن كل صورة من صور الحياة الخارقة للعادة ممتنعة شرعًا؛ فقد ثبتت بالنصوص حالات استثنائية، مثل حياة عيسى عليه السلام مرفوعًا إلى السماء، وبقاء الدجال إلى الوقت الذي قدر الله له.

وعليه فلا يصح إطلاق القول: إنه يستحيل أن يعيش إنسان مدة طويلة جدًا؛ بل يقال: الأصل الموت، ولا يُستثنى من ذلك إلا بدليل صحيح.

ثانيًا: المسيح الدجال

المسيح الدجال هو أوضح مثال ثبتت حياته قبل خروجه بنص صحيح.

ففي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، أن تميمًا الداري رضي الله عنه أخبر النبي ﷺ أنه رأى رجلًا عظيم الخِلقة، موثقًا في جزيرة من جزائر البحر، وأن الرجل قال:

«أَنَا الدَّجَّالُ».

ثم أخبر النبي ﷺ الناس بقصة تميم، وقال:

«هَذِهِ طَيْبَةُ، وَذَاكَ الدَّجَّالُ».

والحديث في صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث رقم 2942.

فحياة الدجال قبل خروجه ثابتة بالسنة الصحيحة، ولا يصح جعل هذه الحالة دليلًا على أن بقاء البشر مئات السنين هو أمر معتاد؛ لأن الدجال حالة استثنائية ثبتت بالنص.

ثالثًا: الخضر عليه السلام

أما الخضر عليه السلام فهي المسألة التي وقع فيها الخلاف بين العلماء بصورة أشهر.

القول الأول: أنه حي

ذهب إلى ذلك جماعة من العلماء، ونُقل عن النووي وابن الصلاح والقرطبي والعراقي وغيرهم.

واعتمد القائلون بحياته على أخبار وآثار وحكايات تتحدث عن لقائه، وعلى بعض الروايات التي استدلوا بها على بقائه.

لكن ينبغي التنبيه إلى أن كثيرًا من الأخبار المرفوعة في حياة الخضر لا تثبت، وقد ناقشها العلماء حديثيًا، ومن أبرز من توسع في نقدها ابن الجوزي في كتابه:

«عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر».

وقد نقل ابن كثير أن ابن الجوزي تتبع المرفوعات الواردة في حياة الخضر، فحكم على كثير منها بالوضع، وبيّن ضعف الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين.

القول الثاني: أنه مات

ذهب إلى ذلك جماعة من العلماء، منهم:

البخاري، وإبراهيم الحربي، وأبو الحسين بن المنادي، وابن الجوزي، وابن كثير، ونُقل اختيار هذا القول عن غيرهم.

ومن أبرز أدلتهم:

1. قوله تعالى:

﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: 34].

وقد صرَّح ابن كثير بأن من العلماء من استدل بهذه الآية على موت الخضر؛ لأنه بشر داخل في الأصل العام.

2. حديث المائة سنة

قال النبي ﷺ:

«أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ».

وهو حديث صحيح، وقد فهم منه البخاري وغيره أن الخضر وإلياس ليسا من الأحياء.

وقد نقل ابن تيمية عن البخاري أنه سُئل عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال:

«كَيْفَ يَكُونُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ؟».

3. حديث أخذ الميثاق على الأنبياء

قال الله تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81].

وقد استدل ابن كثير بهذا المعنى على أن الخضر لو كان حيًا زمن النبي ﷺ، وكان نبيًا، لكان داخلًا في هذا الميثاق.

4. حديث موسى عليه السلام

قال النبي ﷺ:

«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا، مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي».

وقد رُوي الحديث عن جابر رضي الله عنه، وحسنه عدد من أهل العلم.

وهذا الحديث يستأنس به في تقرير وجوب اتباع الأنبياء السابقين للنبي ﷺ لو أدركوا بعثته، لكنه ليس وحده نصًا في موت الخضر؛ وإنما هو أحد الأدلة التي استعملها من قال بموته.

رابعًا: تنبيه فالمسألة عند ابن تيمية تحتاج إلى تحرير؛ لأن له نصين مختلفين في ظاهر الأمر.

ففي موضع من «مجموع الفتاوى» قال في جواب عن الخضر وإلياس:

«إِنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَحْيَاءِ، وَلَا مُعَمَّرَانِ».

ونقل قول البخاري وأحمد وابن الجوزي في ذلك.

لكن في موضع آخر من «مجموع الفتاوى» سُئل صراحة عن حياة الخضر، فأجاب:

«وَأَمَّا حَيَاتُهُ: فَهُوَ حَيٌّ».

ثم ناقش الاستدلال بحديث المائة سنة، وذكر أن الحديث يمكن أن يكون له تخصيص، واستدل ببقاء الدجال، وقال إن الدجال كان حيًا في زمن النبي ﷺ وباقٍ إلى اليوم.

وعليه عند نسبة القول إلى ابن تيمية أن يقال:

نُقل عن ابن تيمية القول بموت الخضر في موضع، ونُقل عنه في موضع آخر التصريح بحياته؛ ولذلك لا يصح عرض موقفه في المسألة على أنه قول واحد بلا تفصيل.

خامسًا: إلياس عليه السلام

أما إلياس عليه السلام، فقد نُقلت في بقائه أخبار مشابهة لما نُقل في الخضر، لكن لا يثبت بدليل صحيح أنه باقٍ إلى اليوم.

وقد نقل ابن تيمية عن البخاري القول بعدم حياة الخضر وإلياس، كما نقل عن الإمام أحمد إنكاره الأخبار التي تتحدث عن بقائهما.

وذكر ابن حجر أن بعض الأخبار التي تحكي اجتماع إلياس بالنبي ﷺ باطلة، وأن ما ذكر من تعميره وبقائه إلى آخر الدنيا من الأخبار التي لا تثبت.

سادسًا: أخبار المُعَمَّرين

ورد في كتب التاريخ والأخبار ذكر أشخاص قيل إنهم عاشوا أعمارًا طويلة جدًا، ويدخل ذلك في أخبار المُعَمَّرين.

لكن هذه الأخبار ليست في درجة واحدة من الثبوت، ولا يجوز جعل مجرد ورودها في كتب الأخبار دليلًا شرعيًا على وقوع تلك الأعمار.

والقاعدة هنا:

طول العمر في نفسه ممكن، لكن إثبات أن شخصًا معينًا عاش مئات أو آلاف السنين يحتاج إلى دليل ثابت.

ولهذا ينبغي التفريق بين:

إمكان طول العمر من حيث القدرة الإلهية.

ثبوت طول عمر شخص معين بدليل صحيح.

الأخبار والحكايات التي لا تقوم بها حجة.

الخلاصة :_

1. الأصل في البشر الموت، وعدم الخلود في الدنيا، كما دلت عليه آية الأنبياء وغيرها.

2. ثبت بقاء المسيح الدجال حيًا قبل خروجه بالنص الصحيح في حديث تميم الداري رضي الله عنه في صحيح مسلم، وهذه حالة استثنائية ثبتت بالسنة.

3. عيسى ابن مريم عليه السلام حيٌّ مرفوع إلى السماء بنصوص الوحي، وسيَنزل في آخر الزمان، ولذلك لا يصح إدخاله في مسألة البشر الذين يعيشون على الأرض مئات السنين.

4. حياة الخضر محل خلاف مشهور بين أهل العلم، وقد قال بحياته جماعة من العلماء، بينما قال بموته آخرون، ومنهم البخاري وابن الجوزي وابن كثير.

5. لا يصح نسبة القول بموت الخضر إلى ابن تيمية بإطلاق؛ لأن له كلامًا في «مجموع الفتاوى» يصرح فيه بحياته، وله موضع آخر يقرر فيه أن الخضر وإلياس ليسا من الأحياء.

6. الأخبار الواردة في تعمير إلياس والخضر ولقائهما بالناس لا يصح الاعتماد عليها بمجرد وجودها في كتب القصص والأخبار، بل لا بد من النظر في أسانيدها.

لم يثبت بدليل صحيح أن بشرًا من البشر العاديين بقي حيًا على الأرض مئات أو آلاف السنين، ولا يثبت ذلك في الخضر وإلياس بدليل متفق عليه، أما الدجال فقد ثبتت حياته قبل خروجه بالنص الصحيح، وعيسى عليه السلام حيٌّ مرفوع إلى السماء بنصوص الوحي.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل