
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مبدأ الأجر مقابل العمل في ميزان الشريعة
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مبدأ “الأجر مقابل العمل” في ميزان الشريعة: وحكم التخلف عن الوظيفة العامة
٠٠٠٠٠٠٠٠
مدخل:
#يُعد العمل في المنظور الإسلامي قيمة عليا وعبادة يُتقرب بها إلى الله إذا صلحت فيها النية.
#وقد أرست الشريعة الإسلامية قواعد دقيقة تحكم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، سواء كان صاحب العمل فرداً، أو شركة، أو دولة.
#ومن أهم هذه القواعد قاعدة “الأجر مقابل المنفعة”، والتي تعني أن الراتب الذي يتقاضاه الموظف هو عوض عن وقته وجهده الذي التزم بتقديمه بموجب العقد.
٠٠٠٠٠٠٠٠
أولاً: التكييف الفقهي للوظيفة
#الوظيفة في الفقه الإسلامي تندرج تحت باب “عقد الإجارة”. فالموظف (أجيراً خاصاً) يبيع جزءاً محدداً من وقته وجهده لجهة العمل مقابل أجر معلوم. وبمجرد التوقيع على عقد العمل، يصبح هذا العقد ملزماً شرعاً لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}.
#وبناءً عليه، فإن الأجر لا يُستحق إلا باستيفاء العمل وأداء المنفعة المتفق عليها، فإذا أخل الموظف بوقته أو بمهامه، فإنه يخل بشرط استحقاق الأجر.
٠٠٠٠٠
ثانياً: حكم التخلف عن العمل وأخذ الراتب كاملاً
#إذا تخلف الموظف عن عمله، أو تأخر عن الحضور، أو انصرف مبكراً دون عذر شرعي أو نظامي تسمح به جهة العمل، ثم تقاضى راتبه كاملاً دون أن يُخصم منه مقدار غيابه، فإن هذا المال الذي أخذه مقابل الساعات أو الأيام التي لم يعمل فيها يُعد مالاً حراماً، ويدخل في باب “أكل أموال الناس بالباطل”.
#فالقاعدة الفقهية تنص على أن “الأجر والضمان لا يجتمعان”، والأجر مقابل العمل، فما لم يُؤدَّ العمل لا يُستحق الأجر.
#وتبرير البعض لذلك بضعف الراتب أو بكثرة الموظفين غير الملتزمين هو تبرير باطل شرعاً؛ لأن المسلم ملزم بعقده بغض النظر عن أفعال الآخرين.
٠٠٠٠٠٠
ثالثاً: خطورة التخلف عن الوظيفة الحكومية (المال العام)
#تتضاعف الخطورة وتشتد الحرمة إذا كان التخلف عن وظيفة حكومية. وذلك لعدة اعتبارات شرعية خطيرة:
١.حرمة المال العام: الراتب الحكومي يُصرف من خزانة الدولة (بيت مال المسلمين)، وهو مال يشترك فيه جميع المواطنين.
#أخذ جزء من هذا المال بغير حق ليس كسرقة فرد، بل هو اعتداء على حق المجتمع بأسره.
٠٠٠٠٠٠٠٠
٢.شبهة الغلول: اعتبر بعض العلماء أن التفريط في الوظيفة العامة وأخذ الأجر عليها يدخل في باب “الغلول” (وهو الأخذ من المال العام خفية وبغير حق)، وقد توعد الله فاعله فضيحة يوم القيامة بقوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.
٠٠٠٠٠٠٠
٣. تعطيل مصالح المسلمين: الموظف الحكومي وُضع في هذا المكان لخدمة المراجعين وتسيير أمورهم. غيابه يعني تعطيلاً لمصالح الناس، مما يضيف إلى إثم أكل المال الحرام إثماً آخر وهو الإضرار بالمسلمين وشق عليهم.
٠٠٠٠٠٠٠
رابعاً: آثار أخذ الأجر بغير حق
١.محق البركة: المال الحرام ينزع البركة من الراتب كله، ومن صحة الإنسان، وأهله، وولده.
٢.عدم استجابة الدعاء: كما أخبر النبي ﷺ عن الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك.
٣.الخيانة للأمانة: الوظيفة أمانة، والتخلف عنها خيانة لتلك الأمانة التي سيسأل عنها العبد يوم القيامة.
٠٠٠٠٠٠
خامساً: كيفية إبراء الذمة (التوبة والحل)
#من وقع في هذا الخطأ وأراد أن يبرئ ذمته أمام الله، فعليه اتباع الخطوات التالية:
١.التوبة الصادقة والعزم على الالتزام بساعات العمل ومهامه مستقبلاً.
٠٠٠٠٠
٢. إذا كان قادراً على حصر الأيام والساعات التي غابها وتقاضى أجرها بغير حق، وجب عليه رد قيمتها المالية إلى جهة العمل (عن طريق التنازل عن إجازات، أو إعادة المبلغ لخزينة الدولة بأي طريقة رسمية).
٠٠٠٠٠٠
٣.إذا تعذر الرد المباشر للدولة أو لجهة العمل، أو كان ذلك سيسبب له ضرراً بالغاً أو فضيحة، فيجب عليه أن يجتهد في العمل بشكل إضافي لتعويض ما فات، وإذا لم ينجح في ذلك، يمكنه التصدق بقيمة ذلك المال بنية رده إلى أصحابه (المال العام).
٠٠٠٠٠٠٠
سادسا: خمس تساؤلات شائعة جداً
١.”ماذا لو أذن لي المدير المباشر بالانصراف أو الغياب؟”
#هذه من أكثر الشبهات انتشاراً. يظن الموظف أنه إذا استأذن مديره المباشر ووافق له، فقد برئت ذمته.
#الرد الشرعي: في القطاع الحكومي أو الشركات الكبرى، المدير المباشر ليس مالكاً للمال، بل هو “مؤتمن” و”وكيل”. لا يحق للوكيل أن يتصرف في وقت العمل أو يسقط الحضور إلا في حدود ما تسمح به اللوائح الرسمية (كالإجازات العرضية أو المرضية). إذا كان الإذن مخالفاً للنظام، فإنه يُعتبر تواطؤاً على حساب المال العام، ولا يُحلل الراتب للموظف.
٠٠٠٠٠٠٠
٢. “أنا أحضر للدوام، ولكن لا يوجد عمل لأقوم به، فهل راتبي حلال؟”
بعض الموظفين يداومون يومياً، ولكن طبيعة القسم ليس فيها مراجعون أو مهام، فيشعر بتأنيب الضمير.
#الرد الشرعي: عقد الإجارة في الوظائف يعتمد غالباً على “تسليم النفس واحتبياس الوقت”. ما دمت تحضر في الوقت المحدد، ومستعداً للعمل، ولم تقصر متى ما طُلب منك، فراتبك حلال 100%، لأن الخلل هنا من جهة الإدارة في توزيع المهام وليس منك.
٠٠٠٠٠٠٠
٣. “راتبي ضعيف جداً ولا يكفي، فهل يجوز لي التغيب لتعويض النقص في عمل آخر؟”
البعض يتحجج بغلاء المعيشة أو ضعف الراتب الحكومي كمبرر للتسيب.
#الرد الشرعي: الشريعة تفصل بين الأمرين. الرضا بالعقد تم منذ البداية على هذا الأجر، لقوله تعالى: (أوفوا بالعقود). ضعف الراتب لا يبيح خيانة الأمانة. الحل الشرعي هو المطالبة بزيادة الراتب بالطرق النظامية، أو البحث عن وظيفة أخرى، أو العمل في وظيفة إضافية خارج أوقات الدوام الرسمي.
٠٠٠٠٠٠٠
٤. “أنا سريع وممتاز، أُنهي عملي في ساعتين، فهل يجوز لي الانصراف؟”
بعض الموظفين المتميزين ينجزون مهام اليوم كله بسرعة، ويرون أن بقاءهم لنهاية الدوام مضيعة للوقت.
#الرد الشرعي: العقود الوظيفية (خاصة الحكومية) هي عقود مبنية على “الوقت” وليس “القطعة” (الإنتاج فقط). العقد ينص على العمل من 8 صباحاً إلى 2 ظهراً مثلاً. الانصراف المبكر إخلال بالعقد، إلا إذا كان هناك نظام رسمي في العمل (مثل نظام الدوام المرن أو العمل عن بُعد) يسمح بالانصراف فور انتهاء المهام.
٠٠٠٠٠٠٠
٥. “هل يجوز لي استغلال وقت الفراغ في الدوام لإنجاز أعمالي الخاصة (تجارة أو عمل عن بعد)؟”
#الرد الشرعي: وقت الدوام الرسمي “مملوك” لجهة العمل. إذا كان العمل الخاص يشغلك عن أي مهمة وظيفية فهو محرم. أما إذا كنت قد أنهيت عملك تماماً، ولا يوجد مراجعون، واستغليت وقت الفراغ في القراءة أو إنجاز عمل خاص على حاسوبك دون استخدام موارد الدولة (كالورق والطابعات) ودون تقصير في استعدادك للعمل، فالأمر فيه سعة عند بعض المعاصرين، والأولى تركه أو الاستئذان فيه.
والله نسأل أن يغفر لنا ما حصل منا من تقصير

