
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مهارة اتخاذ القرارات تحت ضغط
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مهارة اتخاذ القرارات تحت ضغط
تُعدّ مهارة اتخاذ القرارات تحت ضغط من أهم المهارات القيادية والمهنية في بيئات العمل والحياة المعاصرة، إذ يواجه الإنسان مواقف تتطلب منه التصرف بسرعة مع وجود نقص في المعلومات، وضيق في الوقت، وارتفاع في مستوى المسؤولية. ولا تعني القرارات السريعة اتخاذ قرارات عشوائية، بل تعتمد على القدرة على تنظيم التفكير، والسيطرة على الانفعالات، وتحديد الأولويات، وتحليل البدائل المتاحة للوصول إلى القرار الأكثر ملاءمة للموقف.
وتزداد أهمية هذه المهارة كلما ازدادت تعقيدات المواقف وسرعة تغيرها؛ فالشخص القادر على الحفاظ على هدوئه وتركيزه يستطيع تحويل الضغط من عامل يعيق التفكير إلى دافع يساعده على التركيز واتخاذ القرار المناسب.
1. السيطرة على التوتر والبقاء هادئًا
تمثل السيطرة على التوتر الخطوة الأولى لاتخاذ قرار سليم تحت الضغط. فالتوتر الشديد قد يؤدي إلى تضييق نطاق التفكير، والتركيز على المشكلة بصورة انفعالية، والاندفاع نحو أول حل يظهر أمام الشخص.
ويبدأ التعامل مع الضغط بالتوقف للحظات، وتنظيم التنفس، وفصل المشاعر عن الحقائق، ثم النظر إلى الموقف بصورة أكثر هدوءًا. كما يساعد تحديد ما يمكن التحكم فيه وما لا يمكن التحكم فيه على تقليل القلق وتوجيه الجهد نحو الجوانب المؤثرة في القرار.
2. تحديد المشكلة الجوهرية
من الأخطاء الشائعة أثناء الأزمات التعامل مع الأعراض بدلًا من المشكلة الحقيقية. لذلك يجب تحديد المشكلة الأساسية بدقة قبل البحث عن الحلول.
ويتحقق ذلك من خلال طرح أسئلة واضحة مثل: ما الذي حدث؟ وما السبب الأساسي؟ وما النتائج المحتملة إذا لم يتم اتخاذ قرار؟ وما الهدف الذي نريد الوصول إليه؟
كلما كان تعريف المشكلة أكثر وضوحًا، أصبح من الأسهل تحديد البدائل المناسبة وتجنب القرارات التي تعالج جانبًا ثانويًا وتترك أصل المشكلة قائمًا.
3. الجمع الذكي للمعلومات
لا يعني اتخاذ القرار تحت ضغط جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، لأن الوقت قد لا يسمح بذلك. الأهم هو الوصول إلى المعلومات الأكثر صلة بالقرار من مصادر موثوقة.
ويمكن تصنيف المعلومات إلى حقائق مؤكدة، ومعلومات تحتاج إلى تحقق، وافتراضات أو توقعات. ويساعد هذا التصنيف على منع الخلط بين الواقع والتقدير الشخصي، كما يتيح اتخاذ قرار سريع يستند إلى أساس منطقي بدلًا من التخمين.
4. موازنة الخيارات والمخاطر
بعد تحديد المشكلة وجمع المعلومات، تأتي مرحلة مقارنة البدائل المتاحة. وينبغي ألا يقتصر التفكير على فوائد كل خيار، بل يجب دراسة مخاطره وتكاليفه والنتائج التي قد تترتب عليه.
ومن المفيد استخدام أسئلة مثل: ماذا سنكسب من هذا الخيار؟ ماذا يمكن أن نخسر؟ وما أسوأ نتيجة محتملة؟ وهل توجد طريقة لتقليل المخاطر؟
إن الموازنة بين الخيارات لا تعني البحث عن قرار خالٍ من المخاطر، فهذا غير ممكن في كثير من المواقف، وإنما تعني اختيار البديل الذي يحقق الهدف مع مستوى مقبول من المخاطر.
5. الاستشارة والاستفادة من الفريق
قد يؤدي الضغط إلى الاعتقاد بأن القرار يجب أن يتخذه الشخص بمفرده، بينما يمكن أن تكون الاستشارة السريعة مع أصحاب الخبرة عاملًا مهمًا في تحسين القرار.
وتساعد مشاركة الفريق على اكتشاف نقاط قد لا يلاحظها الفرد، وتقديم وجهات نظر مختلفة، وتقليل احتمالية الوقوع في خطأ ناتج عن التفكير الفردي. ومع ذلك، ينبغي أن تكون الاستشارة منظمة ومحددة حتى لا تتحول إلى مصدر إضافي للتردد، خصوصًا عندما يكون الوقت محدودًا.
6. الحسم والتنفيذ السريع
بعد تحليل المشكلة والخيارات والمخاطر، تأتي مرحلة الحسم والتنفيذ. فالتردد المستمر قد يكون أكثر ضررًا من اتخاذ قرار مدروس في الوقت المناسب.
ويحتاج التنفيذ إلى تحديد المسؤوليات والخطوات الأساسية والموعد المناسب للبدء، مع متابعة النتائج والاستعداد لتعديل القرار إذا ظهرت معلومات جديدة. فالقرار الجيد لا يعني التمسك به مهما تغيرت الظروف، بل يعني القدرة على التعلم والتصحيح عند الحاجة.
استراتيجيات التطبيق الميداني
1. وضع خطة طوارئ بديلة (Plan B)
وجود بديل جاهز يقلل من الخوف والتردد عند ظهور عقبة غير متوقعة، ويمنح متخذ القرار قدرة أكبر على الاستجابة السريعة.
2. تقييم حد الأمان
قبل تنفيذ القرار، ينبغي تحديد النتائج التي يمكن قبولها والحدود التي لا ينبغي تجاوزها، مما يساعد على تقليل المخاطر والسيطرة على الموقف.
3. التوجه نحو تحسين النتائج
بعد تنفيذ القرار، يجب متابعة النتائج وقياس مدى نجاحها، ثم إجراء التعديلات اللازمة بدلًا من اعتبار القرار خطوة نهائية لا يمكن تغييرها.
نصائح ذهنية لاتخاذ القرار تحت الضغط
حافظ على هدوئك قبل البدء في التحليل.
ركز على المشكلة الأساسية بدلًا من التفاصيل المشتتة.
استخدم المعلومات الأكثر موثوقية وارتباطًا بالقرار.
لا تنتظر توفر جميع المعلومات إذا كان الوقت لا يسمح بذلك.
قارن بين الفوائد والمخاطر قبل الحسم.
استفد من خبرات الفريق عند الحاجة.
تحمل مسؤولية قرارك وتعلم من نتائجه.
اجعل الممارسة المستمرة وسيلة لبناء الثقة والمرونة.
خاتمة
إن اتخاذ القرار تحت الضغط ليس مجرد سرعة في الاستجابة، وإنما هو مزيج من الهدوء، والتحليل، وتحديد الأولويات، وتقييم المخاطر، والاستفادة من الخبرات، والحسم في الوقت المناسب. وكلما مارس الإنسان هذه المهارة في مواقف مختلفة، أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات والظروف المفاجئة بوعي وثبات.
فالضغط لا يمكن دائمًا تجنبه، لكن يمكن تطوير القدرة على التعامل معه. وعندما يتحول الضغط إلى فرصة للتركيز والتفكير المنظم، يصبح اتخاذ القرار أكثر فاعلية، وتزداد القدرة على الوصول إلى نتائج أفضل حتى في أصعب الظروف

