رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الخوف من المرافعة أمام المحكمة.

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الخوف من المرافعة أمام المحكمة.

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الخوف من المرافعة أمام المحكمة.. هل هو ضعف في الشخصية أم نقص في الاستعداد؟

.

.

.

من أكثر المشكلات التي تواجه المحامي في بداية حياته المهنية، الخوف من الوقوف أمام منصة القضاء، وعدم القدرة على ترتيب الأفكار أو التعبير عنها بالصورة التي يريدها، رغم إلمامه ببعض جوانب القضية.

ومن أكثر النصائح شيوعًا في هذا الشأن: «احضر أكبر عدد ممكن من المرافعات، وشاهد كيف يتحدث المحامون أمام المحكمة، حتى تكتسب الجرأة والثقة».

ولكن، هل هذه النصيحة مناسبة للجميع؟

في الحقيقة، قد تكون مشاهدة المرافعات مفيدة للبعض، لكنها قد تؤدي إلى نتيجة عكسية لدى البعض الآخر؛ إذ قد يقارن المحامي المبتدئ نفسه بمحامٍ يمتلك سنوات طويلة من الخبرة، فيشعر بالعجز عن الوصول إلى مستواه، وربما تتكون لديه رهبة أكبر من الوقوف أمام المحكمة.

وهنا يجب أن نفرق بين القدرة على الحديث والقدرة على المرافعة.

فليس كل من يمتلك فصاحة اللسان يستطيع تقديم مرافعة قانونية مؤثرة، وليس كل من يتلعثم في بداية حديثه يفتقر إلى القدرة على الدفاع عن موكله.

هناك محامون يمتلكون قدرة كبيرة على الحديث والرد، ويبدو عليهم الثبات والثقة، ولكن السر في كثير من الأحيان ليس مجرد الجرأة أو قوة الشخصية، وإنما الاستعداد الجيد، والإلمام بتفاصيل القضية، وتوقع ما قد يثار بشأنها من دفوع وطلبات.

فالمحامي الذي درس أوراق الدعوى دراسة دقيقة، وأحاط بوقائعها، وحدد المسائل القانونية محل النزاع، واطلع على الأدلة والمستندات، وتوقع أوجه دفاع الخصم، يكون أكثر قدرة على الحديث دون خوف؛ لأنه لا يقف أمام المحكمة منتظرًا أن يتذكر ما سيقوله، وإنما يمتلك تصورًا واضحًا لما يريد عرضه.

أما المحامي الذي لم يدرس القضية بالقدر الكافي، فقد يجد نفسه مرتبكًا أمام سؤال بسيط، أو عاجزًا عن الرد على دفاع لم يكن يتوقعه، مهما بلغت قدرته على الحديث في الظروف العادية.

ومن هنا، فإن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في شخصية المحامي، وإنما في مدى استعداده للمرافعة.

فالمرافعة ليست مسابقة في البلاغة، ولا اختبارًا لسرعة البديهة وحدها، وإنما هي عرض منظم لوقائع الدعوى، وتحليل للأدلة، وتطبيق صحيح للقانون على الوقائع، مع القدرة على مناقشة ما يثيره الخصم من أوجه دفاع.

ولذلك، فإن أول ما ينبغي على المحامي المبتدئ أن يتعلمه ليس كيف يتحدث أمام المحكمة، وإنما كيف يدرس القضية التي سيقف للمرافعة فيها.

عليه أن يقرأ أوراق الدعوى أكثر من مرة، وأن يحدد نقاط القوة والضعف، وأن يتوقع الأسئلة والدفوع المحتملة، وأن يضع تصورًا للرد عليها، مع الاستناد إلى النصوص القانونية وأحكام محكمة النقض ذات الصلة.

وبعد ذلك، تأتي مرحلة التدريب على عرض الأفكار بوضوح وترتيب، دون ضرورة لحفظ مرافعة كاملة أو تقليد أسلوب محامٍ آخر.

والأهم من ذلك كله، ألا يخلط المحامي بين الخوف الطبيعي في أول مرافعة وبين عدم صلاحيته للمهنة.

فالرهبة في البداية أمر قد يمر به كثيرون، ولا تعني بالضرورة ضعف الشخصية أو انعدام الموهبة. وقد تتراجع تدريجيًا كلما زادت المعرفة، وتراكمت الخبرة، وأصبح المحامي أكثر إلمامًا بما يعرضه أمام المحكمة.

ومن الخطأ أن نطلب من المحامي المبتدئ أن يتحدث كأنه أمضى عشرين عامًا في ساحات القضاء، أو أن نقيس قدرته على المرافعة من أول تجربة له.

بل إن من المهم أن يدرك أن لكل محامٍ أسلوبه الخاص، وأن المرافعة المؤثرة ليست بالضرورة الأعلى صوتًا، ولا الأكثر استخدامًا للمصطلحات القانونية، وإنما التي تعرض المسألة محل النزاع بوضوح، وتناقش الأدلة، وتستند إلى أساس قانوني سليم.

وأنا أرى أن كل شخص يستطيع تطوير قدرته على المرافعة، مهما كانت درجة خوفه في البداية، متى امتلك المعرفة الكافية، وأحسن دراسة القضية، وتدرّب على التعبير عن أفكاره.

فالثقة الحقيقية أمام منصة القضاء لا تُكتسب بمجرد مشاهدة الآخرين، وإنما تُبنى على العلم والاستعداد والاجتهاد الشخصي، ثم تصقلها الممارسة العملية.

ولا تنسَ أن المحامي لا يقف أمام المحكمة ليُثبت أنه يجيد الحديث، وإنما ليعرض دفاعًا قانونيًا يستحق أن يُسمع ويُناقش.

فلا تجعل رهبة المرافعة تمنعك من ممارسة مهنتك، ولا تجعل إعجابك بأسلوب محامٍ آخر سببًا في التقليل من قدراتك. ادرس، واستعد، وطوّر أسلوبك الخاص؛ فالمرافعة تبدأ من العقل قبل أن تصل إلى اللسان.