
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإمام القرطبي
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه الله
هو الإمام العلامة المفسر الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، صاحب التفسير المشهور “الجامع لأحكام القرآن”، ومن كبار علماء المالكية والتفسير في القرن السابع الهجري.
نشأ في قرطبة بالأندلس، وطلب العلم على علمائها، ثم رحل إلى مصر، واستقر في مُنْيَة بني خصيب من صعيد مصر، وانصرف إلى العلم والتصنيف والعبادة.
مولده ووفاته
لم يثبت تاريخ مولده على وجه يمكن الجزم به، ولذلك لا يصح تحديد سنة لميلاده دون دليل ثابت.
أما وفاته فكانت سنة 671هـ، بمُنْيَة بني خصيب من صعيد مصر.
شيوخه
أخذ الإمام القرطبي عن عدد من علماء الأندلس ومصر، ومن أشهرهم:
أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي المالكي، صاحب “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم”.
أبو محمد عبد الوهاب بن رَوَاج الإسكندراني المالكي.
بهاء الدين علي بن هبة الله ابن الجُمَّيْزِي الشافعي.
صدر الدين الحسن بن محمد البكري.
تلاميذه
ممن ذكر في تلاميذه ومن روى عنه:
ابنه شهاب الدين أحمد بن محمد القرطبي.
أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي.
إسماعيل بن محمد الخراستاني.
وأخذ عنه غيرهم من أهل العلم.
علمه وزهده
جمع الإمام القرطبي بين التفسير والحديث والفقه والقراءات واللغة العربية، وكان معروفًا بالزهد والورع والانقطاع للعلم والتصنيف.
ومما نُقل في وصف حاله:
“كان قد أطرح التكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية”.
المصدر: ابن فرحون، “الديباج المذهب”، 2/308-309.
وهذا يدل على بساطة لباسه وتركه التكلف، مع اشتغاله بالعلم والعبادة والتصنيف.
وقال ابن فرحون في ترجمته:
“كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين الورعين الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف”.
المصدر: “الديباج المذهب”، 2/308.
أشهر مؤلفاته
من أشهر كتب الإمام القرطبي:
“الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان”.
“التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة”.
“التذكار في أفضل الأذكار”.
“الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى”.
“قمع الحرص بالزهد والقناعة، ورد ذل السؤال بالكسب والصناعة”.
وكان كتابه “الجامع لأحكام القرآن” أشهر مصنفاته وأعظمها انتشارًا، وهو من كتب التفسير الموسوعية، إذ جمع فيه التفسير والحديث والآثار والقراءات واللغة والإعراب ومسائل الفقه، مع عناية كبيرة بآيات الأحكام.
وكان القرطبي مالكي المذهب، لكنه لم يكن يقتصر على أقوال المالكية، بل كان يعرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ويناقشها ويرجح ما يظهر له بالدليل.
عقيدة الإمام القرطبي رحمه الله
ظهر في كلام الإمام القرطبي تأثر بطريقة الأشاعرة والمتكلمين في عدد من مسائل الصفات، مع نقله مذهب السلف وموافقته له في مسائل أخرى، ورده الصريح على المعتزلة في القول بخلق القرآن.
قال عند تفسير قوله تعالى:
“ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ”
“ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة”.
ثم قال:
“وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته”.
المصدر: “الجامع لأحكام القرآن”، 7/219، طبعة دار الكتب المصرية.
وقال بعد ذلك:
“قلت: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته”.
المصدر: “الجامع لأحكام القرآن”، 7/220.
وقال في الرد على القائلين بخلق القرآن:
“وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن”.
المصدر: “الجامع لأحكام القرآن”، عند تفسير سورة الأعراف، الآية 54.
وعليه، فالأدق أن يقال: كان الإمام القرطبي من كبار أئمة المالكية والتفسير، وظهر في بعض كلامه التأثر بالطريقة الأشعرية في باب الصفات، مع موافقته لمذهب السلف في مواضع أخرى، وردّه على المعتزلة في مسألة خلق القرآن، فلا يصح اختزال جميع أقواله العقدية في وصف واحد دون تفصيل.
ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على تفسيره
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عند المقارنة بين تفسير القرطبي وتفسير الزمخشري:
“وتفسير القرطبي خير منه بكثير، وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة، وأبعد من البدع، وإن كان كل من هذه الكتب لا بد أن يشتمل على ما ينقد؛ لكن يجب العدل بينها وإعطاء كل ذي حق حقه”.
المصدر: ابن تيمية، “مجموع الفتاوى”، 13/387-388.
وهذا من إنصاف شيخ الإسلام رحمه الله، فقد أثنى على تفسير القرطبي وبيّن قربه من طريقة أهل الكتاب والسنة مقارنة بتفسير الزمخشري، مع التنبيه إلى أن كتب العلماء قد يقع فيها ما يُنتقد.
أهم مصادر ترجمته
ابن فرحون، “الديباج المذهب”، 2/308-309.
الداودي، “طبقات المفسرين”، ترجمة الإمام القرطبي.
الصفدي، “الوافي بالوفيات”، ترجمة الإمام القرطبي.
المقري، “نفح الطيب”، ترجمة الإمام القرطبي.
القرطبي، “الجامع لأحكام القرآن”، 7/219-220.
ابن تيمية، “مجموع الفتاوى”، 13/387-388.
رحم الله الإمام أبا عبد الله القرطبي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فقد ترك للأمة تراثًا عظيمًا، ولا يزال تفسيره “الجامع لأحكام القرآن” من أهم كتب التفسير والفقه واللغة.

