
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم غسل الميت وكيف تكون صفته؟
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
ما حكم غسل الميت وكيف تكون صفته؟
قال الإمامُ النَّوويُّ : وغُسلُ الميِّتِ فَرضُ كِفايةٍ بإِجماعِ المسلِمينَ، ومَعنى (فَرضِ الكِفايةِ): أنَّه إذا فعَلَه مَن فيه كِفايةٌ سقَطَ الحَرجُ عن الباقينَ، وإنْ ترَكوه كلُّهم أثِمُوا كلُّهم(1).
إلا أنَّ هناك خِلافًا عندَ المالكيةِ، ومِن أجلِ ذلك قالَ الحافِظُ في «الفَتحِ»: وهو ذُهولٌ شَديدٌ -أي: مِن النَّوويِّ-؛ فإنَّ الخِلافَ مَشهورٌ عندَ المالِكيةِ حتى إنَّ القُرطبيَّ رجَّحَ في شَرحِ مُسلمٍ أنَّه سُنةٌ، ولكنَّ الجُمهورَ على وُجوبِه، وقد رَدَّ ابنُ العَربيِّ على مَن لَم يَقلْ بذلك، وقد تَوارَدَ به القَولُ والعَملُ، وَغُسِّلَ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ، فكيف بمَن سِواه(2).
وقالَ ابنُ رُشدٍ : فأمَّا حُكمُ الغُسلِ: فإنَّه قيلَ فيه: إنَّه فَرضٌ على الكِفايةِ، وقِيلَ: سُنةٌ على الكِفايةِ، والقَولانِ كِلاهما في المَذهبِ، والسَّببُ في ذلك: أنَّه نُقلَ بالعَملِ لا بالقَولِ، والعَملُ ليسَ له صيغةٌ تُفهِمُ الوُجوبَ أو لا تُفهِمُه، وقد احتجَّ عبدُ الوهَّابِ لوُجوبِه بقَولِه ﷺ في ابنَتِه: «اغسِلْنَها ثَلاثًا أو خَمسًا»(3)، وبقَولِه في المُحرِمِ: «اغْسِلُوه»(4).
فمَن رأى أنَّ القَولَ خرَجَ مَخرَجَ تَعليمٍ لصِفةِ الغُسلِ، لا مَخرَجَ الأمرِ به لَم يَقلْ بوُجوبِه، ومَن رَأى أنَّه يَتضمَّنُ الأمرَ والصِّفةَ قالَ بوُجوبِه(5).
إلا أنَّ المَشهورَ عندَهم -أي: المالِكيةِ- أنَّه فَرضٌ كِفائيٌّ.
قال في «الشَّرح الصَّغير»: غُسلُ الميِّتِ المُسلمِ فَرضٌ كِفائيٌّ إذا قامَ به بَعضٌ مِن المسلِمينَ سقَطَ عن الباقينَ(6).
تَجريدُ الميِّتِ وكَيفيةُ وَضعِه حالة الغُسلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الميِّتِ هل الأفضَلُ أنْ يُغسَّلَ مُجرَّدًا أو في قَميصٍ، بعدَ اتِّفاقِهم على وُجوبِ سَترِ العَورةِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأفضَلَ أنْ يُغسَّلَ في قَميصٍ؛ لِما رَوت عائِشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ: غَسَّلوه وعليه قَميصٌ يَصُبَّون عليه الماءَ، ويُدلِّكونَه مِن فَوقِه، ولأنَّ ذلك أستَرُ، فكانَ أَوْلى.
وما ثبَتَ كَونُه سُنةً في حَقِّه ﷺ فهو سُنةٌ في حَقِّ غيرِه، والذي فُعلَ به ﷺ هو الأكمَلُ. وقالَ الإمامُ أحمدُ: غُسِّلَ النَّبيُّ ﷺ في قَميصٍ، وقد أَرادوا خَلعَه فنُودُوا أنْ لا تَخلَعوه واستُروا نَبيَّكم، وقالَ سَعدٌ: «اصْنَعُوا بِي كما صُنعَ برَسولِ اللهِ ﷺ».
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الأُخرى(وهو الصحيح) إلى أنَّ الأفضلَ أنْ يُغسَّلَ مُجرَّدًا مِن ثيابِه إلا أنَّه تُستَرُ عَورَتُه؛ لأنَّ تَجريدَه أمكَنُ لتَغسيلِه، وأبلَغُ في تَطهيرِه، والحَيُّ يَتجرَّدُ إذا اغتسَلَ، فكذا الميِّتُ، ولأنَّه إذا اغتسَل في ثَوبِه تَنجَّسَ الثَّوبُ بما يَخرُجُ، وقد لا يَطهُرُ بصَبِّ الماء عليه، فيَتنجَّسُ الميِّتُ به، ولأنَّ ذلك كانَ هو العَملَ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ كما يُفيدُه حَديثُ عائِشةَ قالَت: «لمَّا أَرادُوا غَسلَ النَّبيِّ ﷺ قالوا: واللهِ ما نَدرِي أَنُجرِّدُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مِن ثِيابِه كما نُجرِّدُ مَوتانا أَمْ نُغسِّلُه وعلَيه ثِيابُه؟»(7)
فدَلَّ ذلك على أنَّ عدَمَ التَّجريدِ كانَ خاصًّا به ﷺ، ولأنَّ ما يُخشَى مِن تَنجيسِ قَميصِه بما يَخرجُ منه كانَ مَأمونًا في حَقِّ النَّبيِّ ﷺ؛ لأنَّه طيِّبٌ حيًّا وميِّتًا، بخِلافِ غيرِه، وإنَّما قالَ سَعدٌ: الحَدوا لي لَحدًا، وانْصِبُوا على الَّلبِنِ نَصبًا، كما صُنعَ برَسولِ اللهِ ﷺ، ولو ثبَتَ أنَّه أرادَ الغُسلَ، فأمرُ رَسولِ اللهِ ﷺ أَولى بالاتِّباعِ.
وأمَّا كَيفيَّةُ وَضعِه عندَ تَغسيلِه فهي أنَّه يُوضعُ على السَّريرِ أو لَوحٍ هُيئَ له، ويَكونُ مَوضعُ رأسِه أُعلى؛ ليَنحدِرَ الماءُ ويَكونَ الوَضعُ طُولًا، كما في حالةِ المَرضِ، إذا أرادَ الصَّلاةَ بإِيماءٍ، ومِن الحَنفيةِ مَن اختارَ الوَضعَ كما يُوضَعُ في القبْرِ، والأصَحُّ أنَّه يُوضَعُ كما تَيسَّرَ8.
![]()
عَددُ الغَسلاتِ وكَيفيَّتُها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الواجِبَ مِن الغَسلاتِ ما يَحصُلُ به الطَّهارةُ، وأنَّ المَسنونَ منها الوِترُ، وأنْ يَكونَ في الماءِ السِّدرُ، وفي الآخِرةِ الكافورُ؛ لحَديثِ أُمِّ عَطيَّةَ قالَت: «دخَلَ علَينا النَّبيُّ ﷺ ونحنُ نُغسِّلُ ابنَتَه، فقالَ: اغْسِلْنَها ثَلاثًا، أو خَمسًا، أو أَكْثرَ مِن ذلك، إنْ رَأيتُنَّ ذلك، بِماءٍ وسِدرٍ، واجعَلْنَ في الْآخِرَةِ كافُورًا أو شَيئًا مِن كافُورٍ»(9).
وبحَديثِ ابنِ عباسٍ قالَ: «بَينَما رَجلٌ واقِفٌ مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ بعَرفَةَ إِذْ وقَعَ مِن راحِلَتِه فأَوْقَصتْه، أَو قالَ: فأَقْعَصتْه، فذُكرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: اغْسِلوه بِماءٍ وسِدرٍ»(10).
ثم اختلَفوا فيه، فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ(وهو الصحيح): المُستحَبُّ أنْ يَكونَ في كلِّ المياهِ شَيءٌ مِن السِّدرِ؛ للحَديثَينِ السابِقَينِ، ولأنَّ المَطلوبَ مِن تَغسيلِه المُبالَغةُ في التَّنظيفِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَكونُ إلا في واحِدةٍ منها، وتَكونُ الأُولى، ولا يُعتَدُّ بها في عَددِ الغَسلاتِ؛ لتَغيُّرِ الماءِ بالسِّدرِ فسلَبَ طَهورِيَّتَه.
والأفضلُ أنْ يَبدأَ الغاسِلُ في تَغسيلِ الميِّتِ بأنْ يُزيلَ عنه النَّجاسةَ، ويَستنَجيَه عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وأمَّا إِزالةُ النَّجاسةِ وإِنقاؤُها فأبو حَنيفةَ ومُحمدٌ يَقولانِ به، بلا إِجلاسٍ وعَصرٍ في أوَّلِ الغُسلِ، وعندَ المالِكيةِ يُندَبُ عَصرُ البَطنِ حالةَ الغُسلِ، وعندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ يَكونُ إِجلاسُ الميِّتِ وعَصرُ بَطنِه في أوَّلِ الغُسلِ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ مُحمدٍ قالَ: «تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ فغسَّلَه ابنُ عُمرَ فنفَضَه نَفضًا شَديدًا، وعصَرَه عَصرًا شَديدًا، ثم غسَّلَه»(11)، ولأنَّه ربَّما كانَ في جَوفِه شَيءٌ، فإذا لَم يَعصِرْه قبلَ الغَسلِ خرَجَ بعدَه، وربَّما خرَجَ بعدَما كُفِّنَ فيَفسُدُ الكفَنُ.
ثم يُوضِّئُه وُضوءَه للصَّلاةِ، ولا يُدخلُ الماءَ في فِيهِ ولا أنفِه؛ لأنَّ إِدخالَ الماءِ فاه وأنفَه لا يُؤمنُ معه وُصولُه إلى جَوفِه، فيُفضي إلى المُثلَةِ به، ولا يُؤمَنُ خُروجُه في أَكفانِه، وإنْ كانَ فيهما أذًى أزالَه بخِرقةٍ يَبلُّها ويَجعَلُها على إصبَعِه، فيَمسَحُ أسنانَه وأنفَه حتى يُنظِّفَهما، وإلى هذا ذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ، قالَ ابن قُدامةَ: وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وقالَ شَمسُ الأئِمةِ الحَلَوانِيُّ: وعليه عَملُ الناسِ اليَومَ.
أمَّا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ فلا يُغني ذلك عن المَضمَضةِ والاستِنشاقِ. ويُميلُ رأسَ الميِّتِ حتى لا يَبلُغَ الماءُ بَطنَه، وكذا لا يُؤخِّرُ رِجلَيْه عندَ التَّوضِئةِ.
وبعدَ الوُضوءِ يَجعَلُه على شِقِّه الأيسَرِ فيَفعَلُ الأيمَنَ، ثم يُديرُه على الأيمَنِ فيَفعَلُ الأيسَرَ، وذلك بعدَ تَثليثِ غُسلِ رأسِه ولِحيَتِه.
والواجِبُ كما سبَقَ في غُسلِ الميِّتِ مَرةٌ واحِدةٌ، ويُستحَبُّ أنْ يُغسَّلَ ثَلاثًا، وإنْ رأى الغاسِلُ أنْ يَزيدَ على ثَلاثٍ -لكَونِه لَم يُنقَّ، أو غيرِ ذلك- غسَّلَه خَمسًا أو سَبعًا، ويُستحَبُّ ألَّا يَقطَعَ إلا على وِترٍ كما سبَقَ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: لا يَزيدُ على سَبعٍ.
والأصلُ في هذا قَولُ النَّبيِّ ﷺ لِغاسِلاتِ ابنَتِه زَينبَ : «ابدَأْنَ بمَيامِنِها ومَواضعِ الوُضُوءِ منها، واغسِلْنَها ثَلاثًا، أو خَمسًا، أو أَكثَرَ مِن ذلك، إن رَأيْتنَّ ذلك، بِماءٍ وَسِدرٍ، واجعَلْنَ في الْآخِرَةِ كافُورًا أو شَيئًا مِن كافُورٍ»(12).
ويَرى ابنُ حَبيبٍ مِن المالِكيةِ أنَّه لا بأسَ عندَ الوَباءِ وما يَشتدُّ على الناسِ مِن غُسلِ المَوتَى لكَثرَتِهم أنْ يَجتَزِئوا بغَسلةٍ واحِدةٍ بغيرِ وُضوءٍ، يُصبُّ عليهم الماءُ صَبًّا.( أو يتيمم إذا خشي المغسل على نفسه كما في وباء كرونا)
وإنْ خرَجَ منه شَيءٌ وهو في مُغتسَلِه يَرى الحَنفيةُ والمالِكيةُ -ما عدا أشهَبَ- وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ واختارَه أبو الخَطابِ مِن الحَنابِلةِ(وهو الصحيح):أنَّه لا يُعادُ غُسلُه، وإنَّما يُغسَلُ ذلك المَوضعُ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ آخَرَ إلى أنَّه إنْ خرَجَ منه شَيءٌ وهو على مُغتسَلِه غسَّلَه إلى خَمسٍ، فإنْ زادَ فإلى سَبعٍ.
وللشافِعيَّةِ قَولٌ ثالِثٌ، وهو: أنَّه يَجبُ إعادةُ وُضوئِه، هذا إذا خرَجَت النَّجاسةُ قبلَ الإِدراجِ في الكَفنِ، وأمَّا بعدَه فجَزَموا بالاكتِفاءِ بغُسلِ النَّجاسةِ فَقط(13).
![]()
صِفةُ ماءِ الغُسلِ:
يُشترطُ لصِحَّةِ غُسلِ الميِّتِ في الماءِ: الطَّهوريَّةُ كسائِرِ الطاهِراتِ، والإِباحةُ كباقي الأَغسالِ.
واستحَبَّ الحَنفيةُ أنْ يَكونَ الماءُ ساخِنًا؛ لزِيادةِ الإنقاءِ.
قال المَوصِليُّ : ويَغلي الماءَ بالسِّدرِ أو بالخَرصِ -أي: الأُشنانِ- إنْ وُجدَ؛ لأنَّه أبلَغُ في النَّظافةِ، وهو المَقصودُ؛ ولأنَّ الماءَ الحارَّ أبلَغُ في إزالةِ الدَّرنِ(14).
وعندَ المالِكيةِ: يُخيَّرُ الغاسِلُ في صِفةِ الماءِ إنْ شاءَ بارِدًا وإنْ شاءَ ساخِنًا(15).
ويَرى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أنَّه يُستحَبُّ غَسلُ الميِّتِ بالماءِ البارِدِ إلا لِحاجةٍ إلى المُسخَّنِ إذا احتِيجَ إليه؛ لشِدةِ بَردٍ أو وسَخٍ لا يُزالُ إلا به(16).
![]()
ما يُصنَعُ بالميِّتِ قبلَ التَّغسيلِ وبعدَه:
1
– ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى استِجابِ استِعمالِ البَخورِ عندَ تَغسيلِ الميِّتِ؛ لِئلَّا تُشمَّ منه رائِحةٌ كَريهةٌ، ويَزدادُ في البَخورِ عندَ عَصرِ بَطنِه(17).
![]()
2- تَسريحُ شَعرِ الميِّتِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُسرَّحُ شَعرُ الميِّتِ؛ لأنَّ ذلك يَقطَعُ شَعرَه ويَنتِفُه، ولأنَّ التَّسريحَ للزِّينةِ، وقد استَغنى الميِّتُ عنه.
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُسرَّحُ تَسريحًا خَفيفًا بمُشطٍ واسعِ الأَسنانِ ويُرفَقُ في تَسريحِه؛ لِئلَّا يُنتَفَ شَعرُه، فإنْ نُتفَ ردَّه إليه ودفَنَه معه.
قال الشِّيرازيُّ: فإنْ كانَت اللِّحيةُ مُتلبِّدةً سرَّحَهاإلى الجَميعِ(18).
![]()
3- تَضفيرُ شَعرِ الميِّتةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ(وهو الصحيح) إلى أنَّه يُضفَّرُ شَعرُ الميِّتةِ -أي: جَمعُ الشَّعرِ في ذَوائبَ مَضفورةٍ- ثلاثةَ قُرونٍ، ويُلقى مِن خَلفِها؛ لحَديثِ أُمِّ عَطيَّةَ في وَصفِ غُسلِ بِنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ قالَت: «فضَفَرْنا شَعَرَها ثَلاثَةَ قُرونٍ، وأَلقَيناها خلفَها، قَرْنَيها وناصِيتَها»، وللبُخاريِّ: «جعَلْنَ رَأسَ بنتِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ قُرونٍ»(19).
وقالَ الحَنفيةُ: تُرسِلُه الغاسِلةُ غيرَ مَضفورٍ بينَ يَدَيْها مِن الجانبَينِ، ثم تُسدِلُ خمارَها عليها.
قال المَوصِليُّ: ويُجعَلُ شَعرُها ضَفيرتَينِ على صَدرِها فوقَ القَميصِ تحتَ اللِّفافةِ مِن الجانبَينِ؛ لأنَّ في حالةِ الحياةِ يُجعَلُ وَراءَ شَعرِها للزِّينةِ، وبعدَ المَوتِ ربَّما انتشَر الكَفنُ فيُحمَلُ على صَدرِها لذلك، ولأنَّ ضَفرَه يَحتاجُ إلى تَسريحِها، فيُقطَعُ شَعرُها ويُنتَفُ(20).
![]()
4- خِتانُ الميِّتِ:
اتَّفقَ الأئِمةُ الأربَعةُ على أنَّ الميِّتَ إذا ماتَ غيرَ مَختونٍ يُتركُ على حالِه ولا يُختَنُ؛ لأنَّ الخِتانَ إبانةٌ لجُزءٍ مِن أَعضاءِ الميِّتِ فلا يُشرعُ، ويُفعَلُ للتَّكليفِ به، وقد زالَ بالمَوتِ، وقياسًا على مَن وجَبَ قَطعُ يَدِه في سَرِقةٍ أو قِصاصٍ، فإنْ ماتَ قبلَ أنْ يُتمكَّنَ منه، فقد أَجمَعوا على أنَّها لا تُقطَعُ.
وقالَ ابنُ القيِّمِ : لا يَجبُ خِتانُ الميِّتِ باتِّفاقِ الأُمةِ، وهل يُستحَبُّ؟ فجُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّه لا يُستحَبُّ، وهو قَولُ الأئِمةِ الأربَعةِ، وذكَرَ بعضُ الأئِمةِ المتأخِّرينَ أنَّه مُستحَبٌّ، وقاسَه على أخْذِ شارِبِه وحلْقِ عانَتِه ونَتفِ إبطِه، وهذا مُخالِفٌ لِما عليه عَملُ الأُمةِ وهو قياسٌ فاسِدٌ، فإنَّ أخْذَ الشارِبِ وتَقليمَ الظُّفرِ وحَلقَ العانةِ مِن تَمامِ طَهارتِه وإزالةِ وَسخِه ودَرنِه.
وأمَّا الخِتانُ فهو قَطعُ عُضوٍ مِن أَعضائِه، والمَعنى الذي لِأجلِه شُرعَ في الحياةِ قد زالَ بالمَوتِ؛ فلا مَصلَحةَ في خِتانِه، وقد أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ بغُرلَتِه غيرَ مَختونٍ، فما الفائِدةُ أنْ يُقطَعَ منه عندَ المَوتِ عُضوٌ يُبعَثُ به يَومَ القيامةِ، وهو مِن تَمامِ خَلْقِه في النَّشأةِ الأُخرى(21).
![]()
5- تَقليمُ أظافِرِ الميِّتِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ(وهو الصحيح) إلى أنَّه لا يُقلِّمُ أظافِرَ الميِّتِ؛ لأنَّ أَجزاءَ الميِّتِ مُحترمةٌ فلا تُنتهَكُ بهذا، ولَم يَصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ والصَّحابةِ في هذا شَيءٌ؛ ولأنَّ إِزالةَ هذه الأَشياءِ للزِّينةِ، وهو مُستَغنٍ عنها، وأمَّا إنْ كانَ ظُفرُه مُنكَسرًا فلا بأسَ بأخْذِه.
وذهَبَ الشافِعيةُ في القَولِ الآخَرِ والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّه يُقلِّمُ أَظفارَه؛ لأنَّه تَنظيفٌ، فشُرعَ في حَقِّه كإزالةِ الوَسخِ، وقيَّدَه الإمامُ أحمدُ بما إذا كانَ فاحِشًا(22).
![]()
6- الأخْذُ مِن شارِبِ الميِّتِ إنْ كانَ طَويلًا:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ(وهو الصحيح) إلى أنَّه لا يُؤخَذُ مِن شارِبِ الميِّتِ شَيءٌ، وإنْ كانَ طَويلًا؛ للتَّعليلِ السابِقِ في تَقليمِ أَظفارِه.
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في القَولِ الآخَرِ إلى أنَّه يُؤخَذُ منه إنْ كانَ طَويلًا؛ لأنَّ تَركَه يُقبِّحُ مَنظرَه كفَتحِ عَينَيه وفَمِه، ولأنَّه فِعلٌ مَسنونٌ في الحَياةِ لا مَضرَّةَ فيه، فشُرعَ بعدَ المَوتِ كالاغتِسالِ(23).
![]()
7- نَتفُ إبطِه وحَلقُ عانَتِه:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم(وهو الصحيح) إلى أنَّه لا يُشرَعُ نَتفُ إبطِه وحَلقُ عانَتِه، ولأنَّ العانةَ يُحتاجُ في أخْذِها إلى كَشفِ العَورةِ ولَمسِها وهَتكِ الميِّتِ وذلك مُحرَّمٌ لا يُفعَلُ لغيرِ واجِبٍ، ولأنَّ العَورةَ مَستورةٌ يُستَغنى بسَتْرِها عن إزالَتِها.
وذهَبَ الشافِعيةُ في القَولِ الآخَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسَنُّ ذلك لِما رُويَ أنَّ سَعدَ بنَ أَبي وقَّاصٍ جَزَّ عانةَ مِّيٍت، ولأنَّه شَعرٌ إزالَتُه مِن السُّنةِ، فأشبَهَ الشارِبَ، لكنْ قالَ ابنُ قُدامةَ: والأولُ أَولى، ويُفارِقُ الشارِبُ العانةَ لأنَّه ظاهِرٌ يُتفاحَشُ لرُؤيَتِه، ولا يُحتاجُ في أخْذِه إلى كَشفِ العَورةِ ولا لَمسِها.
ثم إنَّه إنْ أخَذَ شَيئًا مِن أَظفارِه أو شارِبِه أو إبطِه أو عانَتِه يَصيرُ كلُّ ذلك معه في كَفنِه ويُدفَنُ(24)[(24) المَراجِع السابِقَة.]).
![]()
موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
من المجلد [(3) «صفحة» (210/193)]
![]()
المصادر:
[(1)) «المجموع» (6/196)، و«الإفصاح» (1/270).])
[(2)) «فتح الباري» (3/125)، وانظر: «سبل السلام» (2/92)، و«عمدة القاري» (8/36).])
[(3) رواه البخاري (1253)، ومسلم (939).])
[(4) رواه البخاري (1265)، ومسلم (1206).])
[(5) «بداية المجتهد» (1/312).])
[(6) «الشرح الصغير» (1/355).])
[(7) حسن. أخرجه أبو داود (3141)، وابن ماجه (1464) مختصرًا، وأحمد (6/267)، وابن حبان (6628)، والحاكم (3/61)، وابن أبي الدنيا في الهواتف (7)، وابن الجارود في المنتقى (517)،وغيرهم من طريق ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَي بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، مرفوعًا.
قلت: وهذا سند حسن من أجل ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وسكت عنه الذهبي.
وصححه الذهبي في تاريخ الإسلام (1/827). وحسنه الألباني في الإرواء (702).])
[8 «بدائع الصنائع» (2/305)، و«شرح فتح القدير» (2/106، 107)، و«الاختيار» (1/91)، و«الشرح الصغير» (1/358)، و«الفواكه الدواني» (1/287)، و«القوانين الفقهية» (97)، و«المجموع» (6/212، 215)، و«روضة الطالبين» (2/99)، و«المغني» (3/192، 193)، و«الإنصاف» (2/485، 486)، و«الإفصاح» (1/270، 271).])
[(9)) رواه البخاري (1195)، ومسلم (936).])
[(10) رواه البخاري (1751)، ومسلم (1206).])
[(11) ذكره الشيرازي في «المهذب» (1/128)، ولَم أقف عليه مسندًا.])
[(12) حَديثٌ صَحيحٌ: تقدَّم.])
[(13) «بدائع الصنائع» (2/304)، وما بعدها، و«الاختيار» (1/91)، و«الفتاوى الهندية» (1/158)، و«ابن عابدين» (1/574)، و«المدونة» (1/185)، و«مواهب الجليل» (2/208، 234)، و«الشرح الصغير» (1/358)، و«المجموع» (6/217، 228)، و«روضة الطالبين» (2/102، 103)، و«حاشية الجمل» (2/147)، و«المغني» (3/199)، وما بعدها، و«الإفصاح» (1/272، 273).])
[(14) «الاختيار» (1/197).])
[(15) «الذخيرة» (2/449)، و«مواهب الجليل» (2/234).])
[(16) «المجموع» (6/217)، و«روضة الطالبين» (2/99)، و«المغني» (3/203)، و«كشاف القناع» (2/96)، و«نيل المأرب» (1/220).])
[(17) «الإختيار» (1/91)، والمدخل (3/237)، و«مواهب الجليل» (2/222، 238)، و«شرح مختصر خليل» (2/123)، و«المجموع» (6/214)، و«مغني المحتاج» (1/333)، و«أسنى المطالب» (1/300)، و«روضة الطالبين» (2/100)، و«المغني» (3/214)، و«الإنصاف» (2/511).])
[(18) «بداية المبتدي» (1/30)، و«الهداية شرح البداية» (1/90)، و«البدائع» (2/307)، و«الفتاوى الهندية» (1/158)، و«الإشراف» (1/147)، و«المجموع» (6/223)، و«الكافي» (1/252)، و«المغني» (3/227)، و«الإفصاح» (1/273).])
[(19) رواه البخاري (1201).])
[(20) «الاختيار» (1/116)، و«مختصر خلافيات البيهقي» (2/397)، و«الأم» (1/215، 282)، و«المجموع» (6/236)، و«المغني» (3/223)، و«حلية العلماء» (2/284)، و«فتح الباري» (3/134)، و«سبل السلام» (2/94)، و«الأوسط» (5/333)، و«شرح ابن بطال» (3/206 )، و«الإفصاح» (1/274).])
[(21) «تحفة المولود» (1/200)، و«البدائع» (2/307)، و«الإشراف» (1/147)، و«المجموع» (6/235)، و«المغني» (3/305)، و«الإفصاح» (1/274)، و«بداية المجتهد» (1/320).])
[(22) بدائع الصنائع(2/307)، و«الفتاوى الهندية» (1/158)، و«مختصر اختلاف العلماء» (1/179)، و«الشرح الكبير» (1/422)، و«المجموع» (6/222)، و«المغني» (3/304)، و«الإفصاح» (1/274)، و«كشاف القناع» (2/110)، و«الأوسط» (5/328).])
[(23) المَراجِع السابِقة.])
[(24) المَراجِع السابِقَة.])

