
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإمام أبو يعقوب البُوَيْطي
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الإمام أبو يعقوب البُوَيْطي رحمه الله
خليفة الشافعي في مجلس العلم الذي مات في القيود ولم يبدّل
هو الإمام العلامة الفقيه أبو يعقوب يوسف بن يحيى البُوَيْطي المصري، أحد أجل أصحاب الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، ومن كبار فقهاء الإسلام في القرن الثالث الهجري.
ينتسب إلى بُوَيْط، وهي قرية من صعيد مصر. لازم الإمام الشافعي، وتفقه على يديه، وبرع في الفقه والمناظرة، حتى صار من أبرز أصحابه وحملة مذهبه.
ولم يثبت تاريخ مولده على وجه يمكن الجزم به، أما وفاته فكانت سنة 231هـ، وهو محبوس مقيد في بغداد.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/58-61، طبعة مؤسسة الرسالة.
شيوخه وتلاميذه
من أشهر شيوخه:
الإمام محمد بن إدريس الشافعي.
والإمام عبد الله بن وهب المصري.
وممن روى عنه وأخذ العلم منه:
الإمام الربيع بن سليمان المرادي.
والإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي.
والإمام محمد بن إسماعيل الترمذي.
والإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
والإمام أبو حاتم الرازي.
وأحمد بن إبراهيم بن فيل.
والقاسم بن هاشم السمسار.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/59.
ثناء الإمام الشافعي عليه
بلغ البُوَيْطي منزلة عظيمة عند شيخه الإمام الشافعي، حتى اختاره لخلافته في مجلس العلم والإفتاء.
وقد نقل ابن خزيمة خبر التنازع على مجلس الشافعي، وأن الحميدي قال ناقلًا عن الشافعي:
“ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف، ليس أحد من أصحابي أعلم منه”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/60؛ والخطيب البغدادي، “تاريخ بغداد”، 16/441-442، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي.
وجاء عن الربيع بن سليمان أن الشافعي لما بلغه اختلاف أصحابه فيمن يجلس في حلقته قال:
“الحلقة للبويطي”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/60.
وبعد وفاة الإمام الشافعي سنة 204هـ، جلس البُوَيْطي في حلقته، وتصدر لتعليم الفقه ونشر علم شيخه بمصر.
علمه وزهده وعبادته
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في مطلع ترجمته:
“الإمام العلامة، سيد الفقهاء”.
وقال في وصفه:
“وكان إماما في العلم، قدوة في العمل، زاهدا ربانيا، متهجدا، دائم الذكر والعكوف على الفقه”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/58-59، طبعة مؤسسة الرسالة.
وقال الربيع بن سليمان رحمه الله:
“كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر الله”.
وقال:
“وما أبصرت أحدا أنزع بحجة من كتاب الله من البويطي”.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 12/59.
وكان رحمه الله كثير العبادة وتلاوة القرآن وصنائع المعروف، يجمع بين تعليم الناس والعمل بما يعلم.
أشهر مؤلفاته
من أشهر مصنفاته “مختصر البُوَيْطي”، وهو من الكتب المبكرة المهمة في نقل فقه الإمام الشافعي ومسائله.
وكان البُوَيْطي فقيهًا ذا نظر واجتهاد، يعظم الحديث النبوي ويحرص على اتباع الدليل.
ومن أخباره أن أبا بكر الأثرم ذكر له حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه في التيمم، بعدما قرأ عليهم من كتابه أن التيمم ضربتان، فغيّر ما في كتابه موافقة للحديث.
المصدر: ابن كثير، “طبقات الشافعيين”، ترجمة أبي يعقوب البُوَيْطي؛ والذهبي، “تاريخ الإسلام”، ترجمة البُوَيْطي في وفيات سنة 231هـ.
محنته في خلق القرآن
لما اشتدت محنة القول بخلق القرآن في الدولة العباسية، كان الإمام البُوَيْطي من العلماء الذين امتنعوا عن القول بأن القرآن مخلوق.
وقد نقل الربيع بن سليمان أن جماعة سعوا به إلى السلطة، حتى كتب أحمد بن أبي دؤاد إلى والي مصر في شأنه.
فامتحنه الوالي، فلم يجب إلى ما أرادوا منه.
وكان الوالي حسن الرأي فيه، فعرض عليه أن يجيب سرًا فيما بينهما، لكن البُوَيْطي امتنع؛ لأن الناس يقتدون به، وقد يحملون جوابه على غير حقيقته.
ثم أُمر بحمله من مصر إلى بغداد مثقلًا بالحديد.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/60-61.
الربيع بن سليمان يصف البُوَيْطي في جنازيره
روى الخطيب البغدادي بإسناده عن الربيع بن سليمان أنه قال:
“رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلا”.
المصدر: الخطيب البغدادي، “تاريخ بغداد”، 16/442-443، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.
وأورد ابن الجوزي الخبر من طريق الخطيب البغدادي.
المصدر: ابن الجوزي، “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم”، 11/174-176، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية.
وأورد الذهبي الخبر بلفظ “لبنة” بدل “طوبة”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/59.
فتأمل حال هذا الإمام الذي كان يتصدر مجلس الشافعي ويعلم الناس، ثم حُمل على بغل وفي عنقه الغل وفي رجليه القيد، وبينهما سلسلة تحمل ثقلًا مقداره أربعون رطلًا!
ماذا قال البُوَيْطي وهو في القيود؟
نقل الربيع بن سليمان أن البُوَيْطي كان يقول:
“إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقا خلق بمخلوق”.
ثم قال:
“ولئن أدخلت عليه لأصدقنه، يعني: الواثق، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/59-60، طبعة مؤسسة الرسالة.
وكان مراده أن الله تعالى خلق الخلق بأمره، وأن كلام الله غير مخلوق، فثبت على اعتقاده ولم يوافق القائلين بخلق القرآن.
من أعجب مواقفه في السجن
نقل أبو إسحاق الشيرازي عن الساجي أن البُوَيْطي كان إذا سمع مؤذن الجمعة وهو في السجن اغتسل ولبس ثيابه، ثم مشى حتى يبلغ باب الحبس.
فيقول له السجان:
“أين تريد؟”
فيقول:
“أجيب داعي الله”.
فيقول السجان:
“ارجع عافاك الله”.
فيقول البُوَيْطي:
“اللهم إنك تعلم أني قد أجبت داعيك فمنعوني”.
المصدر: أبو إسحاق الشيرازي، “طبقات الفقهاء”، ترجمة يوسف بن يحيى البُوَيْطي؛ وابن كثير، “طبقات الشافعيين”، ص163، طبعة دار الوفاء، تحقيق أنور الباز.
وهذا من أعظم ما يُروى في حرصه على الصلاة، فقد كان يحاول إجابة نداء الجمعة مع علمه بأن السجان سيمنعه من الخروج.
رسالة مؤثرة من سجنه
قال أبو عمرو المستملي إنه حضر مجلس محمد بن يحيى الذهلي، فقُرئت عليهم رسالة البُوَيْطي إليه، وفيها:
“والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث، لعل الله يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد، وقد عجزت عن أداء الفرائض من الطهارة والصلاة”.
قال الراوي:
“فضج الناس بالبكاء والدعاء له”.
المصدر: الذهبي، “تاريخ الإسلام”، 17/424، تحقيق عمر عبد السلام التدمري، دار الكتاب العربي.
فلم تكن شكواه مجرد شكوى من ألم الحديد والسجن، وإنما كان مما آلمه أن قيوده صارت تحول بينه وبين أداء العبادات على الوجه الذي يريد.
وفاته رحمه الله
بقي الإمام البُوَيْطي محبوسًا في بغداد، ولم يوافق القائلين بخلق القرآن، حتى توفي في رجب سنة 231هـ.
ونقل الخطيب البغدادي عن موسى بن هارون أنه قال:
“مات أبو يعقوب البويطي في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين”.
المصدر: الخطيب البغدادي، “تاريخ بغداد”، 16/444، تحقيق بشار عواد معروف.
وقال الحافظ الذهبي:
“مات الإمام البويطي في قيده مسجونا بالعراق في سنة إحدى وثلاثين ومائتين”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/61، طبعة مؤسسة الرسالة.
الخلاصة
كان الإمام أبو يعقوب البُوَيْطي رحمه الله من أجل أصحاب الإمام الشافعي، ومن أعلمهم بمذهبه، حتى اختاره شيخه لخلافته في مجلسه.
جمع بين الفقه والعبادة والزهد وتعظيم السنة، ثم ابتُلي في محنة خلق القرآن، فحُمل من مصر إلى بغداد وفي عنقه الغل وفي رجليه القيد، وبقي محبوسًا حتى مات في قيوده سنة 231هـ.
رحم الله الإمام البُوَيْطي رحمة واسعة، فقد ورث مجلس الشافعي في العلم، ثم ضرب مثالًا عظيمًا في الصبر والثبات حين جاءت المحنة.
مات مقيدًا، وبقي علمه وسيرته شاهدين على صبر العلماء وثباتهم.
أهم مصادر ترجمته
ــ الخطيب البغدادي، “تاريخ بغداد”، 16/440-444، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1422هـ.
ــ الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 12/58-61، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة.
ــ ابن الجوزي، “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم”، 11/174-176، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية.
ــ الذهبي، “تاريخ الإسلام”، 17/423-425، تحقيق عمر عبد السلام التدمري، دار الكتاب العربي.
ــ أبو إسحاق الشيرازي، “طبقات الفقهاء”، ترجمة أبي يعقوب البُوَيْطي.
ــ ابن كثير، “طبقات الشافعيين”، ترجمة أبي يعقوب البُوَيْطي، طبعة دار الوفاء، تحقيق أنور الباز.
رحم الله الإمام أبا يعقوب البُوَيْطي، وغفر له، وجزاه عن علمه وصبره وثباته خير الجزاء، وجمعنا به وبسائر أئمة السنة في جنات النعيم.

