
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإمام الشافعي رضي الله عنه
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله
ناصر الحديث، ومؤسس المذهب الشافعي، وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين
هو الإمام العلامة المجتهد أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الشافعي.
يلتقي نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، فالمطلب أخو هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام الذهبي في وصفه:
“الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/5–6.
### مولده ونشأته
ولد الإمام الشافعي سنة 150هـ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله.
والمشهور أن مولده كان في غزة بفلسطين، وقيل بعسقلان.
وقد نقل الذهبي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أن الشافعي قال:
“ولدت بغزة سنة خمسين ومائة وحملت إلى مكة ابن سنتين”.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/10–11.
نشأ الشافعي يتيم الأب في رعاية أمه، وكانت فقيرة حريصة على تعليمه وحفظ نسبه، فانتقلت به إلى مكة المكرمة وهو صغير.
وأقبل على حفظ القرآن الكريم، وتعلم الحديث والفقه واللغة العربية، وبرع في الفصاحة والشعر ومعرفة أنساب العرب.
وكان في بداية شبابه محبًا للرمي، حتى بلغ فيه مبلغًا عظيمًا، ثم انصرف إلى طلب العلم، فصار أحد أعلام الإسلام.
### طلبه للعلم ورحلاته
طلب العلم في مكة، ثم رحل إلى المدينة المنورة للأخذ عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله، وقرأ عليه كتابه “الموطأ”.
ثم رحل إلى اليمن، وانتقل إلى العراق، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، فجمع بين علم أهل الحجاز وعلم أهل العراق.
وزار بغداد أكثر من مرة، وذاع صيته فيها، ثم انتقل إلى مصر، حيث استقر بها وأملى كتبه ونشر مذهبه الجديد.
وكان للشافعي قول قديم اشتهر به في العراق، ثم أعاد النظر في عدد من اجتهاداته بعد انتقاله إلى مصر، فاشتهر مذهبه الجديد الذي رواه عنه أصحابه المصريون.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/5–10.
### أشهر شيوخه
تلقى الإمام الشافعي العلم عن عدد كبير من العلماء، ومن أشهرهم:
ــ الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المتوفى سنة 179هـ.
ــ سفيان بن عيينة، المتوفى سنة 198هـ.
ــ مسلم بن خالد الزنجي، مفتي مكة.
ــ داود بن عبد الرحمن العطار.
ــ محمد بن الحسن الشيباني، صاحب الإمام أبي حنيفة، المتوفى سنة 189هـ.
ــ عبد العزيز بن محمد الدراوردي.
ــ إسماعيل بن جعفر المدني.
ــ إبراهيم بن سعد الزهري.
ــ هشام بن يوسف الصنعاني.
وقد جمع الشافعي بين مدرسة الإمام مالك ومدرسة فقهاء العراق، مع عنايته الكبيرة بالحديث النبوي والآثار.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/6–8.
### أشهر تلاميذه
تخرج على الإمام الشافعي عدد من كبار الأئمة والمحدثين والفقهاء، ومن أشهرهم:
ــ الإمام أحمد بن حنبل، المتوفى سنة 241هـ.
ــ الإمام إسماعيل بن يحيى المزني، المتوفى سنة 264هـ، صاحب “مختصر المزني”.
ــ الإمام يوسف بن يحيى البويطي، المتوفى سنة 231هـ.
ــ الإمام الربيع بن سليمان المرادي، المتوفى سنة 270هـ، راوية كتب الشافعي ومذهبه الجديد.
ــ الإمام الحميدي عبد الله بن الزبير، المتوفى سنة 219هـ، صاحب “المسند”.
ــ الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، المتوفى سنة 240هـ.
ــ الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة 224هـ.
ــ حرملة بن يحيى التجيبي، المتوفى سنة 243هـ.
ــ يونس بن عبد الأعلى الصدفي، المتوفى سنة 264هـ.
ــ الحسن بن محمد الزعفراني، المتوفى سنة 260هـ، من رواة مذهبه القديم.
ــ إسحاق بن راهويه، المتوفى سنة 238هـ.
وقد نقل الذهبي أسماء جماعة كبيرة ممن رووا عن الشافعي، وذكر أن الدارقطني أفرد كتابًا في الرواة عنه.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/7–9.
### أشهر مؤلفاته
ترك الإمام الشافعي تراثًا علميًا عظيمًا في الفقه وأصوله والحديث، ومن أشهر مصنفاته:
ــ “الأم”، وهو من أعظم كتب الفقه، ويضم عددًا من مصنفاته ومسائله الفقهية، ورواه عنه الربيع بن سليمان المرادي.
ــ “الرسالة”، وهو من أقدم الكتب التي وصلتنا في أصول الفقه، وحرر فيه مسائل البيان والسنة والإجماع والقياس وخبر الواحد.
ــ “اختلاف الحديث”.
ــ “جماع العلم”.
ــ “إبطال الاستحسان”.
ــ “اختلاف مالك والشافعي”.
ــ “اختلاف العراقيين”.
ــ “الرد على محمد بن الحسن”.
ــ “أحكام القرآن”، وهو مجموع من كلامه في أحكام القرآن، جمعه الإمام البيهقي من مصنفاته.
وقد كان لكتاب “الرسالة” أثر عظيم في تأسيس علم أصول الفقه وتحرير قواعد الاستدلال بالكتاب والسنة.
المصدر: البيهقي، “مناقب الشافعي”، وابن حجر، “توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس”.
### عقيدة الإمام الشافعي رحمه الله
كان الإمام الشافعي من أئمة أهل السنة والحديث، شديد التعظيم للكتاب والسنة، محذرًا من الكلام المحدث والبدع، مثبتًا أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
ومن كلامه في الإيمان ما رواه تلميذه الربيع بن سليمان:
“الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/32–33.
وقد ناظر الشافعي حفصًا الفرد في مسألة خلق القرآن، وأقام عليه الحجة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/32.
وكان الشافعي شديد الاتباع للنصوص، مقدمًا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على آراء الرجال.
قال رحمه الله:
“كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/35، من رواية أبي ثور.
وقال:
“إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت”.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/78، من رواية الربيع بن سليمان.
وكان رحمه الله ينصح بلزوم أهل الحديث والعناية بالآثار.
فقد نقل عنه البويطي قوله:
“عليكم بأصحاب الحديث، فإنهم أكثر الناس صوابا”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/70.
### عبادته وزهده وتواضعه
كان الإمام الشافعي مع سعة علمه شديد العناية بالعبادة وتلاوة القرآن والصلاة.
قال الربيع بن سليمان:
“كان الشافعي قد جزء الليل، فثلثه الأول يكتب، والثاني يصلي، والثالث ينام”.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/35.
وكان لا يريد بعلمه الشهرة أو الانتصار لنفسه، بل ظهور الحق وانتفاع الناس.
قال الربيع بن سليمان: دخلت على الشافعي وهو مريض، فسألني عن أصحابنا، فقلت: إنهم يتكلمون، فقال:
“ما ناظرت أحدا قط على الغلبة”.
ثم تمنى أن يتعلم الناس كتبه دون أن ينسب إليه منها شيء.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/76–77.
### ثناء العلماء عليه
أثنى على الإمام الشافعي كبار أهل العلم، وفي مقدمتهم تلميذه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
قال أحمد:
“ما رأيت أحدا أتبع للأثر من الشافعي”.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/87.
وقال أبو ثور في وصف الإمام الشافعي:
“من زعم أنه رأى مثل الشافعي في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب”.
ونقل ذلك الحافظ العراقي في “طرح التثريب”.
وقد اشتهر الإمام الشافعي بلقب “ناصر الحديث”، لما كان له من أثر في تقرير حجية السنة النبوية والاحتجاج بالحديث والذب عن طريقة أهل الأثر.
### مرضه ووفاته
أصيب الإمام الشافعي في أواخر حياته بالمرض، وظل مشتغلًا بالعلم والعبادة حتى وفاته.
وروى الإمام المزني أنه دخل على الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال له:
“يا أبا عبد الله، كيف أصبحت؟”
فقال:
“أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها، أو إلى نار فأعزيها”.
ثم بكى رحمه الله.
المصدر: الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/75–76، وقال الذهبي عقب الخبر: “إسناده ثابت عنه”.
وتوفي الإمام الشافعي رحمه الله بمصر في آخر شهر رجب سنة 204هـ، وعمره نحو أربع وخمسين سنة، ودُفن بالقرافة في مصر.
المصدر: “سير أعلام النبلاء”، 10/76–77.
### أهم مصادر ترجمة الإمام الشافعي
ــ الذهبي، “سير أعلام النبلاء”، 10/5 وما بعدها، ترجمة الإمام الشافعي.
ــ البيهقي، “مناقب الشافعي”، الجزءان الأول والثاني.
ــ ابن أبي حاتم الرازي، “آداب الشافعي ومناقبه”.
ــ ابن كثير، “البداية والنهاية”، حوادث سنة 204هـ، ترجمة أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي.
ــ ابن حجر العسقلاني، “توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس”.
ــ الفخر الرازي، “مناقب الإمام الشافعي”.
ــ ابن عبد البر، “الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء”.
رحم الله الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة واسعة، فقد كان إمامًا في العلم والفقه والحديث واللغة، ناصرًا للسنة، معظمًا للآثار، مربّيًا لأجيال من العلماء الذين حملوا علمه ونشروه في الآفاق.
وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به وبسائر أئمة السنة في جنات النعيم.

