رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن المتدين بشرٌ وليس مَلَكًا.. لكن مواقف الأنبياء لا تُتخذ ذريعة لتبرير الأخطاء

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن المتدين بشرٌ وليس مَلَكًا.. لكن مواقف الأنبياء لا تُتخذ ذريعة لتبرير الأخطاء

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

المتدين بشرٌ وليس مَلَكًا.. لكن مواقف الأنبياء لا تُتخذ ذريعة لتبرير الأخطاء

#يقولون_ونصحح

▪️ كتب أحد الإخوة منشورًا يدافع فيه عن المتدين، وينتقد ما يراه مبالغةً من بعض الناس في محاسبته على مشاعره وتصرفاته. وخلاصة فكرته أن المتدين ليس مَلَكًا منزَّهًا عن المشاعر البشرية؛ فهو قد يحب المال والنجاح، ويحزن ويتألم، وقد يدعو على من ظلمه، ولذلك لا ينبغي أن نفتش في قلبه ونحاكمه لمجرد أنه متدين. واستدل على ذلك بعدة مواقف من القرآن الكريم:

● أولًا: سيدنا سليمان عليه السلام وطلب الملك قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 35] ثم بنى على ذلك أن الإنسان قد يطلب المال والنجاح والملك، وليس معنى ذلك بالضرورة أنه وقع في حب الدنيا المذموم. وقد استخدم لتوضيح فكرته قوله: «ليه الشيخ لو قال إن هو نفسه في فلوس كتير ونجاح كبير، تلاقي الكل داخل يفتش في قلبه: إيه يا مولانا؟ كل ده حب دنيا؟!»

● ثانيًا: مريم عليها السلام وشدة الألم قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23] واستدل بذلك على أن الإنسان قد يصل به الألم إلى أن يقول كلامًا شديدًا من شدة ما يجد، فلا ينبغي أن نسارع إلى اتهامه في إيمانه. وقد استخدم لتوضيح فكرته قوله: «تخيل مسلمة النهارده من شدة اللي هي فيه تقول: يا ريتني كنت موت! كام واحد هيطمن عليها؟ وكام واحد هيقولها: فين الرضا؟»

● ثالثًا: يعقوب عليه السلام وشدة الحزن قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84] فأراد أن يبين أن الحزن الشديد لا يعني بالضرورة عدم الرضا بقضاء الله. وقد استخدم لتوضيح فكرته قوله: «النهارده الأنطاع والجلوف اللي عاملين فيها مفيش مسلمين غيرهم لو شافوك في مصيبة يعاتبوك: الرضا بالقضاء فين؟!»

● رابعًا: نوح عليه السلام والدعاء على قومه قال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ۝ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26-27] ثم قال صاحب المنشور ما معناه: لماذا إذا دعا المظلوم اليوم على من ظلمه يبدأ الناس في لومه هو، ويقولون له: أين المسامحة؟ وكيف تدعو عليه وأنت متدين؟ وقد استخدم لتوضيح فكرته قوله: «ده ممكن الناس تسيب اللي ظلمه خالص وتمسك فيه هو! إنت متدين إزاي وتدعي عليه؟ قلبك أسود أوي يا مولانا! فين المسامحة؟»

ثم ختم فكرته بقوله: «يا ريت قبل ما تقول لحد: إزاي تعمل كدا وإنت متدين؟! اسأل الأول هو اللي عمله حرام أصلًا؟ ولا إنت اللي فاهم إن المتدين المفروض يبقى ملاك مش بني آدم؟»

⚫ وهنا تأتي الوقفة الشرعية الكلام السابق فيه جانب صحيح، وهو أن المتدين بشر، وأن التدين لا يعني أن الإنسان فقد مشاعره البشرية، وأنه لا يجوز لأحد أن يفتش في القلوب ويحكم على النيات بغير دليل. لكن الاستدلال بمواقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الطريقة يحتاج إلى تصحيح مهم. لأن هناك فرقًا بين أن نقول:

● المتدين بشر له مشاعر. وبين أن نقول:

● كل تصرف يشبه موقفًا وقع من نبي يصبح مشروعًا لأي إنسان. وهذا هو موضع الإشكال.

⚫ أولًا: لا بد أن نفرق بين المشاعر وبين الأحكام الشرعية.

الإنسان قد يحزن، ويغضب، ويحب المال، ويتمنى النجاح، ويتألم من الظلم. هذه أمور فطرية في الإنسان. لكن الشريعة لا تحاسب الإنسان على مجرد وجود الشعور في قلبه، وإنما تنظر أيضًا إلى ما يترتب على هذا الشعور من قول أو فعل.

• قد تحزن، وهذا ليس حرامًا.

• لكن قد يدفعك الحزن إلى قول محرم، فهنا يأتي الحكم.

• قد تغضب، والغضب شعور بشري.

• لكن لا يجوز أن يدفعك غضبك إلى ظلم إنسان.

• قد تحب المال.

• لكن لا يجوز أن تطلبه من حرام أو يمنعك حبه من أداء حقوق الله والعباد. إذن وجود الشعور شيء، والتصرف الناتج عنه شيء آخر.

⚫ ثانيًا: طلب سليمان عليه السلام الملك ليس دليلًا على حب الدنيا المذموم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 35] فلا يصح أن نجعل مجرد طلب المال أو النجاح أو المكانة دليلًا على فساد القلب.

• المال في نفسه ليس مذمومًا.

• والنجاح ليس مذمومًا.

• والقدرة على الإنفاق والإعانة ليست مذمومة. إنما المذموم أن تتحول الدنيا إلى غاية تفسد الدين، أو يُطلب المال من حرام، أو يُمنع حق الله وحق الناس بسببه. فالعبارة الصحيحة ليست: “لا تحب الدنيا”. بل: “لا تجعل الدنيا أكبر همك، ولا تجعل حبها يقودك إلى الحرام.”

⚫ ثالثًا: حزن يعقوب عليه السلام لا يعني أنه اعترض على قضاء الله قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84] وهذه الآية بالفعل تعلمنا درسًا عظيمًا: الحزن لا يساوي الاعتراض. ثم قال يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 86]

• فليس مطلوبًا من الإنسان عندما يُبتلى أن يبتسم طوال الوقت.

• وليس البكاء دليلًا على ضعف الإيمان.

• وليس الألم اعتراضًا على قضاء الله. فالرضا بالقضاء لا يعني أن الإنسان لا يتألم، وإنما يعني ألا يتحول ألمه إلى اعتراض على الله أو إلى محرم.

⚫ رابعًا: قول مريم عليها السلام: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ لا يعني أن تمني الموت يصبح مشروعًا في كل حالة قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23] نعم، الآية تبين شدة ما مرت به مريم عليها السلام. لكن لا يصح أن نحول مجرد وقوع هذه العبارة منها إلى حكم شرعي عام لكل إنسان يتمنى الموت بسبب البلاء. فالنبي ﷺ قال: «لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ من ضُرٍّ أصابه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي».

• إذن لا نسخر من المتألم. • ولا نتهمه في دينه لمجرد أنه عبّر عن شدة ألمه.

• وفي الوقت نفسه نرشده إلى ما جاءت به السنة من التعامل مع البلاء.

⚫ خامسًا: دعاء نوح عليه السلام على قومه لا يجعل كل دعاء على الظالم مشروعًا بلا ضوابط قال نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ۝ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26-27] وهذا الدعاء لم يأتِ في فراغ، بل جاء في سياق دعوة طويلة وإصرار قومه على الكفر والتكذيب والأذى. وفي المقابل، فإن الشريعة لم تمنع المظلوم من الدعاء مطلقًا. قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: 148] وقال النبي ﷺ: «واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».

• فالمظلوم له حق.

• لكن ليس معنى ذلك أن كل ما يقوله في لحظة الغضب يصبح جائزًا.

• ولا معنى العفو والمسامحة أن نلغي حق المظلوم في الشكوى أو المطالبة بحقه.

⚫ سادسًا: أين الخطأ الحقيقي في نظرتنا إلى المتدين؟ الخطأ أن بعض الناس يتعامل مع المتدين وكأنه مَلَك لا بشر. فإذا حزن قالوا: أين الرضا؟ وإذا غضب قالوا: أين الحلم؟ وإذا طلب المال قالوا: أين الزهد؟ وإذا طالب بحقه قالوا: أين العفو؟ وهذه النظرة غير صحيحة. المتدين ليس معصومًا. وقد يخطئ، وقد يضعف، وقد يحتاج إلى من ينصحه. لكن النصيحة تكون بالدليل والعدل، لا بالتشكيك في النيات، ولا بتحويل التدين إلى تهمة.

⚫ وفي المقابل: لا نجعل “أنا بشر” حجة لكل خطأ وهذه نقطة لا بد أن تكون واضحة أيضًا. أن تقول: “أنا بشر ولي مشاعر” هذا صحيح. لكن لا يصح أن تقول: “أنا بشر، إذن من حقي أن أفعل ما أشاء وقت الغضب.” فالشرع لم يطلب منك أن تلغي مشاعرك، لكنه طلب منك أن تضبط تصرفاتك بشرع الله.

• احزن، لكن لا تعترض على الله.

• اغضب، لكن لا تظلم.

• اطلب المال، لكن من حلال.

• دافع عن حقك، لكن لا تتجاوز.

• وإن كنت مظلومًا، فلك أن تطلب حقك، ولك أن تدعو في حدود الشرع.

⚫ الخلاصة المشكلة ليست في أن المتدين بشر. والمشكلة أيضًا ليست في أن للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مواقف فيها مشاعر بشرية.

المشكلة في القياس الخاطئ: أن نأخذ موقفًا لنبي، ونقتطع منه عبارة، ثم نجعلها مبررًا عامًا لكل تصرف مشابه. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أسوة في الإيمان والطاعة والصبر والعبودية لله، ومواقفهم تُفهم في ضوء الوحي والسياق والحكم الشرعي. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نطالب المتدين بأن يكون بلا مشاعر.

فالرضا لا يعني عدم الحزن.

والتدين لا يعني عدم حب الرزق.

والصبر لا يعني عدم الألم. والعفو لا يعني ضياع الحقوق.

والإنسانية لا تعني الانفلات من أحكام الشريعة. وهكذا يكون الميزان الصحيح: لا نجعل المتدين مَلَكًا لا يخطئ، ولا نجعل كونه بشرًا عذرًا لكل خطأ. بل نزن الجميع بميزان الشرع، بعدلٍ وعلمٍ ورحمة.