رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإبدال والإعلال في العربية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإبدال والإعلال في العربية

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الإبدال والإعلال في العربية: دراسة في التحولات الصرفية والصوتية

تمهيد

يُعَدّ الصرف العربي من أكثر المستويات اللغوية التي تكشف عن دقة النظام الداخلي للغة العربية وانتظامه؛ إذ لا تقتصر الظواهر الصرفية على تغيير صيغ الكلمات وبنياتها، وإنما تتفاعل فيها البنية الصرفية مع الخصائص الصوتية التي تحكم توالي الأصوات وتآلفها. ومن أبرز الظواهر التي تجسد هذا التفاعل الإبدال والإعلال، وهما ظاهرتان أساسيتان في الدرس الصرفي العربي، ارتبطتا بمسائل التغيير الذي يطرأ على بنية الكلمة عند الاشتقاق والتصريف.

وقد اهتم علماء العربية القدامى بهاتين الظاهرتين اهتمامًا بالغًا، فبحثوا في عللهما وشروطهما ومواضعهما، وربطوا كثيرًا من مظاهرهما بما أسموه «الاستثقال» و«التخفيف». أما الدرس اللساني الحديث، فقد أعاد النظر في هذه الظواهر من خلال التفاعل بين المستويات الصرفية والصوتية، فأصبح من الممكن تفسير كثير من عمليات الإبدال والإعلال باعتبارها تحولات منتظمة تفرضها بنية الكلمة والسياق الصوتي.

أولًا: مفهوم الإبدال

الإبدال في الاصطلاح الصرفي هو إقامة حرف مكان حرف آخر في بنية الكلمة وفق قواعد وضوابط معينة. ولا يعني ذلك أن التغيير يقع بصورة اعتباطية، بل إن الإبدال في العربية تحكمه سياقات صوتية وصرفية محددة.

ومن أمثلته ما يقع في بعض الصيغ من إبدال التاء طاءً لمجاورتها بعض الأصوات المستعلية، كما في نحو:

اصطبر ← اصتبر

حيث أبدلت التاء طاءً تأثرًا بالصاد، وذلك طلبًا للانسجام الصوتي والتخفيف في النطق.

ومن أمثلته كذلك ما يرد في بعض الأبنية من إبدال حروف معينة بأخرى نتيجة الخصائص الصوتية للأصوات المتجاورة.

وعليه، فالإبدال يمثل إحدى آليات التفاعل بين البنية الصرفية والبنية الصوتية؛ إذ تظل الوظيفة الصرفية للصيغة قائمة، بينما يتغير أحد أصواتها تبعًا لشروط صوتية أو صرفية.

ثانيًا: مفهوم الإعلال

الإعلال ظاهرة صرفية تتعلق، أساسًا، بالتغيير الذي يلحق حروف العلة: الألف والواو والياء، وقد يكون هذا التغيير بالقلب أو الحذف أو التسكين، بحسب السياق الصرفي والصوتي.

ومن أشهر صوره الإعلال بالقلب، كما في:

قال ← يقول

فالألف في «قال» تقابلها الواو في «يقول»، ويرتبط ذلك بتاريخ البنية الصرفية للكلمة وبقواعد التصريف.

ومن أمثلته أيضًا:

باع ← يبيع

حيث تظهر الياء في المضارع بعد أن كانت الألف ظاهرة في صيغة الماضي.

وقد يكون الإعلال بالحذف، كما في بعض الصيغ التي تحذف فيها حروف العلة تخفيفًا أو استجابةً لقاعدة صرفية معينة.

ثالثًا: أنواع الإعلال

يمكن التمييز، في التصنيف الصرفي التقليدي، بين صور أساسية للإعلال:

1. الإعلال بالقلب

وهو تحويل حرف علة إلى حرف علة آخر أو إلى صورة صوتية أخرى وفق قاعدة صرفية معينة.

ومن أمثلته ما يرتبط بتحول الواو أو الياء إلى ألف في بعض الأبنية، نحو:

قال، باع، صام.

2. الإعلال بالحذف

وهو حذف حرف العلة من بنية الكلمة في سياق صرفي معين، كما يظهر في بعض صيغ الأفعال المعتلة.

3. الإعلال بالتسكين

ويرتبط بجعل حرف العلة ساكنًا في بعض الأبنية، وما يترتب على ذلك من تغيرات صوتية وصرفية.

وتكشف هذه الأنواع عن أن الإعلال ليس مجرد تغيير شكلي، وإنما هو جزء من النظام التصريفي الذي تنتظم به أبنية الكلمات العربية.

رابعًا: العلاقة بين الإبدال والإعلال

على الرغم من أن الإبدال والإعلال يشتركان في كونهما ظاهرتين من ظواهر التغيير التي تصيب البنية الصرفية، فإن بينهما فرقًا اصطلاحيًا مهمًا.

فالإبدال أوسع من الإعلال من جهة الأصوات التي يمكن أن يشملها؛ إذ قد يقع بين أصوات صحيحة، في حين يرتبط الإعلال أساسًا بحروف العلة وما يطرأ عليها من قلب أو حذف أو تغيير.

ومن جهة أخرى، فإن الإبدال قد يكون نتيجة المماثلة الصوتية بين الأصوات المتجاورة، بينما يرتبط الإعلال غالبًا بالبنية الصرفية لحروف العلة وبالقواعد التي تحكم توزيعها داخل الكلمة.

ومع ذلك، فإن الفصل بين الظاهرتين لا يمنع وجود تداخل بينهما، خصوصًا عند النظر إليهما من منظور لساني حديث يجعل الظاهرة الصرفية متفاعلة باستمرار مع النظام الصوتي.

خامسًا: الإبدال والإعلال ومبدأ التخفيف

يحتل مبدأ التخفيف مكانة بارزة في تفسير عدد من الظواهر الصوتية والصرفية في العربية. فقد لاحظ علماء العربية أن بعض التحولات التي تصيب الأصوات ترتبط بمحاولة تجنب الثقل في النطق وتحقيق قدر أكبر من الانسجام بين الأصوات.

ومن هذا المنظور يمكن فهم جانب من الإبدال والإعلال بوصفهما آليتين للتكيف الصوتي داخل البنية الصرفية.

فحين تتجاور أصوات ذات خصائص نطقية متقاربة أو متعارضة، قد يحدث تغيير في أحدها حتى تصبح عملية النطق أكثر انسجامًا. كما أن حروف العلة، بحكم طبيعتها الصوتية وموقعها في البنية المقطعية، تخضع لتحولات متعددة أثناء التصريف والاشتقاق.

وهنا تتقاطع الرؤية التراثية التي تحدثت عن الثقل والخفة مع التصورات اللسانية الحديثة التي تفسر بعض التغيرات بمفاهيم مثل الانسجام الصوتي، والمماثلة، والتنافر، والاقتصاد في الجهد النطقي.

سادسًا: الإبدال والإعلال في ضوء اللسانيات الحديثة

يسمح الدرس اللساني الحديث بإعادة قراءة الإبدال والإعلال بعيدًا عن النظر إليهما باعتبارهما مجرد استثناءات في النظام الصرفي. فالتحولات التي تبدو لأول وهلة غير منتظمة يمكن، في كثير من الحالات، تفسيرها باعتبارها ناتجة عن قواعد تعمل في بيئات صوتية وصرفية محددة.

وتكشف هذه الظواهر عن الطبيعة التفاعلية للغة؛ فالصرف لا يعمل بمعزل عن الصوتيات، كما أن التغير الصوتي قد يكون مشروطًا بالبنية الصرفية للكلمة.

ومن هنا يمكن النظر إلى الإبدال والإعلال باعتبارهما عمليتين صرفيتين ذواتي مكوّن صوتي واضح، تتجلى من خلالهما قدرة اللغة على الحفاظ على الوظائف الصرفية مع إجراء تعديلات على البنية الصوتية.

سابعًا: القيمة اللسانية للظاهرتين

تكمن أهمية دراسة الإبدال والإعلال في كونهما يكشفان عن جانب أساسي من جوانب انتظام العربية. فالكلمة العربية لا تُبنى من أصوات متجاورة بصورة عشوائية، وإنما تخضع بنيتها لمجموعة من القيود والقواعد التي تحدد إمكانات التصريف والتحول.

كما أن هاتين الظاهرتين تساعدان على فهم العلاقة بين الجذر والوزن؛ فالتغيير الذي يصيب أحد عناصر البنية لا يؤدي بالضرورة إلى فقدان الهوية الصرفية للكلمة، وإنما يجري داخل نظام يسمح للمتكلم بالتعرف إلى العلاقات بين الصيغ المختلفة.

وتكتسب الظاهرة أهمية إضافية في الدراسات المعاصرة التي تبحث في الصرف التصريفي، والصرف المعجمي، والتفاعل بين الصرف والصوتيات.

خاتمة

يمثل الإبدال والإعلال مظهرين بارزين من مظاهر التفاعل بين الصرف والصوت في العربية. فالإبدال يقوم على استبدال صوت بآخر في سياقات محددة، بينما يرتبط الإعلال بصورة أساسية بالتغيرات التي تلحق حروف العلة، من قلب وحذف وتسكين وغيرها.

وقد استطاع علماء العربية الأوائل أن يصفوا عددًا كبيرًا من هذه التحولات ويصنفوا مواضعها، وربطوا جانبًا منها بمفاهيم الثقل والخفة. أما اللسانيات الحديثة، فقد أتاحت إعادة تفسير هذه الظواهر ضمن مفاهيم أوسع تتصل بالتفاعل بين البنية الصرفية والبنية الصوتية.

وبذلك لا ينبغي النظر إلى الإبدال والإعلال بوصفهما مجرد ظواهر استثنائية، بل باعتبارهما آليتين منتظمتين من آليات اشتغال النظام الصرفي العربي، تكشفان عن مرونة اللغة وقدرتها على التوفيق بين المحافظة على البنية الصرفية وتحقيق الانسجام الصوتي.

مراجع

– سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة.

– ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

– ابن جني، سر صناعة الإعراب، تحقيق حسن هنداوي، دار القلم.

– ابن يعيش، شرح المفصل، عالم الكتب، بيروت.

– ابن عصفور، الممتع في التصريف، تحقيق فخر الدين قباوة، دار الآفاق الجديدة.

– الرضي الاستراباذي، شرح شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد نور الحسن وآخرين.

– إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، مكتبة الأنجلو المصرية.

– عبد القادر عبد الجليل، علم الصرف الصوتي، دار أزمنة.