
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم التشبه بغير المسلمين في اللباس
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
حكم التشبه بغير المسلمين في اللباس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
الأصل في اللباس الإباحة، فللمسلم أن يلبس ما يشاء من الملابس المصنوعة له سواء كان ذلك من صنع المسلمين أو غيرهم.
ولم يكن الصحابة -رضي الله عنهم- يخصصون لأنفسهم لباساً خاصاً بعد إسلامهم، بل كانوا يلبسون من الثياب ما هو متاح. فقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم الجبة الشامية والحلة اليمنية، وصناعتهما لم تكن بأيدي المسلمين. وعليه، فإن العبرة في اللباس تكمن في مدى موافقته للشروط الشرعية.
وقد ورد النهي عن التشبه بالكفار، سواء في اللباس أو غيره. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من تشبه بقوم فهو منهم” (رواه أبو داود، وصححه العراقي والألباني). وهذا نهي عام عن التشبه بالكفار في أمورهم، بما في ذلك اللباس.
وفي حديث آخر نهانا النبي صلى الله عليه وسلم بشكل خاص عن التشبه بهم في لباسهم، حيث قال لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- حين رآه يرتدي ثوبين معصفرين: “إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها” (رواه مسلم). وكذلك كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى المسلمين في أذربيجان: “إياكم والتنعم وزي أهل الشرك” (رواه مسلم).
ويُفهم من هذا أن الثياب التي يحرم على المسلمين ارتداؤها هي تلك التي يختص بها الكفار ولا يرتديها غيرهم.
أما ما يشترك فيه المسلمون والكفار من لباس، فلا حرج في لبسه ولا كراهة، طالما أنه لا يعد من خصائص الكفار.
أما فيما يتعلق بلبس البنطلون أو البدلة، فإن الأصل في ذلك الإباحة، لأنه من العادات التي لم يرد دليل شرعي على تحريمها، كما قال تعالى: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ” (الأعراف: 32). ويستثنى من هذا ما دل الدليل على تحريمه أو كراهته، مثل لبس الحرير للرجال، أو اللباس الذي يصف العورة بكونه شفافاً أو ضيقاً.
أما الملابس التي لا يتميز بها الكفار وحدهم، وانتشرت بين المسلمين، فإنها لا تدخل في حكم التشبه بالكفار. ولا يكون لبسها محرماً من باب التشبه إلا إذا كان هناك تحريم من وجه آخر، كأن تكون الملابس من خصائص النساء ولا يجوز للرجال ارتداؤها والعكس.
وقد أشار العلماء إلى أن التشبه المحرم هو في ما يختص به الكفار فقط. ففي “فتح الباري” (10/272) ذكر أن بعض السلف كره لبس البرنس لأنه من لباس الرهبان، ولكن مالك -رحمه الله- رأى أنه لا بأس به لأنه أصبح شائعاً بين الناس، ولم يعد من خصائص النصارى.
إن الأصل في اللباس والزينة، كما هو الحال مع سائر المنافع، الإباحة والجواز ما لم يظهر دليل واضح يقتضي التحريم. وبعض العلماء يرى أن التشبه بالكفار في اللباس والزينة، وغيرها من العادات، لا يصل إلى درجة التحريم.
وفي «شرح المنتهى» لابن النجار، ورد: “وتكره (أي: في جميع الأحوال، سواء في الصلاة أو خارجها) مطلقًا (تشبه بالكفار)؛ مستندين إلى ما رواه ابن عمر موقوفًا: “من تشبه بقوم فهو منهم”، رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح.” انتهى.
ومع ذلك، هناك من العلماء من قيد النهي بقصد التشبه، أي أنه لا يكون مكروهًا إلا إذا كان القصد هو محاكاة الكفار أو تبني عاداتهم بقصد الاندماج معهم أو تقليدهم بشكل مقصود.
وبناء على ما سبق، فإنه يحرم على المسلم التشبه بالكفار فيما يختص بهم من اللباس، أما ما لا يختص بهم فلا حرج فيه، والله أعلم.

