
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز وزير الشباب الأسبق وعضو الإتحاد
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
« الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز.. عالم الجغرافيا ورجل الدولة وحارس الذاكرة الجغرافية المصرية : صفحة مضيئة في تاريخ العلم الوطني.. ومسيرة جمعت بين الجغرافيا والجامعة والدولة والانتماء القومي![]()
![]()
».
مقدمة : – رحم الله رئيس الجمعية الجغرافية المصرية ووزير الشباب ومدير معهد البحوث والدراسات العربية، وأحد أعلام المدرسة الجغرافية المصرية والعربية
– «إن الرجال الكبار لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه في أوطانهم من علمٍ وفكرٍ ومؤسساتٍ وتلاميذ ومواقف، وحين يكون العالم صاحب رسالة وطنية، يصبح رحيله غيابًا للجسد وبقاءً للأثر».
– حين يصبح العالِم جزءًا من ذاكرة الوطن، في تاريخ مصر العلمي والفكري رجال لم تكن الجامعة بالنسبة إليهم مجرد مكان للعمل، ولم يكن العلم لديهم مجرد تخصص أكاديمي، ولم تكن المناصب العامة غاية في ذاتها، وإنما رأوا في العلم رسالة، وفي الجامعة مسؤولية، وفي خدمة الدولة واجبًا، وفي الانتماء إلى مصر شرفًا لا يعلوه شرف.
– ومن بين هذه القامات يبرز اسم الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز رحمه الله تعالى أحد أعلام الجغرافيا المصرية والعربية في العصر الحديث الذي امتدت مسيرته بين الجامعة والبحث العلمي والعمل المؤسسي والمسؤولية العامة وخدمة الثقافة الجغرافية المصرية والعربية.
– وُلد محمد صفي الدين أبو العز عام 1929، ورحل عن عالمنا في 25 فبراير 2015، بعد رحلة طويلة من العطاء العلمي والوطني. وقد نعته جريدة الأهرام بصفته رئيس الجمعية الجغرافية المصرية ووزير الشباب الأسبق.
– لم يكن أبو العز اسمًا عابرًا في تاريخ الجغرافيا المصرية، بل مثّل حلقة مهمة في سلسلة الرواد الذين جعلوا من الجغرافيا علمًا لفهم الأرض والإنسان والدولة والمجتمع والتنمية والمصالح الوطنية.
أولًا: عالمٌ آمن بأن الجغرافيا معرفةٌ بالوطن.
– تكشف مسيرة الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز عن مفهوم واسع للجغرافيا، مفهوم لا يحصرها في وصف التضاريس أو رسم الخرائط، وإنما ينظر إليها بوصفها أداة لفهم الدولة وموقعها ومواردها وعلاقاتها ومجالها الإقليمي.
– وقد ارتبط اسمه أكاديميًا بقسم الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، كما تشير المصادر التي تناولت سيرته إلى حصوله على الدكتوراه من جامعة درم البريطانية عام 1953، وإلى مسيرة أكاديمية وبحثية تجاوزت ستة عقود.
– وهنا تتجلى إحدى أهم رسائل سيرته أن الجغرافيا الوطنية الحقيقية ليست علمًا منعزلًا عن المجتمع، بل معرفة تساعد الدولة والمواطن على إدراك المكان الذي يعيش فيه، وفهم إمكاناته وتحدياته وصلاته بالعالم المحيط.
– وكانت رؤيته العلمية تؤكد أهمية الموقع الجغرافي والاستراتيجي لمصر، وصلاتها بمحيطها العربي، ودور المعرفة الجغرافية في تعميق الوعي القومي.
ثانيًا: الأستاذ الذي لم ينته أثره بانتهاء المحاضرة.
– إن أعظم ما يتركه الأستاذ الجامعي ليس كتابًا واحدًا، ولا بحثًا منفردًا، وإنما مدرسة علمية وأجيالًا من الباحثين.
– وقد أشارت الكتابات التي تناولت مسيرة أبو العز إلى إشرافه على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، وانتشار تلاميذه وباحثيه في أنحاء الوطن العربي.
– وهذه هي إحدى صور الخلود الأكاديمي الحقيقي، فعندما يرحل الأستاذ ويبقى منهجه في تلاميذه، وأسئلته العلمية في بحوثهم، وقيمه الأكاديمية في جامعاتهم، فإنه لا يغادر المؤسسة العلمية بالكامل، بل يستمر فيها بصورة أخرى.
– لقد كان أبو العز من جيل أساتذة الجامعة الذين أدركوا أن بناء الباحث لا يقل أهمية عن إنتاج البحث، وأن الأستاذ الجامعي مسؤول عن تكوين العقل العلمي قبل تلقينه المعلومة.
ثالثًا: محمد صفي الدين أبو العز والجمعية الجغرافية المصرية.. مسؤولية حمل تراث مؤسسة وطنية عريقة.
– تكتسب رئاسة الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز للجمعية الجغرافية المصرية دلالة خاصة، فهذه الجمعية ليست مؤسسة علمية عادية، وإنما واحدة من أعرق المؤسسات الجغرافية، وقد تأسست في عهد الخديوي إسماعيل سنة 1875، وتراكم داخلها على امتداد تاريخها تراث ضخم من الكتب والخرائط والأطالس والدوريات والمقتنيات.
– وتشير المصادر العلمية التي أرخت لمطبوعات الجمعية إلى تولي أبو العز رئاستها بعد الأستاذ الدكتور سليمان حزين سنة 1993، فيما تسجل المصادر اللاحقة امتداد رئاسته حتى عام 2015.
– وبذلك حمل مسؤولية مؤسسة سبقه إلى قيادتها عدد من أعلام مصر، وأصبح الحفاظ على تاريخها واستمرار رسالتها العلمية جزءًا أصيلًا من مسؤوليته.
– ولم تكن الجمعية في عهده مجرد مقر تاريخي يحتفظ بالماضي، وإنما استمرت مساحةً للندوات والمؤتمرات والحوار العلمي. ومن الأمثلة الموثقة تنظيم الجمعية عام 1995 ندوة علمية حول جغرافية الجريمة: مناهجها وأبعادها وتطبيقاتها بإشراف محمد صفي الدين أبو العز، ثم صدرت أعمالها عن الجمعية عام 1996.
– كما ارتبط اسمه بمناقشة قضايا جغرافية وبيئية مصرية مباشرة، وتشير المصادر إلى ترؤسه أنشطة تناولت مشكلات بحيرة مريوط، وإلى ترؤسه مؤتمر الجمعية حول «التعايش مع هيئة الأرض» الذي عقد بالإسكندرية عام 2008.
– وهكذا يصبح تكريمه أيضًا تكريمًا لفكرة الجمعية العلمية الوطنية التي تحفظ الذاكرة، وتنتج المعرفة، وتربط الأجيال، وتضع العلم في خدمة المجتمع.
رابعًا: من الجامعة إلى المسؤولية العامة.. العالم في خدمة الدولة
– لم تتوقف مسيرة أبو العز عند حدود الجامعة والجمعية العلمية، بل انتقلت إلى المسؤولية العامة، إذ تولى وزارة الشباب، وتورد المصادر التاريخية أنه شغل هذا المنصب في الجمهورية العربية المتحدة خلال الفترة 1968–1970.
– وهذه التجربة تكشف بعدًا آخر في شخصيته انتقال الأكاديمي من دراسة المجتمع إلى المشاركة في إدارة إحدى مؤسساته.
– فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية في بناء الدولة، إنهم طاقتها البشرية الممتدة إلى المستقبل، ومن ثم فإن انتقال عالم وأستاذ جامعي إلى مسؤولية تتصل بالشباب يعكس تلك الصلة المهمة بين المعرفة وصناعة الإنسان.
– لقد جمع أبو العز في مسيرته بين قاعات المحاضرات ومنابر البحث العلمي ومؤسسات الدولة، وهي مسارات مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند مفهوم واحد:
– خدمة الإنسان والوطن.
خامسًا : معهد البحوث والدراسات العربية.. من مصر إلى المجال العربي.
– امتد عطاؤه كذلك إلى معهد البحوث والدراسات العربية حيث تولى إدارته، وهو المعهد المرتبط بالعمل الثقافي والعلمي العربي المشترك.
– وتشير المصادر إلى فترات توليه إدارة المعهد، كما توثق كتابات عن مسيرته أن المعهد شهد خلال إدارته نشاطًا علميًا وإصدارات في مجالات التاريخ واللغة والجغرافيا والاقتصاد إلى جانب استضافة باحثين ومفكرين عرب.
– وهنا اتسعت دائرة رسالته:
– من جامعة القاهرة إلى الفضاء الجامعي العربي.
– ومن الجمعية الجغرافية المصرية إلى خدمة المعرفة الجغرافية.
– ومن المسؤولية الوزارية إلى خدمة الشباب.
– ومن مصر إلى فضائها العربي.
– ولذلك يصعب قراءة تجربته باعتبارها سيرة أستاذ متخصص فحسب، فهي سيرة عالم عاش في زمن كان فيه الأستاذ الجامعي حاضرًا في قضايا الدولة والأمة، ومشاركًا في بناء المؤسسات وصناعة الوعي العام.
سادساً : الجغرافيا في خدمة القضايا الوطنية والقومية.
– لعل الجانب الأكثر دلالة في تجربة محمد صفي أبوالعز هو إيمانه بأن المعرفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب.
– وقد ظهر ذلك في اهتمامه بالقضايا المصرية والعربية، وفي استخدام المعرفة الجغرافية والتحليل العلمي في تناول قضايا تتصل بالحدود والسيادة والمجال الإقليمي.
– ومن الشهادات المهمة على امتداد دوره العربي ما أورده مركز البحوث والدراسات الكويتية في تأبينه عام 2015، إذ أشار إلى مشاركته بعد الغزو العراقي للكويت مع فريق علمي متخصص في إعداد عمل علمي للرد على الادعاءات المتعلقة بالكويت وحدودها، وإلى نشاطه في الندوات والمحاضرات المرتبطة بالقضية، كما أشار المركز إلى تكريمه في الكويت عام 2014 تقديرًا لمواقفه.
– وهذه الصفحة من حياته تختصر فلسفة مهمة:
– أن الخريطة ليست خطوطًا صامتة، وأن الجغرافيا حين تتصل بالحدود والسيادة والهوية تتحول إلى إحدى أدوات الدفاع العلمي عن حقوق الدول والشعوب.
سابعًا: رجل المؤسسة وحارس الذاكرة العلمية.
– كان أبو العز ينتمي إلى مدرسة تدرك أن المؤسسات العلمية أكبر من الأشخاص، وأن واجب القيادة ليس فقط إدارة الحاضر، وإنما تسليم المؤسسة إلى الجيل التالي وهي أكثر قدرة على أداء رسالتها.
– وتزداد أهمية ذلك عند الحديث عن الجمعية الجغرافية المصرية بما تمتلكه من تراث علمي استثنائي، فموقع الجمعية الرسمي يشير اليوم إلى احتفاظها بعشرات الآلاف من المجلدات، وأكثر من 12 ألف خريطة وأكثر من 600 أطلس، إلى جانب مئات الدوريات العلمية.
– ومن هنا فإن رئاسة مؤسسة بهذا العمق التاريخي لم تكن مجرد منصب شرفي، بل كانت مسؤولية تجاه ذاكرة مصر الجغرافية.
– لقد تعاقبت أجيال من كبار الجغرافيين المصريين على قيادة الجمعية بعد ثورة يوليو، ويضع التاريخ الرسمي للجمعية اسم محمد صفي الدين أبو العز ضمن سلسلة ضمت مصطفى عامر وسليمان حزين، ثم جاء بعده السيد السيد الحسيني.
– إنها سلسلة مؤسسية، لكل حلقة فيها دورها، ويبقى أبو العز واحدًا من أبرز من حملوا أمانتها خلال مرحلة طويلة من تاريخها الحديث.
ثامنًا : إرث الأستاذ.. الإنسان قبل المنصب.
– وراء الألقاب الرسمية- الوزير، ورئيس الجمعية، ومدير المعهد، والأستاذ الجامعي- تبقى القيمة الأهم هي الإنسان.
– وقد وصفه مركز البحوث والدراسات الكويتية في نعيه بوصفه نموذجًا للأستاذ الجامعي صاحب الرسالة العلمية والبحثية، وأشاد بما مثله من قيم أخلاقية وعلمية ووطنية وقومية، وبإسهامه في تكوين أجيال من الباحثين.
– وهنا يكمن الفارق بين صاحب المنصب وصاحب الرسالة:
– المناصب تنتهي، أما الرسالة فتبقى.
– والوظيفة لها تاريخ بداية ونهاية، أما الأستاذ الذي يزرع العلم في عقول أجيال متتابعة فإن أثره قد يستمر لعقود بعد رحيله.
– في رثاء العالم الوطني الكبير
– رحم الله الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز…
– رحم الله عالمًا حمل الجغرافيا علمًا ورسالة.
– رحم الله أستاذًا علّم أجيالًا أن معرفة الوطن تبدأ بمعرفة أرضه وإنسانه وموقعه وإمكاناته.
– رحم الله رجلًا عبر من الجامعة إلى الدولة دون أن يتخلى عن هوية الأستاذ والباحث.
– رحم الله رئيسًا حمل أمانة واحدة من أعرق الجمعيات الجغرافية في العالم، وصان استمرار رسالتها العلمية في مرحلة مهمة من تاريخها.
– رحم الله رجلًا آمن بمصر، وبمكانها ومكانتها، وبامتدادها العربي، وبأن العلم يمكن أن يكون قوة هادئة تدافع عن الحقوق وتصنع الوعي وتحفظ الذاكرة.
– لقد غاب الجسد في 25 فبراير 2015، ولكن بقي الاسم في سجل الجغرافيا المصرية، وبقيت الكتب والبحوث والتلاميذ والمؤسسات والمواقف شواهد على رحلة تجاوزت حدود الوظيفة والمنصب.
– من صفي الدين أبو العز إلى أجيال الجغرافيين الجدد.. رسالة لا ينبغي أن تنتهي.
– إن الوفاء الحقيقي للعلماء لا يكون فقط بإحياء ذكراهم، وإنما بإحياء قيمهم العلمية:
– أن تبقى الجغرافيا المصرية مرتبطة بقضايا مصر.
– أن تتحول الخرائط إلى أدوات للتحليل والتخطيط وصنع القرار.
– أن تُصان الوثائق والخرائط والأطالس التاريخية باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية.
– أن تظل الجمعيات العلمية مستقلة برسالتها، قوية بعلمائها، متصلة بجامعاتها، مفتوحة أمام شباب الباحثين.
– أن يتعلم الجغرافي أن تخصصه ليس جدران قسم أكاديمي، وإنما علم يتصل بالأمن القومي والتنمية والسكان والموارد والعمران والحدود والبيئة والنقل والمياه والتغير المناخي والتحولات الجيوسياسية.
– وأن تبقى الجمعية الجغرافية المصرية بيتًا للمعرفة الجغرافية المصرية والعربية، يربط تاريخ الرواد بأدوات المستقبل.
– ذلك هو التكريم الذي يليق بأستاذ كبير من طراز محمد صفي الدين أبو العز.
– الخاتمة: الرجال يرحلون.. والمؤسسات تحفظ أسماء بناة تاريخها.
– في النهاية لا نرثي الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز باعتباره رجلًا رحل فحسب وإنما نستعيد صفحة من صفحات تاريخ العلم المصري الحديث.
– صفحة اجتمعت فيها الجامعة مع الدولة، والجغرافيا مع الوطن، والبحث العلمي مع المسؤولية العامة، ومصر مع محيطها العربي.
– لقد رحل الأستاذ…
– ورحل الوزير…
– ورحل رئيس الجمعية…
– ورحل مدير المعهد…
– لكن العالم لم يرحل من ذاكرة العلم.
– بقي في تلاميذه.
– وبقي في بحوثه وأفكاره.
– وبقي في تاريخ جامعته.
– وبقي اسمه محفورًا في سجل رؤساء الجمعية الجغرافية المصرية.
– وبقيت سيرته شاهدًا على زمن كان فيه العالم المصري قادرًا على أن يجلس في قاعة المحاضرات صباحًا، ويناقش قضايا وطنه وأمته مساءً، ويحمل مسؤولية مؤسسة علمية أو عامة وهو يدرك أن المنصب تكليف، وأن المعرفة مسؤولية، وأن مصر تستحق من علمائها أكثر من العلم لذاته.
– سلامٌ على روح الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز.
– سلامٌ على واحد من أبناء المدرسة الجغرافية المصرية العريقة.
– سلامٌ على عالمٍ جعل من الجغرافيا نافذةً لفهم الوطن.
– سلامٌ على أستاذٍ بقي بعد رحيله حاضرًا بما علّم، وبمن علّم، وبما ترك.
– ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجزيه عن علمه وتلاميذه ووطنه وأمته خير الجزاء، وأن يجعل ما قدمه من علم نافع في ميزان حسناته.
– رحم الله الأستاذ الدكتور محمد صفي الدين أبو العز رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
– وستظل مصر وفية لعلمائها وروادها، وستظل الجمعية الجغرافية المصرية حافظةً لذاكرة رجالٍ أدركوا أن خدمة الجغرافيا هي في جانب منها خدمةٌ لمصر ذاتها.
– تحيا مصر بعلمائها.. تحيا مصر بمؤسساتها.. وتحيا مصر بذاكرتها العلمية والوطنية

