رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الصحافة الورقية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الصحافة الورقية

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

فى البدء، كان هناك بطل واحد لا يقهر.. «الصحافة الورقية». كانت هى الملجأ الوحيد حيث بدأت بمخاطبة النخبة والتجار، ثم كبرت لتصبح لسان حال الشعب. ورغم ظهور الراديو والتلفزيون، ظل الورق هو «البطل» الصامد.. حتى ظهر المنافس الأشرس: الصحافة الإلكترونية.

من أبطال الصحافة.. إلى «مجانين الترند»!

وهنا تحول المتلقى إلى مشارك بل صانع رغم مميزاته فى ظهور صوت الشعب إلا أنه لم يكن الأمر مجرد تحديث تقني، بل كان زلزالا ضرب أركان الإعلام. تحول ملمس الورق إلى بريق شاشات، وغرف الأخبار إلى منصات مدمجة عابرة للحدود. حيث أصبح القارئ يمتلك مطبعته الخاصة فى جيبه (السوشيال ميديا) يشارك، يصنع، ويحلل المحتوى، لتصبح المعلومة «تفصيلا» على مقاس عقل كل مستخدم.

حين يتفوق التلميذ على أستاذه!

السؤال الوجودى الآن: هل حان وقت اعتزال الأستاذ (الورقي) أمام تلميذه (الإلكتروني)؟

وهل يصمد إرث الورق أمام طوفان السرعة؟ وهل السرعة تعنى الحقيقة؟ أم أن الحقيقة بطبيعتها بطيئة؟ وماذا سيحدث بعد 30 عاما من الآن، حين يختفى جيل القراء الذين ارتبطت قهوتهم الصباحية برائحة الجرائد؟ نحن أمام واقع قد تخلو فيه الميادين من الباعة، لتصبح الشاشة هى نافذتنا الوحيدة (والإجبارية) للحقيقة

نبوءات «الورق الخاسر».. أرقام تصدم العالم

هذا الصراع ليس مجرد خيال، فتقارير «رويترز» تنقل صدمة من قلب لندن؛ حيث توقع رئيس الشركة المالكة لصحف عالمية مثل (Mirror) و (Express) أن الإصدارات الورقية ستتحول إلى «خاسرة» خلال 6 إلى 8 سنوات فقط! ورغم هذا التشاؤم الاقتصادي، تحاول مؤسسات كبرى مثل (Reach) إنقاذ ما يمكن إنقاذه، معتبرة الورق «إرثا» يجب الحفاظ عليه كقيمة، حتى لو أصبح عبئا ماليا.

الملاذ الأخير.. حارس المصداقية فى زمن الزيف

فى النهاية، سيظل الإعلام الورقى هو رمز الوقار المهني، بعيدا عن ضجيج «الترند» ولهث المشاهدات. سيبقى الورق مؤسسة فكرية يقودها رواد حقيقيون، فى زمن كان المعيار فيه هو «الجودة والرقي» لا مجرد «السرعة».

فقيمة الورق تكمن فى ترفعه عن «التفاهة» لجذب الانتباه، والتركيز على خبر حقيقى يقف خلفه أبطال يدركون أن الكلمة أمانة. ومهما بلغت سطوة التكنولوجيا فى زمن تُقاس فيه الحقيقة بعدد المشاركات، يظل الورق شاهدا على أن المصداقية لا تُقاس بالترند.

جدل «الكيان الموحد».. بين تنظيم المهنة ومخاوف تقييد الاستقلال

وفي خضم هذا الجدل حول مستقبل الصحافة، جاءت دعوة الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، خلال لقائه برؤساء تحرير عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية، إلى تشكيل كيان موحد تجتمع تحته المواقع الإلكترونية باعتبارها مؤسسات وليس أفرادا، لتعيد فتح النقاش حول شكل الصحافة الإلكترونية ومستقبلها.

وأثارت الدعوة حالة من الجدل وانقسام الآراء بين مؤيد يرى في وجود كيان موحد خطوة لتنظيم العمل الصحفي الإلكتروني، وتوحيد صوت المؤسسات في مناقشة مشكلاتها والدفاع عن حقوقها، وبين معارض يرى أن استقلال كل مؤسسة ومنصة في رؤيتها التحريرية يظل جزءا أساسيا من التنوع الإعلامي.

وأكد رشوان خلال اللقاء أن «المهنية هي الحل»، مشيرا إلى أن دور وزارة الدولة للإعلام يتمثل في إتاحة المعلومات الدقيقة للصحافة والإعلام بالشكل المناسب وفي الوقت المناسب، إلى جانب التأكيد على الحقوق والحريات وحرية تداول المعلومات.

من «الكيان الموحد» إلى نقابة الصحفيين.. هل يحتاج القانون إلى تعديل؟

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كان الهدف هو تنظيم أوضاع المواقع الإلكترونية والعاملين بها، فهل يكفي إنشاء كيان موحد يجمع هذه المؤسسات، أم أن الأمر يحتاج إلى خطوة أوسع تتعلق بالإطار القانوني المنظم لمهنة الصحافة؟

فمع اتساع مساحة الصحافة الإلكترونية وتزايد أعداد الصحفيين والعاملين في المؤسسات والمنصات الرقمية، تبرز الحاجة إلى مناقشة مدى استيعاب التشريعات الحالية لهذا التطور، وما إذا كان إدماج الفئات التي ينطبق عليها وصف الصحفي في المؤسسات الإلكترونية ضمن نقابة الصحفيين يتطلب تعديلا في القانون المنظم للنقابة وشروط القيد بها.

وبالتالي، فإن الحديث عن مستقبل الصحافة الإلكترونية لا يتعلق فقط بالانتقال من الورق إلى الشاشة، أو بتشكيل كيان موحد للمواقع، وإنما يمتد إلى سؤال تشريعي ومهني: هل يحتاج القانون نفسه إلى التطوير بما يتناسب مع واقع الصحافة الرقمية، وبما يضمن تنظيم المهنة وحماية حقوق الصحفيين، دون المساس باستقلال المؤسسات وتنوع التجارب الصحفية؟

ويبقى هذا الملف بحاجة إلى حوار مهني وتشريعي يحدد بوضوح من هو الصحفي في العصر الرقمي، وما الحقوق والواجبات التي تترتب على هذه الصفة، وكيف يمكن أن يتواكب القانون مع التطور المتسارع في صناعة الإعلام.

وهنا يعود السؤال من جديد: إذا كان مستقبل الصحافة يتجه بقوة نحو الشاشة، فهل يكون الحل في تنظيم هذا الفضاء الجديد، أم أن التحدي الحقيقي يظل في الحفاظ على المصداقية والمهنية وسط سباق السرعة والترند؟ فالمشكلة لم تعد فقط في كون الخبر ورقيا أو إلكترونيا، وإنما في الطريقة التي يُنتج ويُنشر ويُتداول بها، وفي قدرة الصحفي على أن يظل متمسكا بالحقيقة مهما تغيرت أدوات النشر.

وبين «اللايك» والحقيقة.. يبقى السؤال مفتوحا

ربما لا تكون المعركة الحقيقية بين الورقى والإلكترونى، ولا بين الأستاذ والتلميذ، بقدر ما هي معركة على المصداقية نفسها. فالتكنولوجيا لم تقتل الصحافة، والترند ليس عدوا في حد ذاته، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح عدد المشاهدات معيارا للحقيقة، ويصبح جذب الانتباه أهم من دقة المعلومة.

وبين دعوات تنظيم المواقع الإلكترونية، والانقسام حول فكرة الكيان الموحد، يظل التحدي الأكبر أمام الصحافة الجديدة هو أن تثبت أن السرعة لا تعني التسرع، وأن الانتشار لا يبرر التضحية بالمهنية، وأن «اللايك» مهما بلغ عدده لا يستطيع أن يمنح خبرا غير دقيق صك الحقيقة.

وربما بعد 30 عاما لن يكون السؤال: هل اختفت الجرائد الورقية؟ بل: هل بقيت الصحافة نفسها وفية للمبدأ الذي وُجدت من أجله؟ فالأوراق قد تتحول إلى شاشات، والمطابع قد تستبدل بالهواتف، لكن الكلمة تظل أمانة.. ومن يبيع مصداقيته من أجل الترند، قد يكسب لحظة، لكنه يخسر الشيء الذي يمنح الصحافة قيمتها الحقيقية: ثقة القارئ.