
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن البيئة الصالحة
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الْبِيئَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الْبِيئَةُ الَّتِي تُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ، وَتُعِينُهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَحْفَظُ لَهُ صِحَّتَهُ وَأَمْنَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَتَقُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْعَدْلِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.
وَلَيْسَتِ الْبِيئَةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الَّتِي تَخْلُو مِنَ الْأَوْسَاخِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ الَّتِي يَصْلُحُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَالْمَكَانُ وَالسُّلُوكُ.
فَقَدْ تَجِدُ مَكَانًا نَظِيفًا، وَلَكِنَّ أَهْلَهُ يَظْلِمُونَ وَيَكْذِبُونَ وَيَعْتَدُونَ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ، فَهَلْ هَذِهِ بِيئَةٌ صَالِحَةٌ بِالْمَعْنَى الْكَامِلِ؟
وَقَدْ تَجِدُ أُسْرَةً بَسِيطَةَ الْحَالِ، وَلَكِنَّهَا تَعِيشُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْأَمَانَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، فَتَكُونُ بِيئَةً صَالِحَةً تُرَبِّي أَبْنَاءَهَا عَلَى الْخَيْرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾.
(سُورَةُ الْأَعْرَافِ: ٥٨)
وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ صُوَرِ الْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ![]()
أُسْرَةٌ يَسُودُهَا الْحُبُّ وَالِاحْتِرَامُ.
مَدْرَسَةٌ تُرَبِّي عَلَى الْعِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ.
مُجْتَمَعٌ يَحْفَظُ الْحُقُوقَ وَيَرْفُضُ الظُّلْمَ.
شَوَارِعُ وَأَمَاكِنُ عَامَّةٌ يَحْرِصُ أَهْلُهَا عَلَى النَّظَافَةِ وَالسَّلَامَةِ.
إِنْسَانٌ يَشْعُرُ أَنَّهُ مُسْتَخْلَفٌ فِي الْأَرْضِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ أَعْمَالِهِ.
فَاسْأَلْ نَفْسَكَ، يَا عَبْدَ اللَّهِ: هَلْ أَنَا أَصْنَعُ بِيئَةً صَالِحَةً فِي بَيْتِي وَعَمَلِي وَحَيِّي، أَمْ أَنِّي أَكْتَفِي بِالْحَدِيثِ عَنْهَا![]()
ثَانِيًا: مَا الْبِيئَةُ النَّظِيفَةُ![]()
—
الْبِيئَةُ النَّظِيفَةُ هِيَ الْبِيئَةُ الَّتِي يَحْرِصُ أَهْلُهَا عَلَى نَظَافَةِ الْمَكَانِ، وَسَلَامَةِ الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ، وَالْحِفَاظِ عَلَى الْمَوَارِدِ، وَإِزَالَةِ مَا يُؤْذِي النَّاسَ وَالْكَائِنَاتِ.
وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّظَافَةِ وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ وَإِكْرَامِ النِّعَمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
(سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٢٢)
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
تَأَمَّلُوا، عِبَادَ اللَّهِ!
إِزَالَةُ شَيْءٍ يُؤْذِي النَّاسَ مِنَ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَعَمَّدُ إِلْقَاءَ الْقَاذُورَاتِ فِي الشَّوَارِعِ، أَوْ يَرْمِي الْمُخَلَّفَاتِ فِي مَصَادِرِ الْمِيَاهِ، أَوْ يُؤْذِي جِيرَانَهُ بِالدُّخَانِ وَالضَّجِيجِ![]()
قد روى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ.
أن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :
(( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ له))
تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا يَمْشِي فِي طَرِيقِهِ، لَا يَحْمِلُ مَعَهُ مَالًا كَثِيرًا، وَلَا يَبْنِي مَسْجِدًا، وَلَا يَقُومُ بِعَمَلٍ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُ عَظِيمٌ.
وَإِذَا بِهِ يَرَى فِي الطَّرِيقِ غُصْنًا مِنَ الشَّوْكِ، قَدْ يَؤْذِي الْمَارَّةَ، وَقَدْ يَتَعَثَّرُ بِهِ طِفْلٌ، أَوْ تُصَابُ بِهِ قَدَمُ إِنْسَانٍ.
فَمَاذَا فَعَلَ![]()
![]()
لَمْ يَقُلْ: «لَيْسَ لِي دَخْلٌ بِهَذَا!».
![]()
وَلَمْ يَقُلْ: «سَيَأْتِي غَيْرِي فَيُزِيلُهُ!».
![]()
بَلْ تَقَدَّمَ، وَأَزَالَ الْأَذَى مِنَ الطَّرِيقِ؛ رَحْمَةً بِالنَّاسِ، وَحِرْصًا عَلَى سَلَامَتِهِمْ.
وَمَا كَانَ هَذَا الْعَمَلُ الصَّغِيرُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرًا فهو عند الله عظيم![]()
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
![]()
️يَا مَنْ تَرْمِي الْقُمَامَةَ فِي الشَّوَارِعِ، وَيَا مَنْ تُؤْذِي النَّاسَ بِمَا تُلْقِيهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَيَا مَنْ تَرَى الْأَذَى فَلَا تُبَالِي![]()
إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ نَظَافَةٍ وَرَحْمَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ.
فَإِذَا كَانَ رَجُلٌ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِسَبَبِ إِزَالَةِ غُصْنٍ مِنَ الشَّوْكِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَاهِمُ فِي نَظَافَةِ حَيِّهِ،
وَيَحْمِي الْمَاءَ مِنَ التَّلَوُّثِ،
وَيَحْرِصُ عَلَى زَرْعِ الْأَشْجَارِ
، وَيُعَلِّمُ أَبْنَاءَهُ أَلَّا يُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ![]()
إِنَّ النَّظَافَةَ لَيْسَتْ مَسْؤُولِيَّةَ عَامِلِ النَّظَافَةِ وَحْدَهُ، وَلَا مَسْؤُولِيَّةَ الْبَلَدِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةُ كُلِّ إِنْسَانٍ.
فَالطِّفْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ أَنْ يَضَعَ الْمُخَلَّفَاتِ فِي مَكَانِهَا، وَالْأَبُ الَّذِي يُعَلِّمُ أَبْنَاءَهُ الْمَحَافَظَةَ عَلَى الْمَكَانِ، وَالْمُوَظَّفُ الَّذِي يَحْرِصُ عَلَى نَظَافَةِ مَكَانِ عَمَلِهِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يُسَاهِمُونَ فِي بِنَاءِ بِيئَةٍ نَظِيفَةٍ.
لَا تَحْقِرُوا عَمَلًا صَغِيرًا فِي النَّظَافَةِ؛ فَرُبَّمَا كَانَتْ إِزَالَةُ أَذًى مِنَ الطَّرِيقِ سَبَبًا فِي رِضَا اللَّهِ عَنْ عَبْدٍ.
وَتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّظَافَةَ تَبْدَأُ مِنَ الْبَيْتِ، وَمِنَ الْمَدْرَسَةِ، وَمِنَ الْمَسْجِدِ، وَمِنَ الشَّارِعِ، وَمِنْ ضَمِيرِ الْإِنْسَانِ.
ثَالِثًا: مَا الْبِيئَةُ الْمُلَوَّثَةُ![]()
—
الْبِيئَةُ الْمُلَوَّثَةُ هِيَ الْبِيئَةُ الَّتِي تَعَرَّضَ هَوَاؤُهَا أَوْ مَاؤُهَا أَوْ تُرْبَتُهَا أَوْ مَكَانُهَا لِمَوَادَّ أَوْ سُلُوكِيَّاتٍ ضَارَّةٍ تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، وَتُفْسِدُ تَوَازُنَ الْحَيَاةِ.
وَمِنْ صُوَرِ التَّلَوُّثِ![]()
تَلَوُّثُ الْهَوَاءِ بِالدُّخَانِ وَالْغَازَاتِ الضَّارَّةِ.
تَلَوُّثُ الْمِيَاهِ بِالْمُخَلَّفَاتِ وَالْمَوَادِّ الْخَطِرَةِ.
تَلَوُّثُ التُّرْبَةِ بِالنُّفَايَاتِ وَالْمَوَادِّ الْكِيمْيَائِيَّةِ الضَّارَّةِ.
إِلْقَاءُ الْقَاذُورَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ.
الضَّجِيجُ الْمُفْرِطُ الَّذِي يُؤْذِي النَّاسَ وَيُقْلِقُ رَاحَتَهُمْ.
![]()
![]()
وَقَدْ حَذَّرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ عَاقِبَةِ أَعْمَالِ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
(سُورَةُ الرُّومِ: ٤١)
![]()
وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ بَعْضَ الْفَسَادِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْأَرْضِ وَالْبَحْرِ يَكُونُ بِسَبَبِ أَعْمَالِ النَّاسِ، وَفِيهَا تَنْبِيهٌ لَهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنِ الْخَطَإِ وَالْفَسَادِ.
فَيَا مَنْ تُلْقِي الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطَّرِيقِ، اتَّقِ اللَّهَ![]()
وَيَا مَنْ تُؤْذِي جَارَكَ بِالدُّخَانِ أَوْ الضَّجِيجِ، اتَّقِ اللَّهَ![]()
وَيَا مَنْ تُهْدِرُ الْمَاءَ وَتُسْرِفُ فِي النِّعَمِ، اتَّقِ اللَّهَ![]()
فَإِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ رَحْمَةٍ وَإِحْسَانٍ، وَلَا يَرْضَى بِالضَّرَرِ وَالْإِفْسَادِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ،
فَالْمُسْلِمُ لَا يَضُرُّ نَفْسَهُ، وَلَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، وَلَا يَسْعَى فِي إِفْسَادِ الْمَكَانِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ.
الْعِبْرَةُ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ![]()
إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْبِيئَةِ الصَّالِحَةِ وَالنَّظِيفَةِ وَالْمُلَوَّثَةِ لَيْسَ أَمْرًا نَظَرِيًّا فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ نَرَاهُ فِي حَيَاتِنَا كُلَّ يَوْمٍ.
![]()
![]()
فَالْبِيئَةُ الصَّالِحَةُ تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاحِ الْإِنْسَانِ وَصَلَاحِ الْمَكَانِ وَصَلَاحِ السُّلُوكِ.
![]()
![]()
وَالْبِيئَةُ النَّظِيفَةُ تُظْهِرُ حِرْصَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْمَكَانِ وَالطَّهَارَةِ وَالسَّلَامَةِ.
![]()
![]()
وَالْبِيئَةُ الْمُلَوَّثَةُ تُنَبِّهُنَا إِلَى خَطَرِ الْإِهْمَالِ وَسُوءِ التَّصَرُّفِ وَالْإِفْسَادِ.
فَلْنَجْعَلْ بُيُوتَنَا مَكَانًا لِلتَّرْبِيَةِ عَلَى النَّظَافَةِ، وَلْنُعَلِّمْ أَبْنَاءَنَا أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْبِيئَةِ لَيْسَتْ شِعَارًا نَرْفَعُهُ، بَلْ سُلُوكٌ نُمَارِسُهُ.
إِنَّ الْأَرْضَ أَمَانَةٌ، وَالنِّعَمَ أَمَانَةٌ، وَصِحَّةَ النَّاسِ أَمَانَةٌ، وَمَنْ حَفِظَ الْأَمَانَةَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ أَفْسَدَ وَأَضَرَّ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْمُؤَاخَذَةِ.
فَلْنَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِصْلَاحِ، وَلَا نَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْإِفْسَادِ.
![]()
![]()
ثانيا: الْبِيئَةُ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَآيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ![]()
![]()
![]()
إِذَا نَظَرَ الْإِنْسَانُ حَوْلَهُ، رَأَى آيَاتٍ بَاهِرَةً تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ وَحِكْمَتِهِ.
السَّمَاءُ فِي رِفْعَتِهَا، وَالْأَرْضُ فِي اتِّسَاعِهَا، وَالْبِحَارُ فِي أَعْمَاقِهَا، وَالْجِبَالُ فِي رُسُوِّهَا، وَالْأَشْجَارُ فِي ثِمَارِهَا، وَالْأَنْهَارُ فِي جَرَيَانِهَا، وَالْحَيَوَانَاتُ فِي أَجْنَاسِهَا وَأَلْوَانِهَا.
كُلُّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ:
> ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.\(الْحِجْر: ١٩–٢٠\)
تَأَمَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾.
إِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى دِقَّةِ التَّقْدِيرِ، وَحِكْمَةِ الْخَلْقِ، وَأَنَّ هَذَا الْكَوْنَ لَيْسَ فَوْضَى، وَلَا عَبَثًا، بَلْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْبِيئَةُ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ لَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ يَكُونُ بِحُسْنِ اسْتِعْمَالِهَا، وَعَدَمِ إِفْسَادِهَا، وَالْحِرْصِ عَلَى بَقَائِهَا لَنَا وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا.
![]()
![]()
ثالثا: الْإِنْسَانُ مُسْتَخْلَفٌ فِي الْأَرْضِ وَمُكَلَّفٌ بِعِمَارَتِهَا![]()
![]()
![]()
، لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْإِنْسَانَ لِيَعِيثَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَلِيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَلِيَسْتَنْزِفَ خَيْرَاتِهَا دُونَ حِسَابٍ، بَلْ جَعَلَهُ مُسْتَخْلَفًا فِيهَا، وَأَمَرَهُ بِالْعِمَارَةِ وَالْإِصْلَاحِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
(هُود: ٦١)
، إِنَّ عِمَارَةَ الْأَرْضِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْمَبَانِي وَشَقِّ الطُّرُقِ وَإِنْشَاءِ الْمَصَانِعِ، بَلْ تَشْمَلُ كُلَّ عَمَلٍ يُحَقِّقُ الْخَيْرَ، وَيَرْفَعُ الضَّرَرَ، وَيَحْفَظُ حَقَّ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ.
وَمِنْ هُنَا يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
(الْأَعْرَاف: ٥٦)
مَا أَعْظَمَ هَذَا النَّهْيَ![]()
فَالْإِسْلَامُ دِينُ إِصْلَاحٍ، وَدِينُ رَحْمَةٍ، وَدِينُ حِفْظٍ لِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ خَيْرٍ.
فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ نَفْعِهِ الشَّخْصِيِّ سَبَبًا لِضَرَرِ الْآخَرِينَ، وَلَا أَنْ يَسْتَهِينَ بِمَا يُلْحِقُ الْأَذَى بِالنَّاسِ وَالْمَخْلُوقَاتِ.
![]()
![]()
رابعا: مِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ الكريم النَّهْيُ عَنِ الْإِفْسَادِ فِي الْبِيئَةِ ![]()
![]()
![]()
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْفَسَادَ الَّذِي يَقَعُ فِي الْأَرْضِ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ أَعْمَالِ النَّاسِ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ.
قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
(الرُّوم: ٤١)
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنْ نَنْسِبَ كُلَّ حَادِثَةٍ بِيئِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ الْآيَةَ تُذَكِّرُنَا بِخَطَرِ أَعْمَالِ الْبَشَرِ وَعَوَاقِبِ الْفَسَادِ، وَتَدْعُونَا إِلَى الرُّجُوعِ وَالْإِصْلَاحِ.
فَكَمْ مِنْ نَهْرٍ تَلَوَّثَ بِمَا تُلْقِيهِ الْأَيْدِي مِنْ مُخَلَّفَاتٍ![]()
وَكَمْ مِنْ شَجَرَةٍ قُطِعَتْ بِلَا حَاجَةٍ، وَكَمْ مِنْ مَكَانٍ عَامٍّ تَحَوَّلَ إِلَى مَوْضِعٍ لِلْقَاذُورَاتِ، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَتَضَرَّرُ مِنْ تَصَرُّفٍ يَظُنُّ صَاحِبُهُ أَنَّهُ هَيِّنٌ![]()
، إِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُرَبِّي الْمُسْلِمَ عَلَى الْأَنَانِيَّةِ، بَلْ يُرَبِّيهِ عَلَى الشُّعُورِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ.
![]()
![]()
خامسا: مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِفْظُ الْبِيئَةِ وَرَفْعُ الضَّرَرِ![]()
![]()
![]()
، لَقَدْ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَدْيٍ عَظِيمٍ يَرْبِطُ الْإِيمَانَ بِالْعَمَلِ، وَيَجْعَلُ رَفْعَ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ».رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
تَأَمَّلُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ!
لَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّدَقَةَ مَقْصُورَةً عَلَى الْمَالِ، بَلْ جَعَلَ إِزَالَةَ مَا يُؤْذِي النَّاسَ مِنَ الطَّرِيقِ صَدَقَةً.
️فَإِذَا كَانَتْ إِزَالَةُ حَجَرٍ أَوْ شَوْكٍ أَوْ أَذًى مِنَ الطَّرِيقِ صَدَقَةً، فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْرِصُ عَلَى نَظَافَةِ شَارِعِهِ، وَسَلَامَةِ مَاءِ قَرْيَتِهِ، وَحِفْظِ الْمَرَافِقِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ![]()
إِنَّهَا أَعْمَالٌ قَدْ تَبْدُو صَغِيرَةً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَلَكِنَّهَا عِنْدَ اللَّهِ قَدْ تَكُونُ عَظِيمَةً إِذَا صَلَحَتِ النِّيَّةُ وَنَفَعَتِ الْخَلْقَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
يَا أُمَّةَ الْحَبِيبِ، مَا أَجْمَلَ هَذَا التَّوْجِيهَ النَّبَوِيَّ!
شَجَرَةٌ تَغْرِسُهَا، فَيَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ حَيَوَانٌ، فَيَكُونُ لَكَ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَصَدَقَةٌ.
فَلْنَغْرِسِ الْأَشْجَارَ
، وَلْنَحْفَظِ الْمَاءِ
، وَلْنُحَافِظْ عَلَى نَظَافَةِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ
، وَلْنَتَعَاوَنْ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ خَيْرٌ لِلْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ.
![]()
![]()
سادسا: الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ مِنْ صُوَرِ عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ![]()
![]()
![]()
إِنَّ مِنْ أَهَمِّ مَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَبَّهَ إِلَيْهِ فِي حَيَاتِنَا: أَلَّا نُسْرِفَ فِي اسْتِهْلَاكِ النِّعَمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(الْأَعْرَاف: ٣١)
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ رَآهُ يَتَوَضَّأُ:
«مَا هَذَا السَّرَفُ»![]()
قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ![]()
قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ».رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
![]()
فَيَا مَنْ تَفْتَحُ صُنْبُورَ الْمَاءِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ![]()
![]()
وَيَا مَنْ تُلْقِي الطَّعَامَ فِي الْقُمَامَةِ![]()
![]()
وَيَا مَنْ تُهْدِرُ النِّعْمَةَ دُونَ مُبَالَاةٍ![]()
![]()
تَذَكَّرْ أَنَّ النِّعَمَ أَمَانَةٌ، وَأَنَّ شُكْرَهَا يَكُونُ بِحُسْنِ اسْتِعْمَالِهَا![]()
لَا تَسْتَهِنْ بِقَطْرَةِ مَاءٍ، وَلَا بِلُقْمَةِ طَعَامٍ، وَلَا بِشَجَرَةٍ تَغْرِسُهَا، فَرُبَّ عَمَلٍ يَسِيرٍ عَظُمَ أَجْرُهُ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَحُسْنِ الْقَصْدِ.
![]()
![]()
سابعا/ نِدَاءٌ إِلَى الْأُسَرِ وَالشَّبَابِ وَالْمُجْتَمَعِ![]()
![]()
![]()
إِنَّ حِفْظَ الْبِيئَةِ لَيْسَ مَسْؤُولِيَّةَ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا عَمَلَ مُؤَسَّسَةٍ وَحْدَهَا، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ يَتَحَمَّلُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ فِي مَوْضِعِهِ.
الأُسْرَةُ تُرَبِّي أَبْنَاءَهَا عَلَى النَّظَافَةِ وَعَدَمِ إِلْقَاءِ الْقَاذُورَاتِ.
وَالْمَدْرَسَةُ تُعَلِّمُ الطُّلَّابَ أَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مَعْلُومَاتٍ فَقَطْ، بَلْ سُلُوكٌ وَأَخْلَاقٌ.
وَالْمَسْجِدُ يُذَكِّرُ النَّاسَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَالنَّظَافَةَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ.
وَالشَّابُّ الْمُسْلِمُ يَكُونُ قُدْوَةً فِي حَيِّهِ، فَلَا يُلْقِي الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَا يُؤْذِي جِيرَانَهُ، وَلَا يَسْتَهْتِرُ بِالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ.
، إِنَّ الْبِيئَةَ أَمَانَةٌ، وَالْأَمَانَةُ سَيُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَلْنَكُنْ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مُغْلِقًا لِبَابِ الضَّرَرِ، وَلْنَجْعَلْ مِنْ بُيُوتِنَا وَشَوَارِعِنَا وَمَسَاجِدِنَا مَوَاضِعَ لِلنَّظَافَةِ وَالْجَمَالِ وَالطَّهَارَةِ.
.
،
حُرْمَةُ تَصْوِيرِ الْأَفْرَادِ بِدُونِ إِذْنٍ ![]()
أَوَّلًا: حُرْمَةُ الْخُصُوصِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ![]()
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا حَفِظَهُ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ حُرْمَةَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سَبَبًا فِي إِيذَاءِ أَخِيهِ، وَلَا أَنْ يَكْشِفَ سِتْرَهُ، وَلَا أَنْ يَتَدَخَّلَ فِي شُؤُونِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾
.[سُورَةُ النُّورِ: ٢٧]
فَإِذَا كَانَ الشَّرْعُ قَدْ نَهَى عَنِ الدُّخُولِ إِلَى بُيُوتِ الْآخَرِينَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَكَيْفَ يَتَجَرَّأُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى تَصْوِيرِ الْأَفْرَادِ فِي أَحْوَالِهِمُ الْخَاصَّةِ، أَوْ فِي لَحَظَاتٍ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ![]()
إِنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَدَبٌ شَرْعِيٌّ، وَمَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِ الْآخَرِينَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ قَبْلَ أَنْ تُصَوِّرَ شَخْصًا، وَأَنْ تَرْعَى رَغْبَتَهُ إِذَا رَفَضَ، وَأَنْ تَحْتَرِمَ حَقَّهُ فِي أَلَّا تُنْشَرَ صُورَتُهُ دُونَ مُوَافَقَتِهِ، خَاصَّةً إِذَا كَانَ فِي نَشْرِهَا أَذًى أَوْ إِحْرَاجٌ أَوْ انْتِهَاكٌ لِخُصُوصِيَّتِهِ.
ثَانِيًا: النَّهْيُ عَنِ التَّجَسُّسِ وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِ النَّاسِ ![]()
، لَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا مِنَ التَّجَسُّسِ، وَمِنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
[سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: ١٢]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ».رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ.
وَمِنْ صُوَرِ التَّعَدِّي عَلَى خُصُوصِيَّاتِ النَّاسِ أَنْ يَتَتَبَّعَ الْإِنْسَانُ لَحَظَاتِ ضَعْفِهِمْ، أَوْ أَخْطَاءِهِمْ، أَوْ مَوَاقِفَهُمُ الْخَاصَّةَ، ثُمَّ يَلْتَقِطَ لَهُمْ صُوَرًا دُونَ عِلْمِهِمْ، أَوْ يَنْشُرَهَا لِلسُّخْرِيَةِ مِنْهُمْ وَإِحْرَاجِهِمْ.
فَيَا مَنْ تَحْمِلُ هَاتِفَكَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي عِبَادِ اللَّهِ، وَلَا تَجْعَلْ مِنْ كَامِيرَةِ هَاتِفِكَ أَدَاةً لِكَشْفِ سَتْرِ النَّاسِ، أَوْ إِذْلَالِهِمْ، أَوْ تَشْوِيهِ سُمْعَتِهِمْ.
وَاذْكُرْ دَائِمًا أَنَّ مَنْ تَصُوِّرُهُ إِنْسَانٌ لَهُ مَشَاعِرُ وَكَرَامَةٌ وَحُقُوقٌ، وَأَنَّ مَا تَرَاهُ أَنْتَ مَوْضِعًا لِلضَّحِكِ، قَدْ يَكُونُ عِنْدَ غَيْرِكَ سَبَبًا فِي الْحُزْنِ وَالْأَلَمِ.
ثَالِثًا: لَيْسَ كُلُّ تَصْوِيرٍ بِدُونِ إِذْنٍ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ ![]()
وَمِنَ الْأَمَانَةِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَسَائِلِ وَالْأَحْوَالِ.
فَالتَّصْوِيرُ فِي ذَاتِهِ لَهُ تَفْصِيلٌ فِقْهِيٌّ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ الْأَحْكَامُ بِاخْتِلَافِ نَوْعِ الصُّورَةِ، وَالْغَرَضِ مِنْهَا، وَطَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مَصَالِحَ أَوْ مَفَاسِدَ.
وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنْهَا الْيَوْمَ هِيَ الِاعْتِدَاءُ عَلَى خُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ بِالتَّصْوِيرِ أَوِ النَّشْرِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَذًى أَوْ ضَرَرٍ.
فَلَيْسَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ نَحْكُمَ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ تُلْتَقَطُ بِدُونِ إِذْنٍ صَرِيحٍ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ نَرْعَى حُرْمَةَ الْآخَرِينَ، وَأَنْ نَجْتَنِبَ كُلَّ مَا يَتَضَمَّنُ ظُلْمًا أَوْ إِيذَاءً أَوْ انْتِهَاكًا لِحُقُوقِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
فَكُلُّ تَصَرُّفٍ يَتَضَمَّنُ إِيقَاعَ الضَّرَرِ بِالْآخَرِينَ يَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عِنْدَهُ الْمُؤْمِنُ، وَأَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ: هَلْ أَرْضَى لِنَفْسِي أَنْ يُفْعَلَ بِيَ مِثْلُ هَذَا؟
رَابِعًا: خَطَرُ نَشْرِ الصُّوَرِ وَتَدَاوُلِهَا ![]()
لَيْسَ الْخَطَرُ فِي الْتِقَاطِ الصُّورَةِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْخَطَرُ الْأَكْبَرُ فِي نَشْرِهَا وَتَدَاوُلِهَا بَيْنَ النَّاسِ.
فَصُورَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ تَخْرُجُ مِنْ هَاتِفٍ إِلَى مَجْمُوعَةٍ، وَمِنْ مَجْمُوعَةٍ إِلَى مَئَاتِ الْأَشْخَاصِ، ثُمَّ تَنْتَشِرُ فِي الْعَالَمِ الِافْتِرَاضِيِّ، وَلَا يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهَا أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا أَوْ يَمْنَعَ تَدَاوُلَهَا.
وَرُبَّ صُورَةٍ نُشِرَتْ فِي لَحْظَةِ طَيْشٍ، كَانَتْ سَبَبًا فِي إِحْرَاجِ إِنْسَانٍ، أَوْ إِفْسَادِ عِلَاقَةٍ أُسَرِيَّةٍ، أَوْ تَشْوِيهِ سُمْعَةِ شَخْصٍ، أَوْ إِصَابَةِ قَلْبِ أُمٍّ أَوْ أَبٍ بِالْحُزْنِ وَالْأَلَمِ.
فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ مِنْ إِرْسَالِ الصُّوَرِ الَّتِي تَضُرُّ بِأَصْحَابِهَا، وَلْيَتَذَكَّرْ أَنَّ الْكَلِمَةَ وَالصُّورَةَ وَالرِّسَالَةَ كُلَّهَا مِنْ أَعْمَالِهِ الَّتِي سَيُسْأَلُ عَنْهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
[سُورَةُ ق: ١٨]
فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُحَاسَبًا عَلَى كَلَامِهِ، فَكَيْفَ بِمَا يَنْشُرُهُ وَيُسَاهِمُ فِي إِيصَالِهِ إِلَى الْآخَرِينَ؟
خَامِسًا: آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْهَاتِفِ وَالتَّصْوِيرِ ![]()
إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ تَصَرُّفٍ مِيزَانًا مِنَ الشَّرْعِ وَالْأَدَبِ.
فَمِنْ وَاجِبَاتِنَا:
الِاسْتِئْذَانُ قَبْلَ التَّصْوِيرِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا لِحِفْظِ خُصُوصِيَّةِ الشَّخْصِ وَكَرَامَتِهِ.
احْتِرَامُ رَفْضِ الْآخَرِينَ وَعَدَمُ إِجْبَارِهِمْ عَلَى التَّصْوِيرِ.
عَدَمُ تَصْوِيرِ الْأَحْوَالِ الْخَاصَّةِ وَالْمُحْرِجَةِ بِغَيْرِ مُوَافَقَةٍ، وَخَاصَّةً مَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَذًى.
عَدَمُ نَشْرِ الصُّوَرِ الَّتِي يَتَضَرَّرُ أَصْحَابُهَا مِنْ نَشْرِهَا.
الِامْتِنَاعُ عَنِ السُّخْرِيَةِ وَالتَّشْهِيرِ بِالنَّاسِ مِنْ خِلَالِ الصُّوَرِ وَالْمَقَاطِعِ.
مُرَاعَاةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَنْظِمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الَّتِي تَحْفَظُ حُقُوقَ الْأَفْرَادِ وَخُصُوصِيَّاتِهِمْ.
إِنَّ الْأَخْلَاقَ لَا تُقَاسُ بِمَا نَقُولُهُ فَقَطْ، بَلْ بِمَا نَفْعَلُهُ حِينَ نَكُونُ قَادِرِينَ عَلَى الْفِعْلِ، وَحِينَ لَا يَرَانَا النَّاسُ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمْ، وَاجْعَلُوا هَوَاتِفَكُمْ وَسَائِلَ لِلْخَيْرِ، لَا أَدَوَاتٍ لِإِيذَاءِ الْخَلْقِ وَكَشْفِ سَتْرِهِمْ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.
اللَّهُمَّ يَا غَفَّارَ الذُّنُوبِ، اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَيَا سَتَّارَ الْعُيُوبِ، اسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَيَا مُفَرِّجَ الْكُرُوبِ، فَرِّجْ كُرُوبَنَا، وَيَا رَاحِمَ الْأَمْوَاتِ، ارْحَمْ أَمْوَاتَنَا.
اللَّهُمَّ إِنْ عَجَزَ الطَّبِيبُ فَأَنْتَ الطَّبِيبُ، فَدَاوِنَا، وَإِنْ كَثُرَ الْفَسَادُ فَنَجِّنَا، وَارْفَعْ عَنَّا قُوَّتَكَ وَغَضَبَكَ، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لَا يَخَافُكَ وَلَا يَرْحَمُنَا.
