رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الخلاف حول الوصية الواجبة بين الفقه الإسلامي والقانون

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الخلاف حول الوصية الواجبة بين الفقه الإسلامي والقانون

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الخلاف حول الوصية الواجبة بين الفقه الإسلامي والقانون: دراسة تأصيلية مبسطة

————-

مدخل:

#تعد مسألة “الوصية الواجبة” من أبرز المسائل التي استدعت تدخلاً تشريعياً لضبط خلل اجتماعي نتج عن تطبيق قاعدة فقهية في غير سياق التكافل الأسري.

#وتطرح هذه المسألة حالة الأحفاد الذين يموت أبوهم أو أمهم في حياة الجد أو الجدة، فيجدون أنفسهم محجوبين من الميراث بوجود أعمامهم.

#وقد نشأ خلاف عميق بين الالتزام الحرفي بقواعد المواريث عند الجمهور، وبين الرؤية المقاصدية التي تبناها القانون مستنداً إلى اجتهادات فقهية معتبرة.

#وفي هذا المقال نفصل القول في أصول هذه المسألة، وأدلتها، وشروطها، وحكم الالتزام بها.

———-

أولاً: مذهب الجمهور وقاعدة الحجب

#استقر عمل جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن الحفيد لا يرث مع وجود الابن الصلبي للميت.

#ويستندون في ذلك إلى قاعدة إجماعية في علم الفرائض هي: “الأقرب يحجب الأبعد”.

#فالابن (العم) أقرب درجة إلى الميت من ابن الابن (الحفيد)، فيستأثر بالميراث دونه.

#ويرى الجمهور أن الشريعة لم تهمل هؤلاء الأحفاد، بل ندبت الجد واستحبت له أن يوصي لهم بشيء من ماله قبل موته، أو أن يعطيهم الأعمام من التركة على سبيل المواساة والصلة.

——-

#ولكن هذه الوصية تظل في دائرة “الندب والاستحباب”، فإذا مات الجد ولم يوصِ، فلا يُلزم القاضي الورثة باقتطاع شيء من التركة للأحفاد.

———

ثانياً: الجذور الفقهية للوصية الواجبة

#لم يبتدع المشرع القانوني (بدءاً من القانون المصري عام 1946م وما تلاه من قوانين عربية) حكماً من فراغ، بل استند إلى مذهب فقهي أصيل قال به طائفة من كبار أئمة التابعين، كسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وطاووس، وأبو مجلز، وهو المذهب الذي تبناه ودافع عنه بقوة الإمام ابن حزم الظاهري، والإمام الطبري.

#يرى هؤلاء أن الوصية للأقربين غير الوارثين (كالأحفاد المحجوبين) ليست مجرد مستحب، بل هي “فرض وواجب” ديانة وقضاءً.

#فإذا قصر الجد ولم يوصِ لهم في حياته، وجب على القاضي أن يتدخل بعد وفاته، ويُخرج من التركة وصية لهم قبل تقسيم الميراث.

#قال الإمام ابن حزم: “فالوصية فرض، فمن مات ولم يوص، عصى، ويُعطى عنه ما تيسر” (ابن حزم . المحلى . 315 . 9 .).

———

ثالثاً: مناقشة الأدلة بين الإحكام والنسخ

#محور الخلاف بين الفريقين يدور حول قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180].

——

١. أدلة الجمهور:

#يرون أن هذه الآية كانت في بداية الإسلام، ثم نُسخت بالكلية بآيات المواريث في سورة النساء، وبقوله ﷺ: “إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث”.

——–

٢. أدلة الموجبين للوصية:

#يرون أن النسخ لم يقع على كل الآية، بل نُسخ منها حكم “الوارثين” فقط (فلا وصية لوارث)، وبقيت الآية محكمة وملزمة في حق “الأقربين غير الوارثين”.

#والأحفاد المحجوبون هم من أخص الأقربين غير الوارثين، فتجب لهم الوصية بنص القرآن.

#قال الإمام الطبري مرجحاً هذا القول: “وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ… فِي الْأَقْرِبَاءِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ” (الطبري . جامع البيان . 124 . 3 .).

———

رابعاً: الصياغة القانونية وشروط استحقاق الوصية الواجبة

#قام المشرع بعملية “تلفيق فقهي” محمودة؛ فأخذ مبدأ “الوجوب” من مذهب ابن حزم والتابعين، وأخذ “مقدار الوصية” من قواعد العدل والمصلحة، وحدد لاستحقاق الأحفاد شروطاً دقيقة تمنع الجور على باقي الورثة، وهي:

١. ألا يكون الأحفاد وارثين للجد بأي طريق آخر.

٢. ألا يكون الجد قد أعطاهم في حياته بغير عوض (كالهبة أو الوقف) مقدار ما يستحقونه بالوصية الواجبة.

٣. أن يكون مقدار الوصية الواجبة هو “مقدار حصة أبيهم أو أمهم لو كان حياً”، بشرط ألا يتجاوز ذلك “الثلث”؛ التزاماً بالحد الأقصى للوصية في الشريعة.

———

خامساً: هل يجوز شرعاً ترك القانون والتمسك برأي الجمهور؟

#يثور التساؤل: هل يحق للأعمام رفض إعطاء الأحفاد نصيبهم بحجة أن القانون وضعي وأن رأي الجمهور هو عدم التوريث؟

#الجواب: لا يجوز ذلك شرعاً ولا قضاءً، ويأثم من يمتنع عن إعطائهم حقهم، وذلك لاعتبارات أصولية ومقاصدية:

١. قاعدة “حكم الحاكم يرفع الخلاف”:

#إذا اختلفت أنظار المجتهدين في مسألة، وتدخل ولي الأمر فاختار قولاً معتبراً يحقق المصلحة، صار هذا القول ملزماً للجميع، وحَرُم نقضه.

#قال الإمام القرافي: “حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم” (القرافي . الفروق . 103 . 2 .).

——–

٢. تحقيق مقاصد الشريعة: حرمان الأحفاد الأيتام، الذين فقدوا سندهم، من مال جدهم بينما يتنعم به أعمامهم، يورث الأحقاد ويقطع الأرحام، ويتنافى مع مقصد الشريعة في كفالة اليتيم ورعاية الضعيف. والقانون هنا جاء لسد هذه الذريعة وتحقيق العدل التكافلي.

————

الخلاصة:

١. الوصية الواجبة تقنين لاجتهاد فقهي أصيل قال به كبار التابعين وابن حزم، يوجب الوصية للأقربين غير الوارثين استناداً لبقاء إحكام آية الوصية في حقهم.

٢. ضبط القانون هذه الوصية بشروط دقيقة، وجعل سقفها الأعلى ثلث التركة، ومقدارها نصيب الأصل المتوفى، تحقيقاً للعدل ومنعاً للإضرار بباقي الورثة.

٣. لا يجوز شرعاً التهرب من تطبيق القانون بحجة الأخذ برأي الجمهور؛ لأن اختيار ولي الأمر لرأي فقهي معتبر يرفع الخلاف ويجعله ملزماً، ومن يمتنع عن إعطاء الأحفاد حقهم يقع في إثم أكل أموال الناس بالباطل.

———–

#ويضاف إلى ذلك:

١. ينبغي على طلبة العلم والدعاة تبصير العوام بأن قوانين الأحوال الشخصية في بلادنا مستمدة من الشريعة الإسلامية، وأن الوصية الواجبة ليست حكماً مستورداً بل هي من صميم الفقه الإسلامي الواسع.

٢. على الورثة أن ينظروا إلى هذا التشريع بعين الرحمة والصلة، فالأحفاد بضعة من أخيهم المتوفى، وإكرامهم هو من أعظم البر للميت وللجد على حد سواء.

والله أعلم