
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الاقتصاد الكينزي والمدارس التي عارضته أو انتقدته
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الاقتصاد الكينزي والمدارس التي عارضته أو انتقدته
منذ أن نشر الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز كتابه «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» عام 1936، دخل علم الاقتصاد مرحلة جديدة.
جادل كينز بأن الاقتصاد الرأسمالي لا يضمن تلقائيًا الوصول إلى التشغيل الكامل، وأن ضعف الطلب الكلي يمكن أن يؤدي إلى استمرار البطالة والركود. ومن هنا برزت أهمية الاستهلاك والاستثمار والطلب الفعال، ودور السياسة الاقتصادية في مواجهة التقلبات. وقد أصبحت الأفكار الكينزية مؤثرة بصورة كبيرة في الاقتصاد والسياسة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن الاقتصاد الكينزي لم يبقَ دون منافسين. فمنذ منتصف القرن العشرين ظهرت مدارس واتجاهات اقتصادية قدمت انتقادات مختلفة لافتراضاته وللدور الذي يعطيه للدولة في إدارة الاقتصاد.
.
أولًا: الاقتصاد الكينزي
أبرز مؤسسيه: جون ماينارد كينز.
يركز الاقتصاد الكينزي على أن الطلب الكلي عنصر أساسي في تحديد مستوى الإنتاج والتشغيل، وأن الاقتصاد يمكن أن يعاني من بطالة مرتفعة بسبب ضعف الطلب.
ومن ثم يرى الكينزيون أهمية استخدام السياسة المالية والنقدية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، خصوصًا في فترات الركود.
المرجع الأساسي:
جون ماينارد كينز، «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» (1936).
.
ثانيًا: المدرسة النقدية
أبرز أسمائها: ميلتون فريدمان، وآنا شوارتز.
ظهرت المدرسة النقدية بوصفها أحد أهم الانتقادات للنظرية الكينزية التقليدية، وخصوصًا خلال الستينيات والسبعينيات.
تعطي النقدية أهمية مركزية لكمية النقود ودورها في تحديد النشاط الاقتصادي ومستوى الأسعار. وانتقد ميلتون فريدمان الاعتماد المفرط على السياسة المالية لإدارة الطلب، وركز على أهمية السياسة النقدية واستقرار نمو النقود.
كما رفض النقديون فكرة وجود مفاضلة دائمة بين التضخم والبطالة، مؤكدين أن السياسة النقدية التوسعية قد تؤثر في الإنتاج والتوظيف على المدى القصير، لكنها لا تستطيع الحفاظ على هذا الأثر بصورة دائمة من خلال التضخم المتزايد.
أهم المراجع:
ميلتون فريدمان، «دراسات في نظرية كمية النقود» (1956).
ميلتون فريدمان، «النظرية النقدية» (1969).
ميلتون فريدمان وآنا شوارتز، «تاريخ نقدي للولايات المتحدة، 1867–1960» (1963).
.
.
ثالثًا: المدرسة الكلاسيكية الجديدة
أبرز الأسماء: روبرت لوكاس، توماس سارجنت، روبرت بارو، ونيل والاس.
ظهرت المدرسة الكلاسيكية الجديدة في السبعينيات، واستندت بصورة أساسية إلى مفهوم «التوقعات العقلانية».
وتذهب هذه المقاربة إلى أن الأفراد والشركات لا يتصرفون بصورة سلبية أمام السياسات الحكومية، بل يأخذون في حساباتهم المعلومات المتاحة وتوقعاتهم بشأن السياسات المستقبلية.
وبذلك وجهت نقدًا مهمًا إلى فكرة إمكانية استخدام السياسات الاقتصادية بصورة منتظمة لضبط الدورة الاقتصادية؛ فإذا توقع الأفراد السياسة الحكومية مسبقًا، فقد تتغير استجاباتهم بطريقة تقلل من آثارها المتوقعة.
وكان روبرت لوكاس من أبرز من طوروا هذا الاتجاه، كما ارتبط به توماس سارجنت وروبرت بارو وغيرهما.
أهم المراجع:
روبرت لوكاس، «التوقعات والتضاد في الاقتصاد القياسي» (1976).
روبرت لوكاس، «دراسات في نظرية دورة الأعمال» (1981).
توماس سارجنت، «التوقعات العقلانية والاقتصاد القياسي» (مع نيل والاس، 1975).
.
.
رابعًا: المدرسة النمساوية
أبرز الأسماء: فريدريش هايك، لودفيغ فون ميزس، ويوجين فون بوم-باورك.
يختلف النقد النمساوي عن النقدية والكلاسيكية الجديدة في خلفيته النظرية.
يركز الاقتصاديون النمساويون على دور النقود والائتمان وأسعار الفائدة في تكوين الاختلالات الاقتصادية. ويرى هايك خصوصًا أن التوسع الائتماني والتدخل في سعر الفائدة يمكن أن يقود إلى استثمارات غير مستدامة، ثم تظهر الاختلالات في صورة أزمة اقتصادية.
ومن هذا المنظور، لا تُفسَّر الدورة الاقتصادية أساسًا بوصفها مشكلة نقص في الطلب تحتاج دائمًا إلى تحفيز حكومي، بل يمكن أن تكون نتيجة لاختلالات تراكمت خلال مرحلة التوسع الائتماني.
أهم المراجع:
فريدريش هايك، «الأسعار والإنتاج» (1931).
فريدريش هايك، «نظرية نقدية في الدورة التجارية» (1929).
لودفيغ فون ميزس، «النقود والائتمان» (1912).
.
خامسًا: من «مواجهة كينز» إلى تعدد المدارس
لم يكن الخلاف مع كينز خلافًا واحدًا.
فالنقديون ركزوا على النقود والتضخم.
والكلاسيكيون الجدد ركزوا على التوقعات العقلانية واستجابة الأفراد للسياسات الاقتصادية.
أما النمساويون فركزوا على النقود والائتمان وسعر الفائدة واختلالات الاستثمار.
ولهذا لا يصح وضع هذه المدارس كلها تحت عنوان واحد باعتبارها «مدرسة ضد كينز»؛ فلكل واحدة منها تصور مختلف عن كيفية عمل السوق، ومصدر الأزمات الاقتصادية، وحدود تدخل الدولة.
وبعد السبعينيات لم تختفِ الكينزية.
بل ظهرت اتجاهات جديدة حاولت إعادة صياغة أفكار كينز، وأبرزها «الكينزية الجديدة»، التي حاولت الجمع بين بعض عناصر التحليل الكينزي وبين التوقعات العقلانية والأسس الجزئية للاقتصاد الحديث.
وبذلك أصبح تاريخ الاقتصاد الكلي الحديث أقرب إلى حوار مستمر بين الكينزية والنقدية والكلاسيكية الجديدة والكِينزية الجديدة وغيرها من الاتجاهات، وليس مجرد انتقال من مدرسة إلى أخرى.
الخلاصة الفكرية
يمكن اختصار الخلاف في أربعة أسئلة:
كينز: ماذا يحدث عندما يكون الطلب الكلي غير كافٍ؟
النقديون: ما الدور الذي تؤديه النقود والسياسة النقدية في التضخم والدورات الاقتصادية؟
الكلاسيكيون الجدد: كيف تغير التوقعات العقلانية استجابة الأفراد للسياسات الحكومية؟
النمساويون: كيف يمكن للنقود والائتمان وأسعار الفائدة أن تولد اختلالات تؤدي إلى الأزمات؟
وهكذا فإن دراسة كينز لا تكتمل بدراسة «النظرية العامة» وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى قراءة أبرز خصومه ونقاده؛ لأن كثيرًا من تطور الاقتصاد الكلي في القرن العشرين جاء من الحوار والصراع النظري بين هذه الاتجاهات.
سؤال للنقاش:
هل الخلاف بين كينز وخصومه يتعلق أساسًا بـ«دور الدولة» في الاقتصاد، أم أنه خلاف أعمق حول طبيعة السوق، والبطالة، والنقود، والتوقعات، وأسباب الأزمات الاقتصادية؟
تنويه: هذا المنشور يعرض المدارس الاقتصادية ومواقفها النظرية بصورة تعريفية، ولا يتبنى موقفًا اقتصاديًا بعينه
أهم المراجع العامة للموضوع
جون ماينارد كينز – «النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود» – 1936.
ميلتون فريدمان – «دراسات في نظرية كمية النقود» – 1956.
ميلتون فريدمان وآنا شوارتز – «تاريخ نقدي للولايات المتحدة، 1867–1960» – 1963.
فريدريش هايك – «الأسعار والإنتاج» – 1931.
روبرت لوكاس – «دراسات في نظرية دورة الأعمال» – 1981.
توماس سارجنت – «التوقعات العقلانية والاقتصاد القياسي» – 1975، بالاشتراك مع نيل والاس.
ن. غريغوري مانكيو – «الاقتصاد الكلي» – مرجع حديث مهم لفهم تطور المدارس الكلية والنقاش بين الكينزية والكلاسيكية الجديدة.
أوليفييه بلانشار – «الاقتصاد الكلي» – من المراجع الحديثة المهمة لفهم تطور الاقتصاد الكلي بعد كينز.

