
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم القتل بدعوى الشرف بين الأعراف الجاهلية وأحكام الشريعة الإسلامية
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
حكم القتل بدعوى الشرف بين الأعراف الجاهلية وأحكام الشريعة الإسلامية
دراسة فقهية مقارنة
.
مسألة “جرائم الشرف” – التي كثر الجدل حولها في الآونة الأخيرة، واحتدم النقاش بشأنها بين مؤيد ومعارض – من المسائل الخطيرة التي تحتاج إلى بيان شرعي دقيق، وتأصيل فقهي متين، مستمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأقوال أئمة الفقهاء رحمهم الله، بعيداً عن الانفعالات العاطفية والأعراف القبلية التي كثيراً ما يحكمها الشطط والتجاوز.
وسنتناول هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:
العنصر الأول: تعريف جرائم الشرف وصورها المتعددة
● أولاً: تعريف جرائم الشرف
• هذه الجرائم التي تُرتكب داخل العائلة أو القبيلة، كأن يقتل الأب ابنته البكر العذراء عمداً، أو يقتل الأخ أخته عمداً، بدعوى الدفاع عن الشرف، والغيرة على العرض، حين تتهم الفتاة – صدقاً أو كذباً – بارتكاب الزنا، فتثور ثائرة الأب أو الشقيق، ولا يطفئ ناره ولا يمحو عاره إلا أن يتخلص منها بقتلها.
• وهي تدخل تحت ما يعرف في العصر الحديث بـ(جرائم الشّرف)، وقد بحثها العلماءُ قديماً في كتب الفقه وشروح الحديث تحت جملةٍ من الأبواب؛ منها (باب اللِّعان)، و(باب الحدود والتّعزيرات).
● ثانياً: صور جرائم الشرف
• الصورة الأولى: أن يفاجئ الرجل ابنته متلبّسة بالزنى فيقتلها؟ أو يفاجئ من يزني بابنته فيقتله؟ أو يفاجئ بابنة زوجته، أو من يزني بها فيقتلها أو يقتله؟
• الصورة الثانية: الزّوجة التي تقتل زوجها إذا رأته يزني بابنته، أو من هي في حجره، أو الخادمة؟
• الصورة الثالثة: أبٌ اعتدى جنسيًّا على ابنته، وقام ابنه بقتله؛ فما الحكم على الابن؟
• الصورة الرابعة: من وجد أخته متلبّسة بحالة زنا؛ فقام بقتلها، أو قتل من يزني بها؟ وهل يستوي الحكم فيما لو كانت شقيقة، أو لأب، أو لأم، أو من الرضاعة؟
العنصر الثاني: حرمة قتل النفس في الإسلام وعظم جريمة القتل
● أولاً: النصوص القرآنية في تحريم قتل النفس
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء، رقم: ٩٣].
قال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة، رقم: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان، رقم: ٦٨-٦٩].
● ثانياً: النصوص النبوية في تعظيم أمر الدم الحرام
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» <رواه البخاري (6355)>.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» <رواه البخاري (6370) ومسلم (3175)>.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» <رواه مسلم>.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء، رقم: ٣٢].
● ثالثاً: مكانة حفظ النفس في مقاصد الشريعة
• النفس الإنسانية في الإسلام معصومة، وحفظها من الضروريات الخمس الواجب رعايتها وصيانتها.
• قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة، رقم: ٥٠].
العنصر الثالث: أقوال الفقهاء في جرائم الشرف
● تمهيد: لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أن القاتل في الأحوال المسؤول عنها إذا لم يُقِم بيّنة بزنى المقتول من زوجته أو بعض محارمه، ومن يفعل بهنّ الفاحشة، ولم يعترف أولياء المقتول: فإنّ عليه القصاص قضاءً، وإن كان لا شيء عليه إذا صَدَق في قوله فيما بينه وبين الله تعالى (ديانةً) في قول الجمهور.
● أولاً: قول الحنفية:
• قال ابنُ عابدين في (حاشيته): «إذا وجد رجلاً مع امرأة لا تحلُّ له قبل أن يزني بها؛ فهذا لا يحلُّ قتلُه إذا علم أنّه ينزجر بغير القتل؛ سواء كانت أجنبيةً عن الواجد، أو زوجةً له، أو محرماً منه. أمّا إذا وجده يزني بها فله قتلُه مطلقاً…ثم رأيت في (جنايات الحاوي) الزَّاهدي ما تؤيّده أيضاً؛ حيث قال: رجلٌ رأى رجلاً مع امرأته يزني بها أو يقبّلها أو يضمُّها إلى نفسه وهي مطاوعة فقتله أو قتلهما لا ضمان عليه… ولو رأى رجلاً مع امرأةٍ في مفازةٍ خاليةٍ، أو رآه مع محارمه هكذا ولم يرمنه الزنا ودواعيه: قال بعض المشايخ: حل قتلُهما. وقال بعضهم: لا يحلُّ حتّى يرى منه العمل؛ أي الزنا ودواعيه، ومثله في (خزانة الفتاوى)» <حاشية ابن عابدين (4/231)>.
• وقال في (الدر المختار): «وفي المجتبى: الأصلُ أنّ كلّ شخص رأى مسلماً يزني يحلُّ له أن يقتله، وإنّما يمتنع خوفاً من أن لا يصدّق أنّه زنى» <الدر المختار (4/64)>.
• ثمّ علّق عليه في الحاشية بقوله: «وحاصلُه أنّه يحلُّ ديانةً لا قضاءً؛ فلا يصدّقه القاضي إلا ببيّنة» <حاشية ابن عابدين (4/64)>.
• وقال العينيُّ: «وبالغ أصحابُنا في هذا حيث قالوا: رجلٌ وجد مع امرأته أو جاريته رجلاً يريد أن يغلبها ويزني بها له أن يقتله؛ فإن رآه مع امرأته أو مع محرم له وهي مطاوعة له على ذلك قتل الرّجل والمرأة جميعاً. ومنهم من منع ذلك مطلقاً» <عمدة القاري شرح صحيح البخاري (24/21)>.
● ثانياً: قول المالكيّة:
• قال الحافظ ابنُ عبد البر – بعدما أورد ما أخرجه مالكٌ في (الموطّأ) عن سعيد بن المسيب: أنّ رجلاً من أهل الشام يقال له ابنُ خَيْبَرِيّ وجد مع امرأته رجلاً فقتله أو قتلهما معاً؛ فأشكل على معاوية بن أبي سفيان القضاء فيه؛ فكتب إلى أبي موسى الأشعري يسأل له علي بن أبي طالب عن ذلك؛ فسأل أبو موسى عن ذلك عليَّ بن أبي طالب؛ فقال له عليّ: إنّ هذا الشيءٌ ما هو بأرضي عزمت عليك لتخبرني؛ فقال له أبو موسى: كتب إلي معاوية بن أبي سفيان أن أسالك عن ذلك فقال علي: أنا أبو حسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برُمّته-: «معناه عنده -يعني: مالكاً-: فليسلّمه برمّته إلى أولياء القتيل يقتلونه. وقيل: يسلّم إليهم بحبل في عنقه للقصاص إن لم يُقم أربعة شهدوا عليه بالزنى الموجب للرّجم. وعلى قول علي جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ وأهلِ الرأي والآثارِ» <الاستذكار (22/152)>.
• وقال ابنُ بطّال: «وقال ابنُ حبيب: إذا كان المقتولُ محصنًا؛ فالذي ينجي قاتله من القتل أن يقيم أربعة شهداء أنّه فعل بامرأته، وأمّا إن كان المقتول غير محصن فعلى قاتله القوَد، وإن أتى بأربعة شهداء، هذا وجه الحديث عندي-يعني: حديث سعد الآتي-. وذكر ابن مُزَيْن عن ابن القاسم: أنّ ذلك فى البكر والثيّب سواء؛ يُترك قاتلُه إذا قامت له البيّنة بالرؤية. وقال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب: أستحب الدية فى البكر في مال القاتل» <شرح صحيح البخاري (8/480)>.
• وقال الحافظ ابنُ حجرٍ-عند التعليق على حديث المغيرة بن شعبة t قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي لضربتُه بالسيفِ غيرَ مُصْفَح فبلغ ذلك النبيَّ r فقال: أتعجبون من غيرة سعد؛ لأنا أغيرُ منه، واللهُ أغيرُ منّي -: «قوله: (أتعجبون من غيرة سعد) تمسّك بهذا التّقرير من أجاز فعل ما قال سعد، وقال: إن وقع ذلك ذهب دمُ المقتول هدراً. نُقل ذلك عن ابن الموّاز من المالكيّة» <فتح الباري (9/321)>.
● ثالثاً: قول الشّافعيّة:
• قال الإمام الشّافعي – بعد أن ذكر قول علي t السابق، وحديث أبي هريرة t: أنّ سعداً قال: يا رسولَ الله أرأيتَ إن وجدتُ مع امرأتي رجلاً أأمهلُه حتّى آتيَ بأربعة شهداء؟ فقال رسولُ الله r: نعم! -: «وبهذا نقول؛ فإذا وجد الرّجلُ مع امرأته رجلاً فادّعى أنّه ينال منها ما يوجب الحدَّ وهما ثيّبان معاً فقتَلَهما أو أحدَهما لم يصدّق وكان عليه القوَدُ أيَّهما قتل إلا أن يشاء أولياؤُه أخذَ الدّيةِ أو العفو…ويسعه فيما بينه وبين الله عز وجل قتلُ الرّجلِ وامرأتِه إذا كانا ثيّبين وعلم أنّه قد نال منها ما يوجب القتل، ولا يصدّق بقوله فيما يسقط عنه القود، وهكذا لو وجده يتلوّط بابنه أو يزني بجاريته لا يختلف…ولو أنّ رجلاً وجد مع امرأتِه رجلاً ينال منها ما يحدُّ به الزاني فقتلهما والرجلُ ثيّبٌ والمرأةُ غيرُ ثيّبٍ فلا شيءَ في الرّجل وعليه القودُ في المرأة، ولـو كـان الرجلُ غيرَ ثيّبٍ والمرأةُ ثيّباً كان عليه في الرّجلِ القودُ، ولا شيءَ عليه في المرأة» <الأم (6/31-32). وانظر: الحاوي الكبير للماوردي (13/457-459)>.
• قال النّوويُّ: «وقد اختلف العلماء فيمن قتل رجلاً وزعم أنّه وجده قد زنى بامرأته؛ فقال جمهورهم: لا يقبل قوله بل يلزمه القصاص إلا أن تقوم بذلك بيّنةٌ، أو يعترف به ورثةُ القتيل، والبيّنةُ أربعةٌ من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنى ويكون القتيلُ محصناً، وأمّا فيما بينه وبين الله تعالى فإنْ كان صادقاً فلا شيء عليه. وقال بعض أصحابنا: يجب على كلّ من قتل زانياً محصناً القصاصُ ما لم يأمر السلطانُ بقتله. والصوابُ الأوّلُ» <شرح النووي على مسلم (10/121)>.
● رابعاً: قول الحنابلة:
• قال ابنُ قدامة: «وإذا قتل رجلاً وادعى أنّه وجده مع امرأتِه أو أنّه قتله دفعاً عن نفسه أو أنه دخل منزله يكابره على ماله فلم يقدر على دفعه إلا بقتله: لم يقبل قوله إلا ببيّنة، ولزمه القصاص؛ روي نحو ذلك عن علي t، وبه قال الشافعيُّ و أبو ثور و ابنُ المنذر، ولا أعلم فيه مخالفاً. وسواء وُجد في دار القاتل أو في غيرها، أو وُجد معه سلاحٌ أو لم يوجد؛ لما روي عن علي t: أنّه سئل عمّن وجد مع امرأته رجلاً فقتله؛ فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمّته، ولأنّ الأصل عدم ما يدّعيه فلا يثبت بمجرد الدعوى. وإن اعترف الوليُّ بذلك فلا قصاص عليه ولا دية؛ لما روي عن عمر t: أنّه كان يوماً يتغدّى إذ جاءه رجلٌ يعدو وفي يده سيف ملطّخٌ بالدم ووراءه قومٌ يعدُون خلفه فجاء حتّى جلس مع عمر فجاء الآخرون فقالوا: يا أمير المؤمنين إنّ هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّي ضربت فخذي امرأتي؛ فإن كان بينهما أحدٌ فقد قتلته! فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرّجل وفخذي المرأة فأخذ عمر سيفه فهزه ثم دفعه إليه وقال: إن عادوا فعد رواه سعيد في سننه…ولأن الخصم اعترف بما يبيح قتله فسقط حقُّه كما لو أقرّ بقتله قصاصاً أو في حد يوجب قتله، وإن ثبت ذلك ببيّنة فكذلك» <المغني (9/337)>.
• وقال ابن تيمية: «ومن رأى رجلاً يفجر بأهله جاز له قتلُهما فيما بينه وبين الله تعالى، وسواء كان الفاجرُ محصناً أو غيرَ محصنٍ، معروفاً بذلك أم لا؛ كما دلّ عليه كلامُ الأصحاب وفتاوى الصحابة، وليس هذا من باب دفع الصائل كما ظنّه بعضهم، بل هو من عقوبة المعتدين المؤذين» <الفتاوى الكبرى (5/521)>.
العنصر الرابع: الأخطاء الشرعية في جرائم الشرف
● وفي جرائم الشرف تقع جملة من الأخطاء الشرعية:
• أولاً: التفرقة بين الرجال والنساء أو بين الأبناء والبنات، فلا يوجه الآباء أو الإخوة كلمة لوم واحدة إلى الفتى الزاني ويقتلون البنت الزانية. وهذا ليس من منطق الإسلام في شيء، كما نرى الرجل يزني ابنه فلا يتمعض وجهه ولا ينكر عليه، وتزني ابنته فتثور ثائرته، ويرى إنها ارتكبت ما يوجب قتلها، والعمل محرّم على الابن والبنت معا.
• ثانياً: أنهم يحكمون بالقتل على الفتاة البكر، وعقوبتها الشرعية -لو ثبت عليها الزنى بالبينة أو الإقرار الحر أربع مرات- هو الجلد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» <رواه مسلم>.
• ثالثاً: أنهم كثيراً ما يحكمون عليها بكبيرة الزنى وهي لم تزن، بل ربما كان لقاء بينها وبين رجل اقتصرا في لقائهما على المقدمات، ولم ينتهيا إلى النتائج، أي بقيا في مرتبة “إلا اللمم” والله تعالى يقول في وصف المحسنين: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم، رقم: ٣١]، ويقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء، رقم: ٣١]، وهذا الذي يعتبر صغيرة لا شك أنه حرام، ولكنه لا يوجب القتل، بل لا يبيح القتل.
• رابعاً: أنهم كثيراً ما يأخذون بالإشاعات ويصدقون الاتهامات الباطلة، ولا يحققون فيها تحقيقاً قضائياً عادلاً مثبتاً، ناسين أو متناسين أن الأصل في الإنسان السلامة، وفي المتهم البراءة، وخصوصاً في قضية “الزنى” التي شدد الشرع في إثباتها تشديداً لا نظير له، فاشترط أربعة شهود عدول، يرون عملية الزنى بوضوح ينفي كل احتمال، ويقطع كل شبهة.
• والحقيقة: أنهم يعطون أنفسهم سلطة المفتي والمحقق والقاضي والشرطي جميعاً!! ولا شك أن يقعوا في أخطاء جسيمة، كثيراً ما تتبين لهم، بعد تنفيذ العقوبة على الفتاة، ووقوع الفأس على الرأس، وحينئذ يندمون حيث لا ينفع الندم.
• والواجب في هذه القضية: الوقوف عند حدود الله تعالى، والتقيد بأحكام شرعه، وتغليبها على الأعراف القبلية التي كثيراً ما يحكمها الشطط والتجاوز والتعدي، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة، رقم: ٥٠].
العنصر الخامس: ضوابط إقامة حد الزنا في الشريعة الإسلامية
● أولاً: شروط إقامة الحد
• اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم حدَّ الزنا على الحرِّ إلا الإمام أو نائبه.
• قال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله في “الفروع” (6/53): «تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه» <الفروع (6/53)>.
• وهذا محل اتفاق بين فقهاء الإسلام، كما ورد هذا في “الموسوعة الفقهية” (5/280): «يتفق الفقهاء على أن الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، سواء كان الحد حقا لله تعالى كحد الزنى، أو لآدمي كحد القذف» <الموسوعة الفقهية (5/280)>.
● ثانياً: شروط ثبوت الزنا
• من شروط إقامة الحد ثبوت الزنا، وهذا لا يكون إلا بأحد أمرين:
• الأول: البينة، وهي أربعة شهود رجال مسلمين عدول، وهذا عند جمهور الفقهاء، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء، رقم: ١٥]. ولا تُقبل شهادةُ النساء في الزنا.
• الثاني: الإقرار أربع مرات في أربعة مجالس يأتي طائعاً غير مكره، ولم يرجع عن إقراره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم «رجم ماعزاً والغامدية بإقرارهما» <رواه البخاري ومسلم>.
• وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور، رقم: ٤].
● ثالثاً: معنى الإحصان
• المحصن ذكراً كان أو أنثى: كل مكلف حر وطئ أو وطئت في قُبُلٍ في نكاح صحيح.
• «والإحصان شروطه خمسة: 1ـ الجماع 2ـ في نكاح صحيح 3ـ البلوغ 4ـ العقل 5ـ الحرية» ابن عثيمين : زاد (6/120) الطبعة المصرية:>.
● رابعاً: عقوبة الزاني
• لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة.
• أما غيرُ المحصن فيجلد مئة جلدة حداً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» <رواه مسلم>.
● خامساً: حكم الدم قبل قضاء القاضي
• دم زاني المحصن يكون هدراً بعد قضاء القاضي به، أي بعد ثبوت الزنا عند القاضي بشروطه وصدور الحكم منه بالرجم، وإلا فدمه ليس مهدوراً عند الحنفية، وعند الجمهور يكون دمه مهدوراً إذا ثبت الزنا.
لكن الذي يقيم الحد ولى الأمر .
العنصر السادس: الأحكام التفصيلية لصور جرائم الشرف
● أولاً: إذا كان القاتل هو الأب
• القاتل إذا كان هو الأب: لا يحكم عليه بالقصاص شرعاً؛ لأنه لا يقتل والد بولده، كما هو مذهب الفقهاء.
• وأما الأب فلا يقتص منه في قتل ابنته الزانية أو غيرها، وللحاكم تعزيره على ذلك، لكن ذلك لا يرفع عنه الإثم.
● ثانياً: إذا كان القاتل هو الأخ .
• وإذا كان القاتل هو الأخ فلا بد أن يوافق جميع أولياء الدم على طلب القصاص، فإذا عفا واحد منهم عن حقه: سقط القصاص.
• ويبعد جداً في مثل هذه الحالة: أن يوافق الأب إن كان حياً، أو الإخوة جميعاً على القصاص من أخيهم الذي لم يرتكب جريمته إلا دفاعاً عن شرفهم. وحتى لا تتضاعف الخسارة عليهم، فتفقد العائلة اثنين بدل فقد واحد. وفي هذه الحالة تنتقل العقوبة من القصاص إلى التعزير المفوض إلى المحكمة، فتحكم عليه بالسجن المدة التي تراها.
● ثالثاً: التفصيل بحسب حال المقتول (محصناً أو غير محصن)
• فإذا ثبت أن أخته المتزوجة قد زنت – بشهود أربعة رجال أو إقرار منها أربع مرات في أربعة مجالس – وكانت عاقلة عالمة بالتحريم، والشبهة منتفية، وكان باختيارها بدون إكراه، وكان الوطء في القُبُل، فإن دمها صار مهدوراً عند جمهور الفقهاء، فإذا قتلها غير الإمام فإنه يعزَّر – يعاقب – لأنه تعدى على حق الإمام، ولا يُقتصُّ منه بالقتل.
أما إذا ثبت أن أخته قد زنت بالإقرار لا بالشهود، ثم رجعت عن إقرارها فقتلها فإنه يقتصُّ منه بالقتل.
أما عند الحنفية فيعتبر قاتلاً ويُقتصُّ منه بالقتل إذا لم يُصدِر القاضي حكمَه فيها بالرجم، فإن صَدَرَ حكمُه فيها بالرجم وقتلها أخوها فإنه يُعزَّر لتعديه على حق الإمام.
• وأما بالنسبة للزاني غير المحصن: فإن عقوبة الزاني غير المحصن هي الجلد باتفاق الفقهاء، وهو حقُّ الإمام، فإذا قُتل الزاني غير المحصن فإن قاتله يُقتل قصاصاً، والذي يقتله الإمام.
• فإذا ثبت أن أخته العزباء قد زنت وقتلها فإنه يعتبر قاتلاً عمداً، ويجب على الإمام إقامة الحد عليه وهو القتل، وإن استحلَّ القاتلُ القتلَ فإنه يُكْفَر.
• فإن قام الأخ بقتل أخته الزانية، وكانت غير محصنة فهو آثم مرتكب لذنب عظيم، ويقتص منه إلا إذا عفا عنه أولياء الدم. فإن عفوا عنه بدية أو بغيرها فلا يرفع ذلك عنه إثم القتل، فيجب عليه التوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم.
• وأما إن كانت محصنة، فإنه يطالب قضاء بالبينة على أنها قد ارتكبت الزنا مختارة، فإن أثبتت البينة ذلك فلا تلزمه دية ولا قصاص ولا كفارة، ولكنه آثم لافتياته على السلطان، فعلى السلطان أن يعزره على افتياته في إقامة الحد.
● رابعاً: حكم من قتل زانية (أباً أو غيره)
• فالزنا ذنب كبير، وفاعله فاسق. لكن ليس لأي أحد إقامة الحد عليه، بل يرجع في ذلك إلى القضاء الشرعي.
• وأما الأب فلا يقتص منه في قتل ابنته الزانية أو غيرها، وللحاكم تعزيره على ذلك، لكن ذلك لا يرفع عنه الإثم.
• وليعلم المسلم أن شأن القتل عظيم وجرمه كبير، ويكفي فيه قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء، رقم: ٩٣].
• فعلى الإنسان أن يتقي الله في نفسه، ولا يقدم على مثل هذا الذنب العظيم.
العنصر السابع: موقف الشريعة من الشك والظن في جرائم الشرف
● أولاً: الأصل في الإنسان السلامة والبراءة
• الأحكام الشرعية في الإسلام تبنى على اليقين وغلبة الظن المبني على الأدلة الواضحة، ولا تبنى الأحكام على الشك والوهم.
• فالزنا لا يقام حده حتى يثبت يقيناً بأحد أمرين: البينة (أربعة شهود) أو الإقرار (أربع مرات أمام القاضي).
• أما الشك في سلوك الشخص، أو الاشتباه به، فلا يعتبر دليلاً أو حجة على أنه قام بجريمة الزنا، بل على العكس؛ لأن الشك يفسر لصالح المتهم، والأصل براءة الإنسان من هذه الجريمة، ولا بد من إقامة الدليل الواضح على خلاف الأصل، والبراءة هي اليقين، وهو لا يزول بالشك.
• ومعلوم أن الحدود تُدرأ بالشبهات، قال عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: «لأن أعطلَ الحدودَ بالشبهاتِ، أحبُّ إليَّ من أن أُقيمَها بالشبهاتِ» <الاستذكار لابن عبد البر 8/13>.
● ثانياً: خطورة تولي الأفراد إقامة الحدود
• إن قيام الشخص بقتل قريبته بدعوى حماية الشرف وصيانة العرض، فعل محرم شرعاً، وجريمة يجب أن يحاسب القاتل عليها، وأن لا تكون القرابة أو الشك عذراً مخففاً له؛ لأن الأحكام لا تثبت بالشك، ولأن القضاء هو من يتولى إصدار الأحكام ويتابع تنفيذها لا الأفراد.
• وإقامة آحاد الرعية الحدود تؤدي إلى فساد واضطراب كبيرين.
• قال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله في “الفروع” (6/53): «تحرم إقامة حد إلا لإمام أو نائبه» <الفروع (6/53)>.
● ثالثاً: الستر على من وقع في الفاحشة
• والستر على من وقع في هذه الفاحشة ليتوب ويصلح عمله قبل الموت خير من فضحه فضلاً عن قتله، وقد أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن ماعز رضى الله عنه بعد أن اعترف بالزنى وتركه حتى عاد مراراً فأقام عليه الحد.
العنصر الثامن: الخلاصة والترجيح
● أولاً: الخلاصة الفقهية
• أنه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنّ القاتل في الأحوال المسؤول عنها إذا لم يُقِم بيّنة بزنى المقتول من زوجته أو بعض محارمه، ومن يفعل بهنّ الفاحشة، ولم يعترف أولياء المقتول: فإنّ عليه القصاص قضاءً، وإن كان لا شيء عليه إذا صَدَق في قوله فيما بينه وبين الله تعالى (ديانةً) في قول الجمهور.
• فإن أقام البيّنة: فلا شيء عليه قضاءً إذا كان المقتولُ محصناً، وكذا إذا كان غيرَ محصنٍ في قول الجمهور؛ خلافاً للشّافعيّة وبعض المالكيّة.
• وهذا ما تيسّر الوقوف عليه من أقوال الفقهاء في هذا الموضوع، ويجدر التّنبيه إلى أنّ بعض الصور المسؤول عنها؛ كصورة قتل المرأة زوجها إذا وجدته يزني بمن تحرم عليه لم نجد للفقهاء كلاماً فيها.
● ثانياً: الترجيح
• الراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن القاتل بدعوى الشرف لا يُقبل قوله إلا ببينة، ويلزمه القصاص قضاءً، إلا أن يعترف أولياء الدم بما يبيح قتله.
• ويبقى الأمر فيما بين العبد وبين الله (ديانةً) واسعاً لمن صدق في دعواه، لكنه لا يسقط عنه حق القضاء.
• والتخفيف في هذه الجرائم قائم بحكم طبيعة الجريمة وإطارها وظروفها، من حيث انتقال العقوبة من القصاص إلى التعزير في بعض الأحوال.
• ومن المتعذر أن نحكم بالإعدام – أو ينفذ الحكم به – وفق أحكام الشريعة، لاشتراط إجماع أولياء الدم على القصاص من القاتل. ومن الصعب جداً أن يتحقق هذا الإجماع.
● ثالثاً: نصيحة عامة
• يجب على المسلم أن يعلم أن شأن القتل عظيم وجرمه كبير، وأن يتقي الله في نفسه، ولا يقدم على مثل هذا الذنب العظيم.
• والواجب على الآباء والإخوة القيام بما أوجب الله عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة، لا بالقتل والتشريد.
• قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل، رقم: ١٢٥].
• وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم، رقم: ٦].
• وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته…» <رواه البخاري ومسلم>.
• وفي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة، إن الله رفيق، يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» <أصل الحديث في الصحيحين>.
اللهم احفظ دماء المسلمين، واهدِ شبابنا وبناتنا إلى سواء السبيل، وردَّهم إليك رداً جميلاً، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا للعمل بكتابك وسنة نبيك، واحفظنا من الزلل والفتن ما ظهر منها وما بطن

