
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأستاذ الدكتور أحمد محمد مليجي
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
أعلام المرافعات في الوطن العربي ⑨
الأستاذ الدكتور أحمد محمد مليجي
في تاريخ العلوم القانونية رجال لا تقاس منزلتهم بكثرة ما تولوه من المناصب، ولا بعدد ما تركوه من المصنفات، بل بما شادوه في العلم من أصول، وما أقاموه فيه من مناهج، وما تركته أقلامهم من أثر باق في عقول من جاء بعدهم. وأهل المرافعات أدرى بقيمة الرجل الذي لا يقف عند حدود النص، بل ينفذ إلى علله، ولا يكتفي بمعرفة القاعدة، بل يردها إلى أصولها، ثم يتابعها في ساحة القضاء حتى تستحيل حكما، وتمضي إلى غايتها في التنفيذ.
ومن هذا الباب يبرز اسم الأستاذ الدكتور أحمد محمد مليجي في طليعة الأسماء التي اقترنت بالمرافعات علما وتدريسا وتأصيلا وممارسة. فقد جمع بين الأستاذية ورئاسة قسم القانون الخاص وعمادة كلية الحقوق بجامعة أسيوط، وبين ممارسة المحاماة أمام محكمة النقض والعمل في التحكيم الدولي، ونال وسام الجمهورية. ثم استقر له في فقه المرافعات والتنفيذ حضور علمي جعل اسمه معروفا في هذا الفن، حتى شاع وصفه بين أهل القانون بـ «سنهوري المرافعات»، وهو وصف يعبر عن رسوخ مكانته واتساع أثره في هذا الميدان.
ولم يكن هذا المقام وليد مصادفة عابرة، بل ثمرة تكوين علمي تدرج في مدارج متينة. فقد نال ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس سنة 1973م، ثم دبلوم القانون العام سنة 1975م، ودبلوم القانون المقارن سنة 1976م، ثم الدكتوراه سنة 1979م عن أطروحته «تحديد نطاق الولاية القضائية والاختصاص القضائي»؛ وهي دراسة تتصل بأصلين من أصول العمل القضائي: بيان مدى سلطان القضاء، وتحديد المحكمة التي ينعقد لها الاختصاص بمباشرة هذا السلطان.
ثم انتقل إلى كلية الحقوق بجامعة أسيوط، فتدرج في مراتب هيئة التدريس حتى بلغ الأستاذية سنة 1989م، وتولى رئاسة القسم، ووكالة الكلية للدراسات العليا والبحوث، ثم عمادتها. فانتظم بذلك خيط سيرته العلمية والعملية حول مسائل القضاء وإجراءاته، من نشأة الخصومة إلى صدور الحكم وما يتصل به من طعن وتنفيذ.
ومن هنا اتسعت عنايته لتشمل دقائق هذا الفن في مواضعها المختلفة؛ من الاختصاص وأعمال القضاة، إلى الخصومة وركودها، والاستئناف والنقض، ثم التنفيذ بما يتصل به من إشكالات ومنازعات وحجوز. ولم تكن مؤلفاته جمعا لعناوين متفرقة، بل جاءت في جملة متساندة، تواكب حركة الدعوى وآثار الحكم حتى بلوغ الحق غايته.
أولا: أبرز مؤلفاته وأشهرها
1. الموسوعة الشاملة في التعليق على قانون المرافعات
من أبرز أعماله في هذا الفن، لما اشتملت عليه من تعليق على نصوص قانون المرافعات، والاستناد إلى آراء الفقه وأحكام القضاء والصيغ القانونية، في معالجة تجمع بين التأصيل ودقائق التطبيق.
2. الموسوعة الشاملة في التنفيذ
من أوسع مؤلفاته في باب التنفيذ وأعمقها معالجة، إذ تجمع بين التأصيل العلمي والخبرة العملية، وتتناول مشكلات التنفيذ الجبري وأحكام القضاء والصيغ العملية، حتى يلتقي فيها النص بالعمل، والفقه بالقضاء، والقاعدة بتطبيقها في واقع الخصومة.
3. إشكالات التنفيذ ومنازعات التنفيذ الموضوعية
من المراجع المهمة في مسائل التنفيذ، لما يعرض له من دقائق الإشكالات والمنازعات من جانبيها الفقهي والعملي، مع بيان ما يوقف التنفيذ وما لا يوقفه، وما يتصل بذلك من صور المنازعة وآثارها، وهو من أدق ميادين المرافعات وأشدها اتصالا بثمرة الحكم.
ثانيا: من أبرز مؤلفاته الأخرى
النظام القضائي الإسلامي
اختصاص المحاكم الدولي والولائي
الاختصاص القيمي والنوعي والمحلي للمحاكم.
أعمال القضاة: القضائية والولائية والإدارية.
الطعن بالاستئناف: أحكامه في ضوء القانون والفقه والقضاء.
موسوعة الطعون في الأحكام.
ركود الخصومة المدنية: الشطب والوقف والانقطاع.
أصول التنفيذ في القانون الكويتي.
موسوعة قانون الإجراءات المدنية والتجارية بسلطنة عُمان.
ثالثا: أبرز أبحاثه ودراساته
1. كفالة حق التقاضي: دراسة مقارنة بين القانون والشريعة الإسلامية.
2. حبس المدين في الديون المدنية والتجارية.
3. حول القضاء المستعجل في دولة الإمارات العربية.
4. تصدي محكمة النقض للفصل في موضوع الدعوى المدنية
5. مدى خضوع غير المسلمين لولاية القضاء الإسلامي.
6. كفالة حق المرأة في التقاضي.
وعلى اختلاف هذه الدراسات في موضوعاتها، فإنها تلتقي في أصل جامع يدور حوله جانب كبير من إنتاجه: ضبط حق التقاضي، وتحديد سلطان القضاء، وإحكام إجراءات الخصومة، وبيان ما يترتب على الحكم من آثار.
ماذا يضيف هذا الإنتاج إلى رجل القانون؟
قيمة هذه المؤلفات لرجل القانون ليست في كثرة مسائلها وحدها، وإنما في أنها تعينه على متابعة الدعوى من بدايتها إلى نهايتها؛ فيفهم مواضع الاختصاص، ويضبط مسار الخصومة، ويميز وجوه الطعن، ويحيط بمسائل التنفيذ ومنازعاته، مستصحبا النص والفقه والقضاء والصياغة القانونية في سياق واحد.
ختاما
هكذا يبقى أثر الفقيه الحق: لا ينقضي بانقضاء أيامه؛ لأن العلم الذي أحكم أصوله لا يشيخ، والكتاب الذي صيغ بعناية لا يفقد قيمته، والقواعد التي أودعها صاحبها بين دفتي المصنف تظل حاضرة كلما عرضت للقاضي أو المحامي خصومة تحتاج إلى فقه، أو حكم يحتاج إلى طريق، أو حق يحتاج إلى نفاذ.
وقد مضى الأستاذ الدكتور أحمد مليجي، وبقيت آثاره شاهدة عليه؛ وما أحوج المشتغل بالقانون إلى قراءة أمثال هذه الآثار، لا لمجرد معرفة ما كتب أصحابها، بل ليتعلم كيف يبنى النظر القانوني، وكيف ترتبط القاعدة بأصلها، وكيف تنتقل المعرفة من صفحات الكتب إلى صميم العمل القضائي.
وهذه هي الغاية التي نرجوها من هذه السلسلة: أن نفتش في خزائن الفقه القانوني العربي عن رجاله وآثارهم، وأن نعيد إلى الواجهة الكتب التي صنعت أجيالا من أهل القانون، لتظل المعرفة القانونية حية، موصولة السند، ممتدة الأثر.

