رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الاستعارة من منظور ذهني

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الاستعارة من منظور ذهني

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الاستعارة من منظور ذهني: مقاربة لسانية معرفية

تمهيد

لم تعد الاستعارة في الدراسات اللسانية الحديثة مجرد وسيلة بلاغية يُلجأ إليها لتزيين الكلام أو إكسابه بعدًا جماليًا، بل أصبحت تُدرس بوصفها آلية أساسية من آليات اشتغال الذهن وبناء المعنى. فقد أسهمت اللسانيات المعرفية في نقل البحث في الاستعارة من مستوى العبارة اللغوية إلى مستوى التصور الذهني، مؤكدة أن الإنسان لا يستعمل الاستعارة فحسب، وإنما يفكر من خلالها أيضًا.

وقد شكّل كتاب «الاستعارات التي نحيا بها» لجورج لايكوف ومارك جونسون منعطفًا مهمًا في تاريخ دراسة الاستعارة؛ إذ قدّم تصورًا يرى أن الاستعارة تقوم على إسقاط بنية مجال معرفي على مجال آخر، بما يسمح للمتكلم بفهم المفاهيم المجردة من خلال تجارب أكثر تجسدًا ووضوحًا.

ومن هذا المنظور، تغدو الاستعارة ظاهرة لسانية ومعرفية في آن واحد؛ فهي تظهر في اللغة، لكنها تستند إلى عمليات ذهنية أعمق من مجرد استبدال لفظ بلفظ.

أولًا: من الاستعارة البلاغية إلى الاستعارة المعرفية

ارتبطت الاستعارة في التراث البلاغي العربي بمفهوم المجاز ونقل اللفظ عن معناه الأصلي لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. وقد اهتم البلاغيون بتحليل صورها وعلاقاتها وشروطها، ولا سيما في مباحث علم البيان.

غير أن المقاربة المعرفية تقترح إعادة النظر في السؤال نفسه: بدل أن نسأل فقط كيف صيغت الاستعارة؟، يصبح السؤال: كيف يفهم الإنسان المفهوم الاستعاري؟ وما البنية الذهنية التي تجعل هذا الفهم ممكنًا؟

فعندما نقول:

«أضاع وقته»

فإننا لا نتعامل مع الزمن بوصفه شيئًا ماديًا يمكن امتلاكه أو فقدانه حرفيًا، وإنما نفهم الزمن من خلال مجال آخر هو مجال الأشياء والموارد. ولذلك يمكن أن نقول أيضًا: «استثمر وقته»، «وفّر وقتًا»، «هدر وقته».

وهنا لا تكون الاستعارة مجرد صورة أسلوبية منفردة، بل تكشف عن نسق تصوري يحكم مجموعة من التعبيرات اللغوية.

ثانيًا: الاستعارة بوصفها عملية ذهنية

تنطلق اللسانيات المعرفية من فرضية أساسية مفادها أن اللغة ليست نظامًا مستقلًا تمامًا عن المعرفة والإدراك والخبرة، وإنما تتفاعل مع مختلف القدرات الذهنية.

وعلى هذا الأساس، تقوم الاستعارة المعرفية على الربط بين مجال مصدر Source Domain ومجال هدف Target Domain.

ففي الاستعارة:

«الحياة رحلة»

يمثل «الرحلة» مجال المصدر، بينما تمثل «الحياة» مجال الهدف.

ومن خلال هذا الإسقاط يمكن أن نتحدث عن:

– بداية الحياة ونهايتها.

– الطريق الذي يسلكه الإنسان.

– العقبات التي تعترضه.

– الاتجاه الصحيح والخاطئ.

– الوصول إلى الأهداف.

– الانحراف عن المسار.

نحن إذن لا ننقل كلمة «رحلة» إلى «الحياة» فحسب، بل ننقل بنية تصورية كاملة من مجال إلى مجال آخر.

ثالثًا: التجسيد والخبرة الحسية

من أهم مبادئ اللسانيات المعرفية مفهوم التجسيد Embodiment، ومفاده أن المعرفة الإنسانية لا تتشكل بعيدًا عن الجسد والتجربة الحسية والتفاعل مع العالم.

فالإنسان يعرف مفاهيم مثل «فوق» و«تحت»، «داخل» و«خارج»، «قرب» و«بعد» من خلال تجربته الجسدية والمكانية. ثم يمكن أن تتحول هذه الخبرات إلى أنماط لفهم مفاهيم أكثر تجريدًا.

فنقول مثلًا:

«ارتفعت معنوياته»

و«ارتفاع» المعنويات ليس ارتفاعًا مكانيًا حقيقيًا، وإنما استعارة تقوم على ربط الحالة النفسية بمفهوم الاتجاه العمودي.

وكذلك:

«وقع في الحب»

فالحب هنا يُتصور باعتباره فضاءً أو حالة يمكن «السقوط» فيها.

إن هذه التعبيرات تكشف أن المفاهيم المجردة كثيرًا ما تُبنى وتُفهم اعتمادًا على خبرات جسدية ومكانية أكثر بداهة.

رابعًا: الاستعارة التصورية والنسق الثقافي

لا تعمل الاستعارة المعرفية بمعزل عن الثقافة. فبعض الاستعارات يرتبط بتجارب بشرية عامة، بينما تتشكل استعارات أخرى داخل أنساق ثقافية واجتماعية محددة.

فقد يُتصور:

«النقاش حرب»

من خلال تعبيرات مثل:

«هاجم رأيه»،

«دافع عن موقفه»،

«سحق حجته»،

«أصاب الهدف»،

«تراجع أمام حجته».

نلاحظ أن النقاش هنا يُبنى ذهنيًا وفق بنية «الحرب». ولذلك فإن المتكلم لا يصف النقاش وصفًا محايدًا فقط، وإنما يؤطره ضمن نموذج تصوري معين.

ومن هنا تبرز أهمية الاستعارة في تشكيل طريقة النظر إلى العالم، لا في التعبير عنه فحسب.

خامسًا: الاستعارة ليست زينة لغوية

تتعارض المقاربة المعرفية مع التصور الذي يحصر الاستعارة في اللغة الأدبية أو البلاغية. فالاستعارة حاضرة في الكلام اليومي، وفي الخطاب السياسي والإعلامي والعلمي، بل وفي الطريقة التي نصوغ بها أفكارنا المجردة.

نقول:

«الأفكار تنتشر»،

«الفكرة ناضجة»،

«واجه مشكلة»،

«بنى موقفه»،

«دافع عن أطروحته»،

«دخل في نقاش»،

«خرج من الأزمة».

وتبدو هذه التعبيرات مألوفة إلى درجة أننا قد لا نشعر باستعاريتها.

وهذا هو أحد أهم إنجازات النظرية المعرفية: الكشف عن أن جانبًا كبيرًا من الاستعارة مستقر في الاستعمال اليومي إلى درجة فقدان الإحساس بكونه استعارة.

سادسًا: الاستعارة وبناء المعنى

لا يكون المعنى، وفق المنظور المعرفي، مجرد علاقة ثابتة بين كلمة وشيء في العالم، بل هو نتيجة لعمليات تصنيف وتأطير وإدراك وخبرة.

ومن ثم، فإن الاستعارة تؤدي دورًا مهمًا في بناء المعنى؛ لأنها تمنحنا إطارًا معرفيًا لفهم مجال معين.

فعندما نصف «الوقت» بأنه «مال»، فإننا نُدخل إلى مفهوم الزمن خصائص مرتبطة بالموارد الاقتصادية: يمكن ادخاره، استثماره، إنفاقه، توفيره، وهدره.

وعندما نصف «الحياة» بأنها «رحلة»، فإننا نستدعي شبكة من التصورات المرتبطة بالمسار والغاية والعقبات والاتجاه.

وهكذا تصبح الاستعارة أداة لتنظيم التجربة الإنسانية وإعادة تمثيلها ذهنيًا.

سابعًا: الاستعارة والتصنيف

تساعد الاستعارة أيضًا في بناء التصنيفات المفهومية. فالذهن لا يتعامل مع العالم باعتباره مجموعة من الوقائع المنفصلة، وإنما يسعى إلى تنظيمها ضمن فئات ومخططات.

وتوفر الاستعارة إمكانًا لنقل المعرفة من مجال مألوف إلى مجال أقل وضوحًا.

فإذا قلنا:

«أسس الباحث نظريته»

فإننا نستعير من مجال البناء مجموعة من الخصائص ونُسقطها على مجال التفكير العلمي. فالنظرية تصبح شيئًا له أساس، ويمكن أن يقوم عليه بناء متماسك، وقد يكون معرضًا للانهيار إذا كان أساسه ضعيفًا.

وهذا يبين أن الاستعارة لا تنقل صورة حسية فحسب، بل تنقل معها منطقًا تنظيميًا.

ثامنًا: الاستعارة في الخطاب

تكشف المقاربة المعرفية أهمية الاستعارة في تحليل الخطابات المختلفة؛ لأنها تساعد على تحديد التصورات التي تحكم طريقة بناء الموضوع.

ففي الخطاب السياسي، يمكن أن تُقدَّم الدولة باعتبارها «سفينة»، أو المجتمع باعتباره «جسدًا»، أو الاقتصاد باعتباره «مريضًا» يحتاج إلى العلاج.

وفي الخطاب الإعلامي قد تُصوَّر المنافسة السياسية باعتبارها «معركة»، فيصبح المرشحون «مقاتلين»، والانتخابات «ساحة»، والخصوم «منافسين» ينبغي التغلب عليهم.

إن تحليل هذه الاستعارات يسمح للباحث بالكشف عن الأطر التصورية التي يوجّه بها الخطاب فهم المتلقي للأحداث.

تاسعًا: الاستعارة بين اللغة والإدراك

تتمثل القيمة الكبرى للمقاربة المعرفية في أنها تجاوزت الثنائية التقليدية بين اللغة والفكر. فالاستعارة، وفق هذا التصور، تكشف عن التفاعل المستمر بينهما.

فاللغة تستعمل موارد استعاريّة، لكن هذه الموارد تعكس في الوقت نفسه طرائق في التصور والإدراك.

ومن هنا يمكن القول إن الاستعارة تعمل على مستويين متداخلين:

مستوى لغوي: يتمثل في التعبيرات الاستعارية التي تظهر في الخطاب.

ومستوى تصوري: يتمثل في البنية الذهنية التي تجعل مجموعة من هذه التعبيرات ممكنة ومفهومة.

وبذلك لا يكون التعبير الاستعاري مجرد حدث لغوي معزول، وإنما يصبح مظهرًا من مظاهر تنظيم المعرفة في الذهن.

خاتمة

تكشف اللسانيات المعرفية أن الاستعارة أعمق من أن تكون مجرد تقنية بلاغية أو زخرف لغوي. إنها آلية ذهنية يوسّط بها الإنسان بين التجربة الحسية والمفاهيم المجردة، وبين المجالات المعرفية المختلفة، ومن خلالها يستطيع أن يمنح التجربة معنى وأن ينظمها في أنساق قابلة للفهم.

ومن ثم، فإن الانتقال من الاستعارة بوصفها صورة لغوية إلى الاستعارة بوصفها بنية تصورية يمثل تحولًا جوهريًا في تاريخ الدرس اللساني. فالاستعارة لا تقول لنا فقط كيف نتحدث، وإنما تكشف أيضًا عن جانب من كيفية تفكيرنا وتصنيفنا للعالم وبناءنا للمعنى.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى الاستعارة باعتبارها نقطة التقاء بين اللسانيات والدراسات المعرفية والفلسفة وعلم النفس والبلاغة وتحليل الخطاب، الأمر الذي يجعلها من أكثر الظواهر اللغوية قدرة على الكشف عن العلاقة المعقدة بين اللغة والذهن والتجربة الإنسانية.

مراجع

– Lakoff, George & Johnson, Mark. Metaphors We Live By. University of Chicago Press, 1980.

– Lakoff, George. Women, Fire, and Dangerous Things. University of Chicago Press, 1987.

– Lakoff, George & Turner, Mark. More Than Cool Reason: A Field Guide to Poetic Metaphor. University of Chicago Press, 1989.

– Johnson, Mark. The Body in the Mind: The Bodily Basis of Meaning, Imagination, and Reason. University of Chicago Press, 1987.

– Kövecses, Zoltán. Metaphor: A Practical Introduction. Oxford University Press, 2010.

– Fauconnier, Gilles & Turner, Mark. The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities. Basic Books, 2002.

– Evans, Vyvyan & Green, Melanie. Cognitive Linguistics: An Introduction. Edinburgh University Press, 2006.

– جورج لايكوف ومارك جونسون، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال، الدار البيضاء