رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السيدة مَرْيَمُ العَذْرَاءُ رَمْزُ الإِيمَانِ، وَالعِفَّةِ، وَالصَّبْرِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السيدة مَرْيَمُ العَذْرَاءُ رَمْزُ الإِيمَانِ، وَالعِفَّةِ، وَالصَّبْرِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

نِسَاءٌ خَلَّدَهُنَّ التَّارِيخُ:

مَرْيَمُ العَذْرَاءُ رَمْزُ الإِيمَانِ، وَالعِفَّةِ، وَالصَّبْرِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ:.

مقدمة: امرأةٌ رفع القرآنُ ذكرَها:

في صفحات التاريخ نساءٌ عَبَرْنَ الزمن، وفي صفحات القرآن امرأةٌ لم يخلّدها التاريخ وحده، بل خلّد الله تعالى ذكرها في كتابه العزيز.

إنها مريم ابنة عمران عليها السلام؛ المرأة التي أصبحت نموذجًا خالدًا للطهارة، والإيمان، والتسليم، والصبر.

لم تكن مريم امرأةً عادية في مسيرة البشرية؛ فقد اختارها الله تعالى واصطفاها، فقال سبحانه:

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾،[آل عمران: 42].

وهكذا أصبحت مريم عليها السلام مدرسةً إنسانية، وإيمانية، تتعلم منها الأجيال أن العظمة ليست في المال، ولا الجاه ولا الشهرة، وإنما في طهارة القلب، وقوة الإيمان، والثبات أمام الابتلاء.

أولًا: مريم… ثمرةُ بيتٍ صالح:

بدأت قصة مريم قبل ولادتها، حين نذرت أمها ما في بطنها لله تعالى، فقالت:

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

[آل عمران: 35].

وحين وضعتها قالت:

﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾،[آل عمران: 36].

ثم تكفّل الله بها، وجعلها في رعاية نبيه زكريا عليه السلام، فنشأت في بيئة عبادة، وطهارة.

وهنا رسالة تربوية عظيمة:

إن صناعة الإنسان العظيم تبدأ قبل أن يكبر؛ تبدأ من الأسرة، ومن القيم التي تُغرس في القلب منذ الصغر.

ثانيًا: الاصطفاء ،والطهارة:

لم يكتفِ القرآن بذكر مريم، بل أعلن اصطفاءها وطهارتها صراحة:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾[آل عمران: 42].

والعفة في قصة مريم ليست مجرد سلوك ظاهري، بل كانت حالةً عميقة من مراقبة الله والخوف منه.

قال تعالى:

﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾

[التحريم: 12].

إنها صورة للمرأة التي تحفظ كرامتها حتى في غياب الرقيب البشري؛ لأن رقيبها الأول هو الله.

ثالثًا: مريم والإيمان بالغيب:

جاءها جبريل عليه السلام بأمر الله، فكان الموقف فوق طاقة التصور البشري المعتاد.

قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ۝ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ۝ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾،[مريم: 19–21].

وهنا تتجلى عظمة الإيمان:

قد لا تفهم كيف سيحدث الأمر، لكنك تثق بمن قال: سيكون.

فالإيمان الحقيقي لا يعني أن الإنسان يعرف كل الإجابات، وإنما يعني أنه يثق بحكمة الله حتى عندما تغيب عنه الحكمة.

رابعًا: أعظم اختبار… وأعظم صبر:

كانت ولادة عيسى عليه السلام امتحانًا هائلًا لمريم.

خرجت من قومها إلى مكان بعيد، وحيدةً في لحظة ضعف، وألم، حتى قالت:

﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾

[مريم: 23].

وهذه الآية تكشف إنسانية مريم؛ فهي ليست امرأةً بلا مشاعر، وإنما امرأةٌ عظيمة واجهت ألمًا يفوق الوصف.

لكن الله لم يتركها.

﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾،[مريم: 24].

ثم جاءها الأمر:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾،[مريم: 25].

وهنا درس بالغ العمق:

توكّل على الله، لكن لا تترك الأخذ بالأسباب.

فالله قادر على أن يُسقط الرطب دون أن تهز مريم جذع النخلة، لكنه علّمها وعلّمنا أن الدعاء لا يلغي السعي، وأن الثقة بالله لا تعني الاستسلام للجمود.

خامسًا: حين يتحدث المجتمع… ويتكلم الله:

عادت مريم إلى قومها تحمل طفلها، فواجهت اتهامًا شديدًا:

﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾

[مريم: 27].

لكنها لم تدخل في جدال عقيم، ولم تجعل كلام الناس يهدم يقينها.

وأشارت إلى طفلها، فتكلم عيسى عليه السلام بمعجزة الله.

وهنا درس لكل إنسان يتعرض للظلم:

ليس كل اتهام يحتاج إلى رد، وليس كل كلام يستحق أن تستنزف له قلبك.

أحيانًا تكون الحقيقة أقوى من أن تحتاج إلى صراخ.

سادسًا: مريم… المرأة التي أصبحت آيةً للعالمين:

بلغت مكانة مريم أن جعلها القرآن نموذجًا للمؤمنين جميعًا، فقال تعالى:

﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾

[التحريم: 12].

واللافت أن القرآن لم يقدم مريم نموذجًا للنساء فقط، بل جعل قصتها نموذجًا إيمانيًا للناس جميعًا.

فالعبرة ليست بجنس الإنسان، وإنما بما يحمله قلبه من إيمان وتقوى.

سابعًا: مريم في الميزان الإسلامي:

مريم عليها السلام لها مكانة عظيمة في الإسلام، وهي أم نبي كريم هو عيسى ابن مريم عليهما السلام.

والقرآن يذكرها باسمها صراحةً، بل توجد سورة كاملة باسمها: سورة مريم.

وهذا تكريم فريد، يحمل رسالة واضحة للأجيال:

أن المرأة تستطيع أن تكون رمزًا عالميًا للطهر والإيمان والصبر، وأن العظمة الحقيقية قد تسكن قلب امرأةٍ لا تملك من متاع الدنيا شيئًا.

ثامنا :رسائل مريم إلى المرأة المعاصرة:

من قصة مريم عليها السلام يمكن أن نستخلص رسائل عظيمة:

١) حافظي على عفتك، فهي تاج لا يزول.

٢)لا تجعلي أحكام الناس أكبر من ثقتك بالله.

٣)عندما تشتد المحنة، لا تظني أن الله قد تخلى عنك.

٤) اجمعي بين التوكل،والعمل؛ فمريم هزّت جذع النخلة.

٥)لا تسمحي للابتلاء أن يحطم إيمانك.

٦) قد تبدأ أعظم صفحات حياتك من أكثر لحظاتك ألمًا.

٧) الطهارة قوة، وليست ضعفًا، والعفة كرامة، وليست قيدًا.

خاتمة: امرأةٌ لم يحتج مجدها إلى تاج:

لم تكن مريم ملكةً تجلس على عرش، ولم تكن صاحبة جيش، أو سلطان، لكنها امتلكت ما هو أعظم: قلبًا مؤمنًا، ونفسًا عفيفة، وروحًا صابرة، وثقةً بالله.

واجهت الوحدة، والألم، والاتهام، والخوف، لكنها بقيت ثابتة في طريقها.

ولهذا بقي اسمها خالدًا.

مريم ليست قصة امرأة من الماضي فحسب؛ إنها رسالة لكل إنسان يمر بابتلاء:

قد تضيق بك الأرض، وقد يسيء الناس فهمك، وقد تصل إلى لحظة تقول فيها: يا ليتني مت قبل هذا…

لكن الله الذي يعلم خفايا قلبك قادر أن يفتح لك من قلب المحنة بابًا إلى المجد.

فاصبر… فإن وراء الألم لطفًا، ووراء العسر يسرًا، ووراء الصبر جبرًا.

مريم العذراء…

رمزُ الإيمان حين يشتد الاختبار،

ورمزُ العفة حين تكثر الفتن،

ورمزُ الصبر حين تضيق الحياة،

ورمزُ المرأة التي خلد الله ذكرها في كتابه.

﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾

المراجع العربية :

١)القرآن الكريم: سور آل عمران، مريم، التحريم، الأنبياء.

تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر ابن كثير، دار طيبة، الرياض.

٢)التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس.

٣)صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، دار الصابوني، القاهرة.