رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ميلاد عيسى عليه السلام بين الإنجيل والقرآن

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ميلاد عيسى عليه السلام بين الإنجيل والقرآن

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

ميلاد عيسى بين الإنجيل والقرآن

إن ميلاد عيسى كان حدثا خارقا لم يسبق له مثيل فقد خالف الناموس الطبيعي للحياة الذي وضعه الله. وميلاد عيسى قد نص عليه الإنجيل تحديدا إنجيل لوقا بينما فصله القرآن بتفصيل أكبر في العديد من السور ويبدو التقارب بين ما ورد فيهما مذهلا وقد يصل لحد التطابق ولكن القرآن تضمن تفاصيل زائدة مثل وصف حمل مريم العذراء به وتهكم بني إسرائيل عليها والطعام والشراب اللذان أمدهما الله بهما فور حملها والأهم من ذلك كله حديث عيسى ابن مريم في المهد والذي أغفله الإنجيل وذكره القرآن وحديث عيسى في المهد كان أمرا بديهيا لأن الموقف العصيب الذي مرت به مريم والذي لن تجدي معه كل المبررات لنفي إرتكابها للفاحشة كان يستلزم معجزة ربانية لتبرئتها وإلا كان بنو إسرائيل قد أقاموا عليها حد الزنا على الفور وهو ما لم يحدث كما أن ميلاد طفل بغير أب وهو معجزة كبري كان يستلزم معجزة أدنى للتدليل على أن ما حدث كله كان في إطار خرق العادة وكانت المعجزة الأدنى هي حديثه في المهد.

ولنعد لنصوص الإنجيل تحديدا إنجيل لوقا لنستقرئ نصوص ميلاد عيسى منذ مجئ الملاك إلى مريم.

(فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ» فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!» فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ.)

لكن مريم إضطربت وخافت عندما سمعت أنها ستحبل وهي ماتزال مخطوبة:

(فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟» فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.)

إنجيل لوقا 1: 28-35

كما ورد في إنجيل متى بخصوص يوسف النجار خطيب مريم:

(وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».)

إنجيل متى 1: 20-21

وقد ورد ميلاد عيسى في القرآن الكريم في مواضع عدة ومنها قول الله:

“وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا (16) فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا (17) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا (18) قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا (19) قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا (21) ۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا (22) فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا (23) فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا (24) وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا (25) فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا (26) فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا (27) يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا (28) فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا (29) قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا (31) وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا (32) وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (33)” سورة مريم.

“وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ (42) يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ (43) ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ (44) إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (46) قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (47)” سورة آل عمران.

“وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ (12)” سورة التحريم.

ويظهر من المقارنة بين النصين التقارب الشديد بينهما. فقد ورد في الإنجيل عن مريم على لسان الملاك (سلام عليك يا مريم مباركة أنت في النساء) بينما ورد في القرآن الكريم قول الله (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك وإصطفاك على نساء العالمين).

كما ورد في الإنجيل إضطراب مريم وخوفها عند رؤية الملاك بينما ورد في القرآن الكريم قول الله على لسان مريم (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا).

كما ورد بالإنجيل قول الملاك (لا تخافي يا مريم لأنك وجدت نعمة من الله وها أنت ستحبلين وستلدين إبنا يسمى يسوع) وهو ما يطابق قول الله على لسان الملاك (إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا) وقول الله (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم).

كما ورد في الإنجيل إعتراض مريم على ما قاله الملاك حين قالت (كيف يكون هذا ولست أعرف رجلا) وهو ما يطابق قول الله على لسانها (قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا).

كما ورد في الإنجيل قول الملاك ليوسف النجار (لا تخف أن تأخذ مريم إمرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس) وهو ما يطابق قول الله (ومريم إبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخناه فيه من روحنا).

والروح القدس المذكور بلا شك هو الملاك جبريل. وهو ما يؤكده الإنجيل إذ أن الملاك الذي أرسل لمريم هو جبرائيل.

ذبيح ابراهيم وعقيدة الفداء

أورد سفر التكوين الأمر الإلهي لإبراهيم بذبح ابنه إذ ورد به:

(وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!» فَقَالَ: «هأَنَذَا». فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».)

سفر التكوين 22: 1-2

ثم ورد بعد ذلك في ذات السفر (وَنَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ،)

سفر التكوين 22: 15-17

وقد جاء ذكر الواقعة في القرآن الكريم مطابقا لما ورد في سفر التكوين وذلك في قول الله:

“وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ (99) رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (100) فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ (102) فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ (103) وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ (104) قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ (106) وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ (107) وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ (108) سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ (109) كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ (110) إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (111) وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (112) وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ (113)” سورة الصافات.

ونؤكد أن ذبيح ابراهيم في التوراة والقرآن هو إسحاق وليس إسماعيل وأن هذا هو المستقر عليه بين أغلب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار التابعين والمفسرين حتى القرن الثالث الهجري ثم تغير الأمر بعد ذلك وأن السياق القرآني للواقعة يظهر بجلاء أن الذبيح هو إسحاق.

ولكن ربطا غريبا حدث في المسيحية بين أمر الله لإبراهيم بذبح ابنه والذي يظهر جليا أنه كان فقط للإمتحان فقد ورد في السفر أن العلة من الأمر كانت فقط أن يمتحن الله صدق إبراهيم فقد ورد في النص (ثم حدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن ابراهيم) وهو ما أكده القرآن الكريم في قول الله (إن هذا لهو البلؤ المبين) وأن الأمر لا علاقة له مطلقا بذبح حقيقي ولم يكن مقدرا أن يتم الذبح بل أراد الله إختبار مدى محبة إبراهيم له واستعداده بالتضحية ولو بأحب الأشياء إلى قلبه إذا تعارضت مع أمر الله ومحبته ولكن بالرغم ذلك حدث ربط غير منطقي مطلقا بين هذه الواقعة والقول بذبح الله لإبنه تكفيرا عن خطايا البشر ولا نعلم كيف حدث هذا الربط رغم أن النص يقطع أن إبراهيم لم يفعل ذلك تكفيرا عن خطأ ارتكبه مثلا بل ورد في التوراة أن إبراهيم سأل ربه (ألا يأخذ البار بذنب الآثم).

عيسى يوم القيامة

يتجلى المشهد الأخير لعيسى عليه السلام يوم القيامة بتبرؤه التام من كل من غالوا فيه وعبدوه وألهوه وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في قول الله:

“وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ (116)” سورة المائدة.

كما أورد الإنجيل نصا مماثلا ورد فيه:

(كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!)

إنجيل متى 7: 22-23

وهنا يتبرأ عيسى ممن ظنوه أنهم اتباعه لأنهم قاموا بتأليهه ودعوا الناس لذلك عبر بعض الخوارق التي صنعوها، فلماذا تبرأ عيسى منهم إذن؟

العهد الإبراهيمي ونزع النبوة من بني إسرائيل

إن بني إسرائيل يرفضون رفضا قاطعا حقيقة أن النبوة نزعت من نسل إسحاق وختمت في نسل إسماعيل وذلك بالرغم مما ورد في التوراة من إقرار تلك الحقيقة وقد جاء القرآن مصدقا لها في هذا الشأن.

وإبراهيم عليه السلام اتفقت عليه الديانات السماوية الثلاث فهو بحق أبو الأنبياء الذي كان له عهد مع الله امتد لذريته من بعده وبالعودة للتوراة وتحديدا سفر التكوين نجد تفاصيل العهد بين رب العالمين وخليله إبراهيم فقد ورد به:

(وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا، فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرَكَ كَثِيرًا جِدًّا… فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ… وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ…»)

سفر التكوين 17: 1-9

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ للهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ…»)

سفر التكوين 17: 18-21

وبالعودة إلى القرآن الكريم وتحديدا سورة البقرة نجد ذات العهد بين الله وإبراهيم بتفصيل أدق في قول الله:

“۞وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ (124)… رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ (129)” سورة البقرة.

وقد أوردت الآيات عهد الله مع إبراهيم بعد إجتيازة كل الإختبارات التي ابتلاه الله بها ومنها الأمر بذبح ابنه وحينها منحه الله الإمامة للبشرية كلها، وحينها طلب إبراهيم من ربه إمتداد العهد الإلهي مع ذريته من بعده وذلك في قول الله على لسانه (ومن ذريتي) وجاء الرد الإلهي الحاسم أن العهد سيمتد فقط للصالحين من ذرية إسحاق ولن يشمل الظالمين منهم وذلك في قول الله (لا ينال عهدي الظالمين).

ثم تعرج آيات البقرة إلى رفع قواعد البيت من قبل إبراهيم ونجله إسماعيل ودعائهما الذي قبله الله بأن يجعلهم مسلمين له ومن ذرية إسماعيل تكون أمة مسلمة لله وهذا يصدق ما ورد بالتوراة في سفر التكوين من وعد الله لإبراهيم ثم هاجر بجعل ذرية إسماعيل أمة عظيمة.

ثم دعا إبراهيم ربه دعاء تفصيليا بإرسال رسول في أمة العرب ذرية إسماعيل يكون منهم أي من العرب لا من بني إسرائيل يعلمهم الكتاب والحكمة، وقد استجاب الله لدعاء إبراهيم وإسماعيل من بعده فكان بعث النبي من ذرية إسماعيل في مكة.

ومن عجائب القرآن الكريم أن اسم إبراهيم في القرآن ورد بصورتين مختلفتين فقد ورد في سورة البقرة (إبراهم) لأن اسمه حينها كان لا يزال إبرام وفقا للتوراة، ثم ذكر في باقي سور القرآن (إبراهيم) لأن اسمه وفقا للتوراة تحول إلى إبراهيم بعد أخذ العهد إليه.

ومن ثم يتضح من تضافر النص الإلهي في التوراة والقرآن أن العهد الأساسي لذرية إبراهيم بالنبوة كان لإسحاق والذي جاء من بعده أنبياء كثر (يعقوب ويوسف والأسباط) ولكن ختم العهد والنبوة كان في ذرية إسماعيل إستجابة لدعاء إبراهيم والذي وعده الله وهاجر بأن ذريته ستكون أمة عظيمة، فإن لم يكن المقصود هو بعثة الرسول من ذريته فكيف تحقق الوعد الإلهي إذن؟