
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الماء أصل الموجودات
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الماء أصل الموجودات: لماذا جعل طاليس الماء مبدأً للكون؟
في اللحظة التي قرر فيها العقل البشري البحث عن علة طبيعية للظواهر الكونية بدلا من إحالتها إلى أهواء الآلهة الأسطورية، وُلدت الفلسفة. يمثل طاليس الملطي (حوالي 585 ق.م) حجر الزاوية في هذا التحول، إذ طرح سؤالا غير مسبوق في تاريخ الفكر الإنساني: ما هو العنصر الأولي (Urstoff) الذي تتكون منه جميع الأشياء، والذي تؤول إليه عند فنائها؟ كانت إجابته أن “الماء” هو المبدأ المادي الذي تنبثق منه كثرة الموجودات.
لاحظ طاليس أن الحرارة ذاتها تنشأ من الرطوبة وتتغذى عليها، وأن بذور جميع الأشياء تمتلك طبيعة رطبة، فضلا عن أن الكائنات الحية تعتمد كليا على الماء للبقاء. هذا الاستنتاج، رغم بساطته البادية، يحمل نقلة منهجية مهمة؛ إذ تجاوز طاليس التفسيرات الميثولوجية المتناثرة ليبحث عن “الوحدة في الكثرة”، مدركا أن التنوع الكبير في الكون (صلب، سائل، غازي) يجب أن يعود إلى مادة أساسية واحدة قابلة للتشكل. ويشبه هذا المسعى في جوهره محاولات فيزياء الكم المعاصرة لتوحيد القوى الطبيعية في معادلة رياضية واحدة، أو البحث عن الجسيم الأولي الذي تتكون منه كافة الذرات.
لم تقتصر أطروحة طاليس على تحديد المادة الأولى، بل امتدت لتفسير حركة هذه المادة، حيث طرح عبارته الشهيرة “جميع الأشياء مليئة بالآلهة”. في السياق الملطي، لا تشير هذه العبارة إلى الآلهة المجسمة في أساطير هوميروس، بل تعبر عن مذهب “المادة الحية” أو الأرواحية المادية (Hylozoism). يرى طاليس أن القوة المحركة للكون ليست قوة خارجية مفارقة تتدخل من علٍ، بل قوة كامنة داخل المادة ذاتها؛ فالمادة والروح (أو قوة الحركة) شيء واحد غير منقسم، وهو ما يفسر التغيرات التلقائية في الطبيعة دون الحاجة إلى محرك ميتافيزيقي خارجي.
تتجلى محدودية أطروحة طاليس في مواجهة النقد الذي انبثق من مدرسته الأيونية ذاتها. يبرز أنكسمندر، تلميذ طاليس، ليفكك نظرية الماء من الداخل، فيجادل بأنه إذا كان الماء هو المبدأ الأساسي، فإن العناصر الأخرى (كالنار والتراب) كانت ستتلاشى وتفنى بفعل الصراع القائم بين الأضداد. فالماء يمتلك طبيعة باردة ورطبة تقاوم الحرارة والجفاف، ولو كان هو الأصل اللامحدود لابتلع بقية العناصر. بناء على هذا النقد، ينتقل أنكسمندر خطوة أبعد نحو التجريد، مقترحا أن الأصل لا يمكن أن يكون مادة معينة مرئية كالماء، بل مادة لا متناهية وغير متعينة أطلق عليها اسم “الأبيرون” (اللامحدود).
رغم الدحض الذي تعرضت له نظرية طاليس، تكمن قيمتها في صياغة “السؤال” لا في الإجابة ذاتها. فقد أسس طاليس المنهج الطبيعي الذي يعتمد على الملاحظة الحسية والتجريد العقلي معا، مدركا أن خلف التغير الظاهري المستمر توجد حقيقة باطنية ثابتة تخضع لقوانين طبيعية منتظمة. وبهذه الخطوة الفكرية، فتح طاليس الباب أمام العقل الإنساني لتفسير الكون بعيدا عن الأساطير

