
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المفاضلة بين فقهاء القانون
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
كيف تحكم أن فقيهًا قانونيًا أفضل من فقيه؟
أن تقول: (هذا فقيهي المفضل) … حقك، فهذا اختيار تحكمه ملكتك وذوقك العلمي.
لكن أن تقول: (هذا أفضل من ذاك؛ لأنه أدق نظرا، وأحكم تأصيلًا، وأوسع إحاطة، وأقوى استدلالًا) … فهنا لم تعد تتحدث عن ذوق، بل أصدرت حكمًا علميًا، والحكم لا يكفي فيه الميل؛ بل يحتاج إلى معيار ودليل.
فما الذي يجعل فقيهًا قانونيًا أفضل من غيره فعلًا؟ وهل نملك عند المفاضلة بين فقهائنا معيارًا منضبطًا، أم أننا كثيرًا ما نسمي ما يوافق ملكتنا (فضلًا علميًا)؟
المفاضلة بين فقهاء القانون لا تكون المشكلة فيها في أن تختار هذا أو ذاك، وإنما تبدأ حين يتحول اختيارك إلى حكم على القيمة العلمية لكل واحد منهما. فإذا وجدت في مؤلفات فقيه ما يوافق طريقتك في التفكير، وتجد في عبارته ما يأنس به ذهنك، وفي منهجه ما يعينك على بناء ملكتك، فلا حرج في أن تقدمه في قراءتك وعنايتك؛ فهذا من اختلاف المشارب، وليس من الضروري أن تكون ذائقتك العلمية مطابقة لذائقة غيرك.
لكن الأمر يختلف حين تجعل هذا الميل أساسًا للقول بأن أحد الفقهاء أدق نظرًا، وأحكم تأصيلًا، وأوسع إحاطة، وأقوى حجة من غيره؛ لأنك عندئذ لم تعد تصف علاقتك الشخصية بكتبه، وإنما تصدر حكمًا على مرتبته العلمية، والحكم هنا لا يثبت بمجرد الاستحسان.
فلا يكفي أن تقرأ كتابًا واحدًا لفقيه، أو تقف على مسألة أعجبتك له، ثم تبني على ذلك حكمًا عامًا في منزلته. فالفقيه لا يُعرف في مسألة منفردة، كما أن الكتاب لا يكشف وحده عن حقيقة المنهج كله. وإنما تعرف منزلته باستقراء آثاره، والنظر في أصوله، وتتبع طريقته في الاستدلال، ومقارنة تطبيقاته بأصوله، والنظر في مدى اتساقه في الفروع، وقدرته على بناء الأحكام وربطها بمصادرها ومآخذها.
وهنا تظهر مشكلة شائعة في المفاضلة: أن القارئ قد يقيس الفقيه بمقدار موافقته هو لطريقته في التفكير؛ فما كان قريبًا من ذهنه عدَّه قوة، وما كان بعيدًا عنه عدَّه تعقيدًا أو ضعفًا، مع أن صعوبة العبارة ليست ضعفًا في العلم، وسهولة العبارة ليست بالضرورة دليلًا على عمق النظر.
وقد تجد فقيهًا يستهويك أسلوبه أكثر من غيره، وتجد في عبارته وضوحًا يجعلك أسرع فهمًا، بينما تجد فقيهًا آخر أكثر تشعبًا، وأشد احترازًا، وأدق تفصيلًا؛ فتقدّم الأول في القراءة لأنه أنسب لملكَتك وحاجتك، لا لأنه بالضرورة أعلى منزلة من الثاني في كل باب.
ولذلك يجوز لك أن تقول: السنهوري أقرب إلى تكويني من سليمان مرقس، أو أن تقول: أبو الوفا أنفع لي في دراسة المرافعات من غيره، أو أن تجعل أحد فقهاء القانون المدني أسبق في قراءتك من غيره. لكن لا يصح أن تتحول هذه الأفضلية الشخصية إلى حكم مطلق بأن أحدهم أفضل علميًا من الجميع، إلا إذا كان لديك معيار تستطيع أن تعلنه، ودليل تستطيع أن تناقش به من يخالفك.
بل إن المفاضلة قد تختلف باختلاف المجال نفسه؛ فقد يتقدم فقيه في القانون المدني، ويتقدم غيره في أصول المرافعات، أو في الإجراءات، أو في الإثبات، أو في شرح النصوص القضائية وتطبيقاتها. ولذلك فإن إطلاق الأفضلية المطلقة بين فقهاء القانون قد يكون في كثير من الأحيان أوسع من محل الدليل.
والأدق علميًا أن تسأل: في ماذا؟ وبأي معيار؟ وبأي دليل؟
فإذا قلت: هذا الفقيه أعمق تأصيلًا، فما شواهد ذلك؟
وإذا قلت: هذا أوسع إحاطة بالنصوص والمذاهب، فهل استقرأت كتبه التي تثبت ذلك؟
وإذا قلت: هذا أقوى استدلالًا، فهل قارنت طرائق استدلاله بغيره؟
وإذا قلت: هذا أكثر اتساقًا، فهل تتبعت أصوله وفروعه بحيث يصح لك إطلاق هذا الوصف؟
عند هذه النقطة فقط تتحول المفاضلة من ذوق علمي إلى نقد علمي.
أما أن يقول القارئ: «أنا أميل إلى هذا الفقيه، وأشعر أن كتبه أقرب إلى عقلي، وأستفيد منها أكثر»؛ فهذه عبارة مفهومة ومشروعة، ولا تحتاج إلى أن يحولها صاحبها إلى معركة حول من هو الأعظم منزلة.
والمفارقة أن كثيرًا من الخلافات بين طلبة العلم والمحامين حول فقهاء القانون ليست خلافات في حقيقة العلم بقدر ما هي خلافات في المعيار الذي ينظر به كل واحد منهم إلى العلم؛ فهذا يعظّم قوة التأصيل، وذاك يقدّم وضوح العبارة، وثالث يبحث عن كثرة الإحاطة، ورابع يولي عناية أكبر بالتطبيق القضائي، وخامس يقدّم القدرة على بناء الحكم القانوني وربط الجزئيات بالكليات.
ولهذا فإن وجود (فقيهك المفضل) ليس مشكلة في ذاته؛ بل قد يكون من أجمل ما يصنع التكوين العلمي للباحث. المشكلة تبدأ حين تجعل تفضيلك الشخصي مقياسًا عامًا، ثم تطالب الآخرين بقبوله وكأنه حقيقة علمية لا تحتمل المناقشة.
فلكل باحث فقيه يميل إليه، ولكن ليس لكل ميل أن يتحول إلى حكم.
وبين قولك: (هذا فقيهي الذي أفضل قراءته) ، وقولك: (هذا أفضل فقهاء القانون) ، مسافة كبيرة لا يقطعها الذوق، وإنما يقطعها الاستقراء والمعيار والدليل.
ومن هنا تكون المفاضلة العلمية الحقيقية: لا أن تسأل فقط من أحب أن أقرأ؟ وإنما أن تسأل أيضًا: بأي معيار أقدّم أحدهم على غيره؟ وهل أستطيع الدفاع عن هذا التقديم إذا طُلب مني الدليل

