
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن معرفة أَثَرَ الإِيمَانِ فِي الإِنْسَانِ،
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
لَوْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ أَثَرَ الإِيمَانِ فِي الإِنْسَانِ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَطْ؛ بَلِ انْظُرْ إِلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ، انْظُرْ إِلَيْهِ حِينَ يَسْتَعْجِلُ، انْظُرْ إِلَيْهِ حِينَ يَغْضَبُ، انْظُرْ إِلَيْهِ حِينَ يَقْدِرُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ، هُنَا يَظْهَرُ شَيْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ التَّقْوَى.
وَلِنَقِفِ مَعَ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَا نَقْرَؤُهَا قِرَاءَةَ اللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ نَسْأَلُ: مَاذَا تُرِيدُ هَذِهِ الآيَاتُ أَنْ تَصْنَعَ فِي سُلُوكِنَا وَحَيَاتِنَا؟.
يَقُولُ اللَّهُ -تَعَالَى-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[النساء: 59]؛ تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- بِمَاذَا بَدَأَتِ الآيَةُ؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إِنَّهُ نِدَاءٌ لِلإِيمَانِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِالطَّاعَةِ؛ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَعِيشُ فِي الْمُجْتَمَعِ وَحْدَهُ، وَلَا يَجْعَلُ رَغْبَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ فَوْقَ مَصْلَحَةِ النَّاسِ، وَلَا يَقُولُ: أَنَا حُرٌّ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ؛ فَحُرِّيَّتُكَ تَنْتَهِي حَيْثُ تَبْدَأُ حُقُوقُ الآخَرِينَ.
وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ الأَنْظِمَةَ الَّتِي تُنَظِّمُ حَيَاةَ النَّاسِ وَتَحْفَظُ أَرْوَاحَهُمْ وَمَصَالِحَهُمْ، وَالَّتِي لَا تُخَالِفُ شَرْعَ اللَّهِ، لَيْسَتْ أَمْرًا نَلْتَزِمُ بِهِ حِينَ نَشَاءُ، وَنَتَجَاوَزُهُ حِينَ نَشَاءُ.
وَهُنَا يَأْتِي السُّؤَالُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ نَقِفَ عِنْدَهُ: مَنْ الَّذِي يَضْبِطُ سُلُوكَكَ حِينَ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ؟ إِذَا وَقَفْتَ عِنْدَ إِشَارَةٍ حَمْرَاءَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالطَّرِيقُ خَالٍ، وَلَا كَامِيرَا تَرَاهَا، وَلَا رَجُلَ مُرُورٍ يُرَاقِبُكَ، فَمَا الَّذِي يُوقِفُكَ؟.
إِنْ كَانَ الَّذِي يُوقِفُكَ هُوَ الْكَامِيرَا فَقَطْ، فَأَنْتَ تُرَاقِبُ النِّظَامَ، أَمَّا إِذَا كَانَ الَّذِي يُوقِفُكَ أَيْضًا أَنَّكَ لَا تُرِيدُ أَنْ تَعْتَدِيَ عَلَى حَقٍّ، وَلَا أَنْ تُعَرِّضَ نَفْسًا لِلْخَطَرِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَرَاكَ؛ فَهُنَا يَرْتَقِي النِّظَامُ مِنْ رَقَابَةِ الْكَامِيرَا إِلَى رَقَابَةِ الضَّمِيرِ، وَمِنْ رَقَابَةِ الضَّمِيرِ إِلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ، وَهَذِهِ هِيَ التَّقْوَى.
ثُمَّ تَأْتِي آيَةٌ أُخْرَى، تَنْقُلُنَا مِنْ مَعْنَى الطَّاعَةِ إِلَى مَعْنًى أَعْظَمَ: حُرْمَةِ الْحَيَاةِ، يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]، وَيَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[النساء: 29]؛ تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْخَاتِمَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِنَا أَنْ نَهَانَا عَمَّا يُهْلِكُنَا، وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِنَا أَنْ أَمَرَنَا بِحِفْظِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ شُكْرِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ أَلَّا نَجْعَلَ لَحْظَةَ عَجَلَةٍ سَبَبًا لِمَأْسَاةٍ تَبْقَى سِنِينَ.
عَجَبًا لِمَنْ يَحْفَظُ جَوَّالَهُ مِنَ السُّقُوطِ، وَيَحْفَظُ سَيَّارَتَهُ مِنَ الْخَدْشِ، ثُمَّ قَدْ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ مِنَ الْخَطَرِ! مَا قِيمَةُ دَقَائِقَ نَخْتَصِرُهَا بِسُرْعَةٍ خَطِرَةٍ، إِذَا كَانَ ثَمَنُهَا رُوحًا؟ وَمَا قِيمَةُ رِسَالَةٍ فِي الْهَاتِفِ لَا تَحْتَمِلُ دَقِيقَتَيْنِ مِنَ الانْتِظَارِ، إِذَا كَانَ قِرَاءَتُهَا قَدْ تُغَيِّرُ حَيَاةَ أُسْرَةٍ كَامِلَةٍ؟ وَمَا قِيمَةُ أَنْ يَصِلَ الإِنْسَانُ قَبْلَ غَيْرِهِ بِخَمْسِ دَقَائِقَ، إِذَا كَانَ قَدْ عَرَّضَ فِي طَرِيقِهِ نَفْسَهُ وَأَبْنَاءَهُ وَعِبَادَ اللَّهِ لِلْخَطَرِ؟
الطَّرِيقُ لَيْسَ مَكَانًا لِإِثْبَاتِ الْقُوَّةِ، وَلَا سَاحَةً لِتَفْرِيغِ الْغَضَبِ، وَلَا مَيْدَانًا لِلْمُغَامَرَةِ؛ الطَّرِيقُ مَيْدَانٌ لِلأَخْلَاقِ، فِي الطَّرِيقِ يَظْهَرُ صَبْرُكَ، وَفِي الطَّرِيقِ يَظْهَرُ حِلْمُكَ، وَفِي الطَّرِيقِ تَظْهَرُ رَحْمَتُكَ، وَفِي الطَّرِيقِ يَظْهَرُ احْتِرَامُكَ لِحُقُوقِ مَنْ لَا تَعْرِفُهُمْ.
ثُمَّ اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الآيَةِ الْعَظِيمَةِ: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)[المائدة: 2]، لَيْسَ الْمَطْلُوبُ مِنِّي فَقَطْ أَلَّا أُؤْذِيَكَ، بَلْ أَنْ أُعِينَكَ عَلَى السَّلَامَةِ، أَنْ أُفْسِحَ لَكَ، أَنْ أَحْتَرِمَ أَوْلَوِيَّتَكَ، أَنْ أَتَوَقَّفَ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْعُبُورِ، أَنْ أُفْسِحَ الطَّرِيقَ لِسَيَّارَةِ إِسْعَافٍ؛ فَلَعَلَّ فِي دَاخِلِهَا أَبًا يَنْتَظِرُهُ أَطْفَالُهُ، أَوْ أُمًّا يَتَعَلَّقُ بِحَيَاتِهَا قَلْبُ أُسْرَةٍ كَامِلَةٍ؛ هُنَا يَتَحَوَّلُ النِّظَامُ إِلَى رَحْمَةٍ، وَتَتَحَوَّلُ قِيَادَةُ السَّيَّارَةِ إِلَى أَمَانَةٍ، وَيَتَحَوَّلُ احْتِرَامُ الطَّرِيقِ إِلَى أَخْلَاقٍ وَتَقْوَى.
لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ دَائِمًا أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ النِّظَامَ، فَأَكْثَرُنَا يَعْرِفُهُ. وَلَكِنَّ السُّؤَالَ: مَنْ يَقُودُ مَنْ؟ أَنَقُودُ نَحْنُ مَرْكَبَاتِنَا؟ أَمْ تَقُودُنَا عَجَلَتُنَا وَغَضَبُنَا وَهَوَانَا؟ وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُؤْمِنُ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ، فَيَرَى النَّاسُ أَثَرَ صَلَاتِهِ فِي طَرِيقِهِ، وَأَثَرَ قُرْآنِهِ فِي قِيَادَتِهِ، وَأَثَرَ تَقْوَاهُ فِي حِفْظِ حُقُوقِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي أَخْلَاقِنَا، لَمْ نَأْخُذْ بَعْدُ بِحَظِّنَا الْكَامِلِ مِنْ هِدَايَتِهِ، فَيَا مَنْ يَقُودُ سَيَّارَتَهُ: إِنَّ مَعَكَ أَمَانَةً، وَيَا مَنْ يَحْمِلُ أَبْنَاءَهُ وَأَهْلَهُ: إِنَّ خَلْفَكَ أَرْوَاحًا ائْتَمَنَكَ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَيَا مَنْ يُسْرِعُ لِيَخْتَصِرَ دَقَائِقَ: تَذَكَّرْ أَنَّ أَهْلَكَ لَا يَنْتَظِرُونَ وُصُولَكَ مُبَكِّرًا بِقَدْرِ مَا يَنْتَظِرُونَ وُصُولَكَ سَالِمًا.

