رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإبداع والابتكار في العهد النبوي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإبداع والابتكار في العهد النبوي

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الإبداع والابتكار في العهد النبوي

– أساليب التعليم والإبداع عند النبي ﷺ.

– نماذج من رعاية النبي ﷺ للمواهب والقدرات.

– نماذج من الاستفادة من الخبرات.

فإن من أعظم ما تحتاج إليه الأمم في طريق نهضتها أن تُحسن اكتشاف العقول، وأن ترعى المواهب، وأن تفتح أبواب الإبداع أمام أبنائها، فالأمم لا تتقدم بكثرة أعدادها فحسب، وإنما تتقدم بما تمتلكه من علمٍ وفكرٍ وإبداع.

وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على التفكير، ويستفيد من آرائهم وخبراتهم، ويفتح المجال أمام أصحاب المواهب والقدرات، ولم يكن ﷺ يريد من أصحابه أن يكونوا نسخا متشابهة، بل كان يعرف قدرات كل واحد منهم، ويضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

لنتأمل كيف صنع النبي ﷺ جيلا لم يكتفِ بتلقي العلم، بل فكر وأبدع، وكيف احتضن الموهبة، وشجع أصحابها، واستفاد من أفكارهم وتجاربهم، حتى تحولت الطاقات الفردية إلى قوة نهضت بها أمة.

🔺️المحور الأول- أساليب التعليم والإبداع عند النبي ﷺ:

من مظاهر الإبداع في المنهج النبوي تنويع النبي ﷺ لطرق التعليم والعرض؛ فلم يكن يعتمد أسلوبا واحدا في تعليم أصحابه، بل كان ينتقل من القصة إلى المثل، ومن الحوار إلى الإشارة، ومن الكلام إلى الرسم؛ حتى يصل المعنى، وإليك البيان.

🌹١- كان النبي ﷺ يعلِّم بالقصة: عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم.

فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا… ففرج الله عنهم.

وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني وتركتها.. ففرج الله عنهم.

وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال… ففرج الله عنهم، فخرجوا يمشون».

لاحظوا كيف حوَّل النبي ﷺ درسًا عظيمًا في (الإخلاص وبر الوالدين والعفة وأداء الأمانة) إلى قصة متكاملة؛ لأن القصة تجعل المستمع يعيش الحدث، ويتابع الشخصيات، وينتظر النتيجة، ولذلك يكون أثرها في النفس أقوى من الموعظة المجردة.

🌹٢- وكان النبي ﷺ يعلم بالمثل الحسي: ومن ذلك قوله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ؛ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ…» متفق عليه.

الأترجة: نوع من الفاكهة يشبه الليمون الكبير، رائحته طيبة وطعمه طيب، وقشرتها سميكة.. وهذا من روعة التعليم النبوي، أن تنقل المعنى من التجريد إلى التصوير، ومن الفكرة إلى شيء يراه الإنسان ويتخيله.

🌹٣- وكان النبي ﷺ يرسم المعلومة أمام أصحابه: روي عن ابن مسعود قال: خط النبي ﷺ خطا مربعا، وخط خطا في وسطه خارجا منه، وخط خطوطا صغيرة إلى هذا الخط من جانبه، ثم قال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا).

تأملوا: النبي ﷺ يرسم على الأرض ليشرح فكرة عن حياة الإنسان وأجله وأمله! لماذا؟ لأن الصورة أحيانًا تختصر كلامًا طويلًا، وتُثبت المعنى في الذاكرة.

واليوم يسمي (التربويون) ذلك بالتعليم البصري: مخطط، صورة، خريطة ذهنية، رسم توضيحي، عرض مرئي.

🌹٤- ومرة يستخدم الإشارة والحركة: ومن ذلك قوله ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. رواه البخاري.

كان يستطيع ﷺ أن يقول: (كافل اليتيم قريب مني في الجنة، وينتهي الأمر، لكنهﷺ استخدم الإشارة بيده؛ ليجعل المعنى حاضرا أمام أعين أصحابه، فقد تكون الإشارة، والحركة، والصورة، والمشهد أبلغ من الكلمات.

🌹٥- كان النبي ﷺ يراعي الفروق الفردية بين المتعلمين: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (أن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه. فقال: إدنه، فدنا منه قريبا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لاخواتهم،.. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء).

تأملوا هذا الأسلوب النبوي، فالنبي ﷺ لم يعالج الشاب بالصراخ أو الإهانة، وإنما اقترب منه، وخاطب عقله ومشاعره، ثم دعا له.

وهنا يظهر الإبداع التربوي في مراعاة حال المتعلم وطريقة تفكيره؛ فالمعلم والمربي الناجح لا يغير الحق، وإنما ينوع طريقته في إيصال الحق بحسب حال من أمامه.

🌹٦- وكان النبي ﷺ يعلم بالممارسة والتطبيق: قال ﷺ: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فلم يكتفِ النبي ﷺ ببيان أحكام الصلاة بالكلام، بل علم أصحابه بالفعل والتطبيق؛ ليشاهدوا الأداء الصحيح ويقتدوا به.

وهذا يعلمنا أن بعض المهارات لا تُتقن بكثرة الشرح، وإنما (بالمشاهدة والتطبيق)، فالمعلم المبدع لا يكتفي بأن يقول للمتعلم: افعل، بل يريه كيف يفعل.

🔺️المحور الثاني- نماذج من رعاية النبي ﷺ للمواهب والقدرات:

من أعظم عناية النبي ﷺ بأصحابه أنه عرف مواهبهم وقدراتهم، ووجه كل واحد منهم إلى ما ينفعه وينفع الأمة.

🌹١- كان النبي ﷺ يكتشف الموهبة وينميها: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:(قال لي رسول الله ﷺ: أتحسن السريانية؟ قلت: لا. قال: فتعلمها، فتعلمتها في سبع عشرة ليلة).

وفي رواية قال زيد رضي الله عنه: (أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم لغة اليهود وكتابتهم، فما مر بي نصف شهر حتى تعلمت). اكتشف النبي ﷺ قدرة زيد على التعلم، فوجهه إلى تعلم ما يحتاجه المسلمون، ثم وظف مهارته في خدمة الدعوة والمجتمع.

وهكذا ترعى الموهبة: اكتشاف، وتنمية، ثم توظيف.

🌹٢- كان النبي ﷺ يقدر المواهب: ما روي أن النبي ﷺ قال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالفرائض علي بن أبي طالب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).

تأملوا كيف عرف النبي ﷺ مواطن التميز لدى أصحابه، فوجه كل واحد إلى المجال الذي يبدع فيه؛ فالمربي الناجح لا يركز على نقاط الضعف فقط، بل يكتشف المواهب وينميها ويوجهها.

🌹٣- إعطاء الموهوب فرصة لإظهار قدرته: ومن أوضح الأمثلة على ذلك أن النبي ﷺ ولى أسامة بن زيد رضي الله عنه قيادة جيش، وكان عمره صغيرا، وكان في الجيش كبار الصحابة.

النبي ﷺ لم يجعل صغر سن أسامة مانعا من تولي المسؤولية، بل رأى فيه من الكفاءة ما يؤهله لها.

🔺️المحور الثالث- نماذج من الاستفادة من الخبرات:

من هدي النبي ﷺ أنه لم يكن يحتكر الرأي، بل كان يستمع إلى أهل الخبرة، ويستفيد من تجاربهم وآرائهم، ويقبل الرأي النافع متى كان محققا للمصلحة.

🌹١- الاستفادة من الخبرة في التخطيط العسكري: في (غزوة بدر)، لما نزل النبي ﷺ منزلا، سأله الحباب بن المنذر رضي الله عنه: (يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟) فقال النبي ﷺ: (بل هو الراي والحرب والمكيدة).

فأشار عليه الحباب بمنزل آخر، فأخذ النبي ﷺ برأيه، وهذا يعلمنا أن القائد الناجح لا يحتكر الرأي، وإنما يستمع إلى أهل الخبرة، فقد تكون الفكرة الأفضل عند أحد أفراد الفريق.

🌹٢- الاستفادة من الخبرة السياسية: لما اجتمعت الأحزاب على المدينة في (غزوة الخندق)، أشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، فقبل النبي ﷺ هذه الفكرة، وعمل بها المسلمون، وكانت وسيلة دفاعية جديدة على العرب في ذلك الوقت.

وهذا يعلمنا أن صاحب الخبرة قد يقدم حلا لا يخطر على بالنا، وأن الحكمة تقتضي أن نسمع للمتخصصين ونستفيد من تجارب الآخرين.

🌹٣- الاستفادة من الخبرة الزراعية: عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: (مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال رسول الله ﷺ: ما أظن يغني ذلك شيئا، قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن) رواه مسلم.

وهذا يعلمنا أن من الإبداع أن نستفيد من أهل الخبرة، وأن نعطي كل تخصص لأهله؛ (فالطبيب) يرجع إليه في الطب، (والمهندس) في الهندسة، (والخبير) الزراعي في الزراعة.

🔺️نصيحة إلى المعلم مع بداية العام الدراسي:

– مع بداية العام الدراسي، تذكر أن مهمتك ليست نقل المعلومات فقط، بل اكتشاف مواهب الطلاب وتنميتها.

– لا تسخر من ضعيف، ولا تهمل متفوقا، بل اكتشف نقاط القوة في كل طالب، وشجعه ووجهه إلى ما يناسب قدراته.

فقد كان النبي ﷺ يراعي قدرات أصحابه وينمي مواهبهم.

ابدأ عامك بسؤال: ماذا سأعلم طلابي؟ وماذا سأكتشف فيهم؟