رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم الطلاق الصادر من المحاكم الأجنبية وآثاره الشرعية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم الطلاق الصادر من المحاكم الأجنبية وآثاره الشرعية

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

حكم الطلاق الصادر من المحاكم الأجنبية وآثاره الشرعية

———

مدخل

#الزواج والطلاق من العقود الشرعية التي تحكمها ضوابط الوحي، وتوثيقها في المحاكم المدنية هو إجراء لحفظ الحقوق.

#وسنبين في هذا المقال حكم الطلاق الصادر من قاض غير مسلم، ونبين متى تعتد به الزوجة ويحل لها الزواج، مع عرض ما استقرت عليه المجامع الفقهية المعاصرة.

———-

الحالة الأولى: صدور الطلاق برضا الزوج وإرادته

#إذا كان الزوج هو من رفع دعوى الطلاق في المحكمة الأجنبية، أو وافق عليها ووقع على أوراق الطلاق مختارا، فإن الطلاق يقع شرعا.

#يُكيف هذا الفعل فقهيا على أنه توكيل للمحكمة بإيقاع الطلاق، أو أنه طلاق بالكتابة مع توفر النية.

#قال ابن قدامة: “وإن كتب الطلاق بيده… وقع الطلاق” (ابن قدامة، المغني، ج٧، ص٣٧٣).

#في هذه الحالة، تبدأ عدة المرأة من تاريخ توقيع الزوج أو إقراره، ويجوز لها الزواج بغيره بعد انقضاء عدتها.

———–

الحالة الثانية: صدور الطلاق بحكم القاضي الأجنبي رغما عن الزوج

#إذا رفعت الزوجة دعوى الطلاق، ورفض الزوج، فأصدر القاضي الأجنبي حكما بالتفريق بينهما بقوة القانون، فهذا الطلاق لا يقع شرعا.

#العلة في ذلك أن القاضي غير المسلم لا يملك ولاية شرعية على المسلمين ليفسخ عقودهم أو ينهي زواجهم.

#قال ابن قدامة: “أما الكافر فلا ولاية له على مسلم بحال” (ابن قدامة، المغني، ج٧، ص٢٣).

#بناء على ذلك، تظل المرأة في عصمة زوجها شرعا، ولا يحل لها أن تتزوج بغيره بمجرد صدور هذا الحكم المدني.

———-

ثانيا: قرارات المجامع الفقهية في هذه النازلة

#نظرت المجامع الفقهية المعاصرة في هذه النازلة، وتنوعت اجتهاداتها لرفع الحرج عن المسلمات في بلاد الاغتراب، وبرز في ذلك اتجاهان فقهيان معتبران.

——–

الاتجاه الأول:

#يشترط لجوء المرأة إلى المراكز الإسلامية لإتمام الطلاق الشرعي بعد الطلاق المدني، وهو ما قرره مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.

#نص القرار: “أما إذا تنازع الزوجان حول الطلاق فإن المراكز الإسلامية تقوم مقام القضاء الشرعي عند انعدامه بعد استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة، وأن اللجوء إلى القضاء الوضعي لإنهاء الزواج من الناحية القانونية لا يترتب عليه وحده إنهاء الزواج من الناحية الشرعية، فإذا حصلت المرأة على الطلاق المدني فإنها تتوجه به إلى المراكز الإسلامية وذلك على يد المؤهلين في هذه القضايا من أهل العلم لإتمام الأمر من الناحية الشرعية” (مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، قرارات المؤتمر الثاني، قرار رقم ٤).

———

الاتجاه الثاني:

#يرى نفاذ حكم القاضي الأجنبي شرعاً بناءً على قاعدة “التفويض الضمني” والعرف، وهو ما قرره المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

#نص القرار: “الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاضٍ مسلم أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه يتعين على المسلم الذي أجرى عقد زواجه وفق هذا القانون غير الإسلامي، فقد رضي ضمناً بنتائجه، ومنها أن هذا العقد لا يحل عروته إلا القاضي، وهو ما يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج جائزاً له شرعاً عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، وتنفيذ أحكام القضاء ولو كان غير إسلامي جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد وحسماً للفوضى” (المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، القرارات والفتاوى، الدورة الخامسة، قرار رقم ٣).

————

ثالثا: لحل إشكالية (الطلاق رغما عن الزوج)، أفتت المجامع الفقهية بوجوب توجه المرأة إلى المراكز الإسلامية المعتمدة في تلك البلاد.

#تقوم هذه المراكز الإسلامية مقام القاضي المسلم عند انعدامه، فتدرس حالة الزوجة، وتستدعي الزوج، ثم تصدر حكما شرعيا بفسخ النكاح أو الخلع لرفع الضرر عنها.

———

رابعا: حكم زواج المرأة بعد الطلاق الأجنبي

#لا يجوز للمرأة أن تتزوج بناء على حكم المحكمة الأجنبية فقط إذا كان الزوج رافضا للطلاق.

#لكي يحل لها الزواج، يجب أن يكتمل لها أمران: صدور الطلاق المدني من المحكمة الأجنبية (لتتحرر قانونيا)، وصدور قرار الفسخ أو الخلع من المركز الإسلامي (لتتحرر شرعيا).

#بمجرد صدور قرار المركز الإسلامي، تعتد المرأة، ثم يحل لها الزواج بعد انقضاء العدة.

———-

خامسا: الآثار المالية وقسمة الممتلكات في المحاكم الأجنبية

#تقضي كثير من المحاكم الأجنبية عند الطلاق باقتسام الثروة والممتلكات بين الزوجين مناصفة، #وهذا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

#الذمة المالية للزوجين في الإسلام منفصلة، ولا يحل لأحد الزوجين أن يأخذ من مال الآخر شيئا استنادا إلى حكم القاضي الأجنبي إلا ما كان حقا خالصا له (كالمهر المؤخر أو النفقة).

#قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه” أخرجه أحمد برقم 20695.

#قال ابن قدامة: “ولا يجوز لأحد أخذ مال غيره بغير حقه” (ابن قدامة، المغني، ج٤، ص٢٣٤).

#يجب على المسلم والمسلمة أن يقتصرا على أخذ حقوقهما الشرعية فقط، وأن يتنازلا عن الزيادة التي يمنحها القانون الأجنبي بغير حق.

———-

سادسا: تعنت الزوج في الطلاق القانوني بعد إيقاعه شرعا

#من الإشكاليات الكبرى أن يطلق الزوج زوجته شرعيا (شفويا)، ثم يرفض إتمام إجراءات الطلاق في المحكمة الأجنبية بقصد الإضرار بها وتعليقها قانونيا.

#هذا الفعل محرم شرعا، ويعد من الظلم والاعتداء الذي نهى الله عنه.

قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

#قال القرطبي: “نهى الله عز وجل عن الإضرار بالزوجات” (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج٣، ص١٢٣).

#يجب على الزوج ديانة أن يسارع إلى توثيق الطلاق قانونيا كما أوقعه شرعيا، ليخلي سبيل المرأة ولا يظلمها.

———-

الخلاصة:

١.الطلاق الصادر من المحاكم الأجنبية يقع شرعا إذا كان برضا الزوج وإرادته.

٢.الطلاق الصادر بحكم القاضي الأجنبي رغما عن الزوج لا يقع شرعا، ولا يحل للمرأة الزواج بموجبه.

٣.المخرج الشرعي للمرأة المتضررة هو اللجوء إلى المراكز الإسلامية المعتمدة لاستصدار حكم بالفسخ أو الخلع.

٤.يحرم شرعا أخذ أموال الطرف الآخر استنادا لحكم المناصفة القانوني الأجنبي، ويقتصر كل طرف على حقه الشرعي فقط.

٥. تعمد الزوج تأخير الطلاق القانوني بعد إيقاعه شرعا للإضرار بالمرأة محرم ويأثم فاعله.

والله أعلم