رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحكم الشرعي للخلع القضائي وزواج المرأة بعده: دراسة فقهية متوازنة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحكم الشرعي للخلع القضائي وزواج المرأة بعده: دراسة فقهية متوازنة

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الحكم الشرعي للخلع القضائي وزواج المرأة بعده: دراسة فقهية متوازنة

———

مقدمة:

#شرع الله الزواج ليكون سكناً ومودة، وجعل لنهائه طرقاً مشروعة إذا استحالت العشرة، منها (الطلاق) بيد الرجل، و(الخلع) بطلب المرأة مقابل رد ما أخذته من مهر.

#وفي زماننا المعاصر، كثر التساؤل حول (الخلع القضائي) الذي يوقعه القاضي استجابة لطلب الزوجة، حتى وإن لم يرضَ الزوج أو لم يحضر، ووصل الأمر ببعض المتسرعين إلى الطعن في صحة هذا الخلع، بل واتهام المرأة التي تتزوج بعده بالزنا!

#ولبيان الحق في هذه المسألة الحساسة، نعرضها على ميزان الفقه والأصول في النقاط الآتية:

————-

أولاً: التأصيل الفقهي للخلع وتدخل القاضي فيه

١. الأصل في الخلع:

#الأصل أن الخلع يتم بالتراضي بين الزوجين، استناداً لقصة امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنهما، حين جاءت للنبي ﷺ وقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ (أي أكره كفران العشير لعدم طاقتي له). فقال ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِثَابِتٍ: «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». (ابن حجر. فتح الباري. ج9. ص395).

————

٢. تدخل القاضي عند رفض الزوج: اختلف الفقهاء فيما لو طلبت الزوجة الخلع لضرر أو لاستحالة العشرة، وتعنت الزوج ورفض:

#ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخلع لا يقع إلا برضا الزوج.

#وذهب طائفة من المحققين (وهو المعتمد في قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة) إلى أن للقاضي (ولي الأمر) سلطة إيقاع الخلع وإجبار الزوج عليه، أو التطليق عليه دفعاً للضرر عن المرأة؛ لأن أمر النبي ﷺ لثابت بن قيس (اقبل الحديقة وطلقها) يُحمل على الإلزام والقضاء، لا على مجرد الشفاعة.

#قال الإمام ابن قدامة مبيناً سلطة الحاكم في ذلك: “وَإِنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ الطَّلَاقِ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ… لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ، فَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ”. (ابن قدامة. المغني. ج7. ص324).

————

#فلسفة اشتراط رضا الزوج عند الجمهور وكيفية معالجة تعنته:

#قد يتساءل البعض: أليس في اشتراط الجمهور لرضا الزوج تعنت؟ ولماذا لم يجعلوه كالتطليق؟ #والجواب يكمن في فهم التكييف الفقهي لعقد الخلع عندهم:

١.الخلع عقد معاوضة (مبادلة): نظر الجمهور إلى الخلع على أنه (عقد معاوضة مالية)؛ فالزوج يملك (العصمة)، والزوجة تملك (المال/المهر). والقاعدة في الفقه الإسلامي أن أي مبادلة بين طرفين لا تتم إلا بـ (التراضي)، فلا يجوز إجبار شخص على التنازل عن حقه مقابل عوض مالي دون رضاه.

٢.توجيههم لحديث ثابت بن قيس: فهموا قول النبي ﷺ لثابت: «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» على أنه من باب (الشفاعة والنصح والإرشاد) لجمع الكلمة بالمعروف، وليس من باب (القضاء والإلزام).

————

٣.الفرق بينه وبين الطلاق:

#الطلاق يوقعه الزوج بإرادته المنفردة ويتحمل هو تبعاته المالية (من مؤخر ونفقة ومتعة).

#أما الخلع، فهو استجابة لرغبة الزوجة، وتتحمل هي تبعاته المالية (برد المهر والتنازل عن الحقوق). فجعلوا الخلع باباً يفتحه الشرع للمرأة لتفتدي نفسها إذا كرهت البقاء، ولكن مع حفظ حق الزوج في الرضا بقبول العوض.

———–

#كيف عالج الفقه تعنت الزوج؟

#الفقه الإسلامي لم يُغلق الباب أمام تعنت الزوج (العضل) للإضرار بالزوجة….

#بل وجدنا رأياً معتبراً لبعض المحققين (وهو المعتمد في المذهب المالكي في حالات الشقاق، واختيار طائفة من السلف) يعطي للقاضي حق التدخل وإجبار الزوج على الخلع أو التطليق عليه دفعاً للضرر، وهو ما أخذت به القوانين المعاصرة.

#يقول الإمام ابن القيم مقرراً هذا الرأي ومستدلاً بحديث ثابت بن قيس: “وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُهُ بِالْخُلْعِ إِذَا طَلَبَتْهُ الْمَرْأَةُ… وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ”. (ابن القيم. زاد المعاد. ج5. ص186).

#أما في المذهب المالكي، فقد أُعطي القاضي (أو الحكمان المبعوثان من قبله) سلطة التفريق جبراً عن الزوج عند الشقاق والضرر، يقول الإمام الدردير: “فَإِنْ تَمَادَيَا عَلَى الشِّقَاقِ… طَلَّقَا عَلَيْهِ بَائِنًا”. (الدردير. الشرح الكبير. ج2. ص345).

———

ثانياً: قاعدة (حكم الحاكم يرفع الخلاف)

#من القواعد الأصولية الكبرى التي تستقر بها المجتمعات قاعدة: (حُكْمُ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ). (القرافي. الفروق. ج2. ص103).

#ومعناها: أن المسألة إذا كان فيها خلاف بين الفقهاء (كاشتراط رضا الزوج في الخلع)، ثم تبنى ولي الأمر (القانون) رأياً فقهياً معتبراً، وأصدر القاضي الشرعي حكماً بناءً عليه، فإن هذا الحكم نافذ شرعاً وقانوناً، وتزول به العصمة الزوجية يقيناً.

#وعليه: فخلع القاضي للمرأة هو خلع شرعي صحيح، تترتب عليه كافة آثاره الشرعية.

————

ثالثاً: حكم زواج المرأة بعد الخلع القضائي (وخطورة الطعن في عرضها)

#بناءً على ما سبق، فإن المرأة إذا خلعها القاضي، وانقضت عدتها الشرعية، فهي امرأة (بائنة) حرة، يحل لها أن تتزوج بمن تشاء بعقد جديد.

#وزواجها الثاني زواج شرعي صحيح لا غبار عليه.

#أما إطلاق وصف (الزنا) عليها، فهو تجاوز خطير، وغفلة شديدة عن القواعد الشرعية، ويُعد من (القذف) المحرم الذي يوجب العقوبة في الدنيا والآخرة؛ لأنها تزوجت بعقد شرعي مبني على حكم قضائي مستند إلى اجتهاد فقهي معتبر.

————

رابعاً: مسألة غياب الزوج أو التحايل في المهر (الفرق بين القضاء والديانة)

#أثار السائل إشكالية أن المرأة قد لا ترد المهر الحقيقي، أو أن الزوج لا يعلم بالجلسة..

#والجواب عن ذلك يتلخص في التفرقة بين (الظاهر القضائي) و(الباطن الديني):

١. من حيث الإجراء القضائي: #المحكمة تلزم الزوجة برد (مقدم الصداق) المكتوب في العقد، وتقوم بإعلان الزوج بالطرق الرسمية. فإذا صدر الحكم، فهو نافذ في الظاهر، وتنفصل به عرى الزوجية.

————

٢. من حيث الديانة (بينها وبين الله): إذا تحايلت الزوجة، فكتبت مهراً صورياً (كجنيه واحد) بينما المهر الحقيقي مائة ألف، ولم ترد للزوج حقه الحقيقي، أو تعمدت إخفاء الإعلانات القضائية عنه، فهي (آثمة شرعاً) وتأكل مالاً حراماً، وتُسأل عن ذلك أمام الله يوم القيامة.

#ولكن: إثمها في (المال) أو (التحايل الإجرائي) لا يُبطل (حكم التفريق) الذي أصدره القاضي. فالعصمة قد انقطعت بحكم القاضي، وزواجها الثاني صحيح، ويبقى حق الزوج الأول في ذمتها ديناً يحاسبها الله عليه.

———

الخلاصة:

١.الخلع القضائي المعمول به في المحاكم هو إجراء شرعي صحيح، مبني على اجتهاد فقهي معتبر، وقاعدة (حكم الحاكم يرفع الخلاف).

٢.زواج المرأة بعد انقضاء عدتها من الخلع القضائي هو زواج حلال وصحيح، ووصفها بالزنا هو بهتان عظيم وقذف محرم.

٣.إذا تحايلت المرأة في رد المهر الحقيقي، فهي آثمة في ذمتها المالية أمام الله، ويجب عليها رد الحق لأصحابه، ولكن هذا الإثم المالي لا يُبطل صحة التفريق القضائي ولا يفسد زواجها الجديد.

والله أعلم.