
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن أهمية الأسوة الحسنة في القراّن الكريم
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
أهمية الأسوة الحسنة في القرآن الكريم
حين هبط آدم عليه السلام إلى الأرض، حدد الله له ولذريته طريق الهداية فقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38] .
وجعل الله الأسوة الحسنة منهجاً تربوياً، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21] .
وتأملوا قوله: “لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ”، فالاقتداء بالنبي ﷺ ليس مجرد سنة، بل هو دليل على الإيمان، وعلامة على أن المؤمن يرجو لقاء ربه، ويخاف عذابه، ويطمح إلى جنته .
وجوب اتباع الرسول ﷺ
والأمر بالاقتداء بالنبي ﷺ ليس مجرد استحباب، بل هو واجب، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31] .
قال ابن كثير رحمه الله: “هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله” .
ونبينا ﷺ يقول: “والذي نفسي بيده لو أن موسى بن عمران كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني” [رواه أحمد] .
ويقول ﷺ: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ” [رواه الترمذي وقال حسن صحيح] .
—
العنصر الثاني: محمد ﷺ قدوة في عبادته وخُلُقه
كان النبي ﷺ الأسوة المطلقة في عبادته، فقد كان خُلُقه القرآن، كما قالت عائشة رضي الله عنها: “كان خُلُقُه القرآن” [رواه مسلم] . فكل خُلق في القرآن كان متجسداً في شخصه الكريم.
قدوته في خشية الله والبكاء
كان ﷺ شديد الخشية من الله، رغم أنه المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. عن مطرف عن أبيه رضي الله عنهما قال: “رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء” .
أزيز الرحى: صوت الرَّحى عند دورانها، وهذا يدل على شدة بكائه ﷺ من خشية الله تعالى.
قدوته في الزهد في الدنيا
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: “ما يبكيك؟” فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: “أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة” [رواه البخاري] .
قدوته في الجود والكرم
كان ﷺ أجود الناس، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة [رواه مسلم] .
قدوته في الشجاعة والثبات
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به – يعني النبي ﷺ” . أي أنهم في شدة الحرب كانوا يتحصنون به ﷺ، وكان أشجع الناس.
قدوته في التواضع
كان ﷺ شديد التواضع، يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وتأخذ الجارية بيده فتنطلق به حيث شاءت، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد .
وهذا كله تعليم من النبي ﷺ لأمته أن التواضع من شيم الكرام، وأن الكمال ليس في الترفع عن الناس، بل في التواضع لهم.
—
العنصر الثالث: محمد ﷺ قدوة في تعامله مع الناس
قدوته في التعامل مع الأهل
كان ﷺ أحسن الناس عشرة مع أهله، كان حنوناً لطيفاً يدخل السرور والبهجة في قلوب أزواجه، ويخصص لهم أوقاتاً لقضاء حوائجهم . كانت عائشة رضي الله عنها تسأل: “ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟” فتقول: “كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم” [رواه أحمد] .
وهذا يعني أن الرجل المسلم ليس من عيب أن يساعد أهله في البيت، بل هذا من هدي النبي ﷺ.
قدوته في العفو والصبر
كان ﷺ يتحمل الأذى من الناس ويعفو عنهم، وقد غفر لأهل مكة يوم الفتح وقال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وكان صبوراً على قومه حين آذوه وكذبوه، وصبر على فقد أبنائه وأحبابه، وهذه هي القدوة في الصبر التي يحتاجها كل مسلم .
قدوته في العدل والإنصاف
كان ﷺ شديد العدل، لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، وكان يقول: “إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” [متفق عليه].
قدوته في الكلام والحديث
كان ﷺ إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين، يعده العاد، ليس بهذ مسرع لا يحفظ، ولا منقطع تتخلله السكتات، وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليعقل عنه . وهذه أدب في الكلام ينبغي للمسلم أن يتعلمه.
—
العنصر الرابع: ثمرات الاقتداء بالنبي ﷺ
محبة الله للعبد
أعظم ثمرة للاقتداء بالنبي ﷺ هي محبة الله للعبد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31] .
وفي الحديث القدسي: “وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه” [رواه البخاري] . ومعلوم أن السنة هي الطريق إلى النوافل، والنوافل هي الطريق إلى محبة الله.
الفوز في الآخرة
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71] . فطاعة الله ورسوله سبب للفوز العظيم في الآخرة، والجنة التي عرضها السموات والأرض.
الأمان من الفتن
النبي ﷺ قال: “أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون” [رواه مسلم] . ومعنى هذا أن التمسك بالسنة هو أمان من الفتن، وأن من ترك السنة تعرض للفتن والضلال.
تكفير الذنوب والخطايا
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]، فالاقتداء بالرسول ﷺ سبب لتكفير الذنوب ومغفرتها .
—
إن في الاقتداء بالنبي ﷺ خير الدنيا والآخرة، فمن اتبعه فاز، ومن تخلف عنه خسر.
إن السير على منهجه ﷺ هو الطريق الوحيد إلى محبة الله، والنجاة من الفتن، والفوز بالجنة. فاعلموا يا عباد الله أن حب النبي ﷺ ليس مجرد دعوى، بل حقيقته الاقتداء به في كل أمر، والتمسك بسنته في كل حال.
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108] .
فكونوا يا عباد الله من المتبعين، واجعلوا رسول الله ﷺ قدوتكم في كل شيء، وستجدون بإذن الله السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة.

