
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السيرة الذاتية بين الواقعي والخيالي
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
السيرة الذاتية بين الواقعي والخيالي
تُعدّ السيرة الذاتية من الأجناس الأدبية التي تتميز بخصوصية واضحة، لأنها تقوم على استحضار الإنسان لتجربته الشخصية وتحويلها إلى مادة مكتوبة قابلة للقراءة والتأمل. فهي لا تقتصر على تسجيل الأحداث التي مرّ بها الكاتب، وإنما تتجاوز ذلك إلى محاولة فهم تلك الأحداث والكشف عن أثرها في تكوين شخصيته ورؤيته للحياة. ومن هنا تتأسس السيرة الذاتية على علاقة معقدة بين الحياة والنص، وبين الحقيقة والتذكر، وبين التجربة الواقعية وإعادة تشكيلها فنيًا.
وتنبع أهمية السيرة الذاتية من كونها تمنح الفرد فرصة للعودة إلى ماضيه وتأمله من موقع الحاضر. فالكاتب لا يستعيد الماضي كما كان تمامًا، وإنما يستعيده كما بقي في ذاكرته وكما أصبح يفهمه بعد مرور الزمن. ولذلك فإن السيرة الذاتية تمثل نوعًا من الحوار بين «الأنا» الماضية و«الأنا» الحاضرة، حيث يحاول الكاتب أن يفسر مسيرته، ويحدد التحولات التي طرأت على شخصيته، ويمنح الأحداث السابقة معنى جديدًا.
ومن هنا تظهر الإشكالية الأساسية التي يطرحها هذا النوع من الكتابة: هل السيرة الذاتية نقل واقعي لحياة الكاتب، أم أنها إعادة بناء تخييلية لهذه الحياة؟ والحقيقة أن السيرة الذاتية تقع في منطقة وسطى بين الطرفين؛ فهي تستند إلى تجربة واقعية، لكنها تستخدم أدوات السرد واللغة والتخييل لإعادة تشكيل هذه التجربة، ولذلك لا يمكن فهمها باعتبارها نسخة مطابقة للحياة، ولا باعتبارها عملًا خياليًا منفصلًا عنها.
أولًا: السيرة الذاتية ومرجعية الواقع
تقوم السيرة الذاتية في أساسها على مرجعية واقعية، لأن موضوعها الأول هو حياة الكاتب وتجربته الشخصية. فالكاتب يستعيد أحداثًا عاشها، وأشخاصًا عرفهم، وأماكن ارتبط بها، ومواقف تركت أثرًا في تكوينه النفسي والفكري. ولذلك يتوقع القارئ أن يجد في السيرة علاقة واضحة بين الشخصية التي تروي الأحداث والشخص الذي عاشها بالفعل.
وتظهر أهمية الواقع في السيرة الذاتية من خلال ارتباط النص بهوية صاحبه. فالكاتب لا يقدم شخصية متخيلة بالكامل، وإنما يقدم ذاته بوصفها محورًا للأحداث. وهذا ما يجعل القارئ يتعامل مع النص باعتباره شهادة شخصية وتجربة إنسانية، حتى وإن كانت هذه الشهادة قد خضعت لإعادة التنظيم والصياغة الأدبية.
وقد ارتبط هذا الجانب بما يعرف عند الناقد الفرنسي فيليب لوجون بمفهوم «الميثاق السيرذاتي»، الذي يقوم على وجود علاقة تعاقدية بين الكاتب والقارئ، بحيث يعلن الكاتب بصورة مباشرة أو غير مباشرة أن النص يتناول حياته. غير أن هذا الميثاق لا يعني أن كل تفصيل في السيرة يمثل حقيقة تاريخية مطابقة للواقع؛ فالكاتب ينتقي ما يرويه، ويحذف ما لا يراه مناسبًا، ويرتب الأحداث وفق رؤيته، ويمنحها دلالات خاصة.
وبذلك يمكن القول إن واقعية السيرة الذاتية لا تقوم على النقل الحرفي للحياة، وإنما على وجود علاقة مرجعية بينها وبين تجربة الكاتب، بحيث تظل الحياة الواقعية نقطة الانطلاق الأساسية للعمل.
ثانيًا: الذاكرة وسيطًا بين التجربة والكتابة
تُعد الذاكرة من أهم العناصر التي تتحكم في بناء السيرة الذاتية، لأن الكاتب عندما يكتب عن الماضي لا يملك الماضي نفسه، وإنما يملك صورة ذهنية عنه. فالأحداث التي وقعت وانتهت لا تعود إلى الحاضر بصورة كاملة، بل تستعاد من خلال الذاكرة التي تقوم بالاختيار وإعادة الترتيب والتأويل.
فالإنسان لا يتذكر جميع تفاصيل حياته بالطريقة نفسها؛ فقد تبقى في ذاكرته لحظة صغيرة لأنها ارتبطت بانفعال قوي، بينما تختفي تفاصيل أحداث أخرى رغم أهميتها. ولذلك فإن ما يظهر في السيرة الذاتية هو الماضي الذي استطاعت الذاكرة الاحتفاظ به، وليس الماضي بكل تفاصيله.
كما أن الذاكرة تتأثر بالحاضر؛ فالكاتب عندما ينظر إلى تجربة عاشها في طفولته أو شبابه بعد مرور سنوات طويلة، قد يكتشف فيها معاني لم يكن قادرًا على إدراكها وقت حدوثها. ومن ثم فإن الحدث الواحد يمكن أن يحمل معنى مختلفًا في زمن التجربة عنه في زمن الكتابة.
وبهذا تصبح الذاكرة منطقة وسيطة بين الواقع والخيال، لأنها تحفظ آثار الواقع، لكنها تعيد تشكيله وفق الحالة النفسية والفكرية للكاتب. ولهذا فإن السيرة الذاتية هي في جانب كبير منها إعادة بناء للذاكرة وليست مجرد استرجاع آلي للماضي.
ثالثًا: حضور التخييل في السيرة الذاتية
لا يعني وجود التخييل في السيرة الذاتية أن الكاتب يختلق حياته أو يزوّر أحداثها بالضرورة، وإنما يعني أن التجربة الواقعية عندما تتحول إلى نص أدبي تخضع لآليات فنية وسردية. فالحدث الحقيقي يحتاج إلى لغة تصفه، وإلى ترتيب يحدد كيفية ظهوره، وإلى زاوية نظر تمنحه دلالة معينة.
وقد يستخدم الكاتب الحوار والوصف والاستعارة والتشبيه والمفارقة والاسترجاع والحذف والتقديم والتأخير، وهي كلها أدوات ترتبط بالكتابة الأدبية. ولذلك يمكن أن يكون الحدث واقعيًا من حيث أصله، لكنه يظهر في النص في صورة فنية تختلف عن الطريقة التي وقع بها في الحياة.
وقد يلجأ الكاتب أيضًا إلى إعادة بناء بعض الحوارات أو المشاهد اعتمادًا على ما يتذكره أو ما يعتقد أنه كان يمكن أن يقال في ذلك الموقف. وهنا تظهر الحدود الدقيقة بين الواقعي والتخيلي، إذ لا يعود الهدف مجرد إثبات الوقائع، وإنما تقديم التجربة بصورة قادرة على التأثير في القارئ وإيصال معناها.
ومن هنا فإن التخييل في السيرة الذاتية يمكن أن يُفهم باعتباره أداة لإعادة تقديم الواقع وليس بالضرورة نقيضًا للحقيقة.
رابعًا: بناء الذات بين الحقيقة والتخييل
السيرة الذاتية في جوهرها ليست كتابة للأحداث فقط، وإنما هي كتابة للذات. فالكاتب عندما يسرد حياته لا يريد أن يقول فقط «ماذا حدث؟»، بل يحاول الإجابة عن سؤال أعمق: من أنا؟ وكيف أصبحت الشخص الذي أنا عليه؟
ولهذا تتحول الأحداث في السيرة إلى وسائل لفهم الشخصية وتفسير تطورها. فقد يتوقف الكاتب عند تجربة الفشل لأنها أسهمت في تغيير شخصيته، أو عند موقف عائلي لأنه ترك أثرًا طويلًا في تفكيره، أو عند مرحلة مهنية لأنها شكلت رؤيته إلى النجاح والمسؤولية.
ومن خلال هذا السرد يعيد الكاتب بناء صورته أمام نفسه وأمام الآخرين. وقد يحاول أحيانًا الدفاع عن بعض مواقفه، أو الاعتراف بأخطائه، أو تفسير قرارات اتخذها في الماضي، أو الكشف عن جوانب من شخصيته لم تكن ظاهرة للآخرين.
وبذلك تصبح السيرة الذاتية عملية لإعادة تشكيل الهوية؛ فالذات التي تروي الأحداث في الحاضر ليست مطابقة تمامًا للذات التي عاشتها في الماضي، وإنما هي ذات جديدة تنظر إلى ماضيها وتعيد تفسيره.
خامسًا: الزمن السيرذاتي وإعادة تشكيل الماضي
يمثل الزمن عنصرًا محوريًا في السيرة الذاتية، لأن النص يجمع بين أزمنة متعددة: زمن وقوع الأحداث، وزمن تذكرها، وزمن كتابتها، وزمن قراءتها. وهذا التداخل يجعل الزمن السيرذاتي مختلفًا عن التسلسل الزمني العادي.
فقد يبدأ الكاتب من حدث وقع في مرحلة متقدمة من حياته، ثم يعود إلى طفولته لتفسير جذوره، أو يسترجع موقفًا قديمًا بسبب حادثة وقعت في الحاضر. وقد يحذف سنوات كاملة لأنه لا يراها ضرورية لبناء تجربته، بينما يمنح موقفًا قصيرًا صفحات طويلة بسبب أهميته النفسية.
ويكشف ذلك أن الزمن في السيرة الذاتية لا يخضع دائمًا للترتيب التاريخي، وإنما يخضع لمنطق الذاكرة والسرد. فالذاكرة قد تنتقل من موقف إلى آخر بسبب التشابه أو الانفعال أو الارتباط النفسي.
ومن هنا يمكن القول إن الكاتب لا يستعيد الماضي فحسب، بل يعيد هندسة الزمن الماضي بما يتناسب مع رؤيته الحالية وتجربته الكتابية.
سادسًا: اللغة وتحويل الواقع إلى خطاب أدبي
حتى عندما تكون التجربة التي يتحدث عنها الكاتب حقيقية، فإنها لا تصل إلى القارئ بصورة مباشرة، وإنما تمر عبر اللغة. فاللغة هي الأداة التي تحول الحياة إلى نص، ولذلك فإن اختيار الكلمات والجمل والأساليب يؤثر في الطريقة التي يفهم بها القارئ التجربة.
قد يصف الكاتب حدثًا بسيطًا بلغة عاطفية تجعله يبدو شديد الأهمية، وقد يقدم تجربة مؤلمة بأسلوب هادئ وتأملي، فيتغير أثرها في القارئ. كما يمكن للاستعارة والرمز والوصف أن تمنح الحدث الواقعي أبعادًا تتجاوز تفاصيله المباشرة.
ومن هنا فإن الحقيقة في السيرة الذاتية ليست حقيقة فوتوغرافية تنقل الواقع كما تلتقطه الكاميرا، وإنما هي حقيقة سردية تتشكل من خلال التفاعل بين الحدث والذاكرة واللغة ووجهة نظر الكاتب.
فالواقع يدخل النص بعد أن يمر عبر الوعي، ثم الذاكرة، ثم اللغة، ولذلك يصبح النص تمثيلًا للواقع وليس الواقع ذاته.
سابعًا: العلاقة بين الواقعي والخيالي
من الخطأ النظر إلى الواقعي والخيالي باعتبارهما عنصرين متناقضين بصورة مطلقة داخل السيرة الذاتية. فالواقعي يمثل المادة الأساسية التي تنطلق منها التجربة، بينما يمثل التخييل الطريقة الفنية التي يعاد بها تشكيل هذه المادة داخل النص.
فالكاتب قد يعيش تجربة واقعية، ثم ينتقي منها لحظات معينة، ويرتبها بطريقة خاصة، ويستخدم لغة أدبية للتعبير عنها، وربما يربط بينها وبين رموز أو صور فنية. وهكذا ينتقل الحدث من مستوى الحياة اليومية إلى مستوى الأدب.
وتكمن القيمة الفنية للسيرة الذاتية في هذا التفاعل تحديدًا؛ إذ إنها لا تقدم الواقع في صورته الخام، ولا تنفصل عنه لتتحول إلى خيال محض. وإنما تجعل من التجربة الواقعية مادة قابلة لإعادة القراءة والتفسير.
وبذلك تصبح السيرة الذاتية جنسًا أدبيًا يقف عند الحدود بين الحقيقة والحكاية، والوثيقة والأدب، والذاكرة والتخييل، والتجربة وإعادة بنائها.
ثامنًا: صدق السيرة الذاتية وحدوده
يُعد الصدق من القيم الأساسية في السيرة الذاتية، لأن القارئ يدخل إلى النص وهو يتوقع أن يجد تجربة شخصية حقيقية. إلا أن مفهوم الصدق هنا لا يعني بالضرورة القدرة على تقديم كل الوقائع والتفاصيل بصورة دقيقة، لأن الذاكرة الإنسانية محدودة، ولأن الكاتب ينتقي من حياته ما يراه جديرًا بالكتابة.
ولهذا يمكن التمييز بين الصدق التاريخي والصدق النفسي. فقد لا يتذكر الكاتب التاريخ الدقيق لحدث معين، لكنه يستطيع التعبير بصدق عن أثر ذلك الحدث فيه. وقد لا يستطيع إعادة الحوار الذي جرى حرفيًا، لكنه يستطيع نقل المعنى والانفعال الذي تركه الموقف في نفسه.
ومن هذا المنظور، يصبح الصدق في السيرة الذاتية مرتبطًا بقدرة الكاتب على تقديم تجربته بوعي ومسؤولية، وعدم تحويل السيرة إلى وسيلة لتزييف الواقع أو صناعة صورة مثالية للذات.
تاسعًا: السيرة الذاتية وإعادة تفسير التجربة
تمنح السيرة الذاتية الكاتب فرصة لإعادة النظر في تجاربه من منظور أكثر نضجًا. فقد تكون بعض الأحداث التي بدت مؤلمة أو سلبية في الماضي قد أصبحت، بعد سنوات، مصدرًا للتعلم والتطور.
فالكاتب يستطيع من خلال السرد أن يكتشف العلاقات بين الأحداث، وأن يفهم أسباب بعض قراراته، وأن يحدد اللحظات التي شكلت تحولات أساسية في حياته. وبذلك لا تكون السيرة مجرد استعادة للماضي، بل تصبح عملية نقد وتأمل ومراجعة للذات.
وهذا الجانب يجعل السيرة الذاتية ذات قيمة فكرية ونفسية، لأنها تساعد الإنسان على تحويل التجربة إلى معرفة. فالماضي لا يعود لمجرد التذكر، وإنما يعود لكي تتم قراءته وفهمه وإعادة تفسيره.
عاشرًا: السيرة الذاتية بين الواقع والهوية الرقمية
في العصر الحديث، توسع مفهوم السيرة الذاتية بسبب ظهور المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. فلم تعد السيرة الذاتية مقتصرة على الكتب والمذكرات، بل أصبح الإنسان يقدم نفسه باستمرار من خلال الصور والمنشورات والملفات الشخصية والمنصات المهنية.
وهنا تظهر إشكالية جديدة تتمثل في الفرق بين الذات الواقعية والذات المعروضة. فقد يختار الإنسان أن يظهر نجاحاته وإنجازاته، بينما يخفي إخفاقاته ومشكلاته، فينشأ شكل من أشكال التخييل الذاتي أو صناعة الصورة الشخصية.
وتتشابه هذه الظاهرة مع بعض آليات السيرة الذاتية الأدبية؛ ففي الحالتين يقوم الفرد بانتقاء ما يريد إظهاره من حياته. غير أن البيئة الرقمية تجعل هذه العملية أكثر سرعة واتساعًا، لأن الفرد يستطيع بناء صورة عامة عن نفسه أمام جمهور كبير.
ومن هنا أصبحت السيرة الذاتية الحديثة لا تتعلق فقط بكتابة الماضي، وإنما أيضًا بصناعة صورة الذات في الحاضر والمستقبل.
حادي عشر: القيمة الأدبية والفكرية للسيرة الذاتية
تتمثل القيمة الأدبية للسيرة الذاتية في قدرتها على تحويل التجربة الفردية إلى تجربة إنسانية يمكن للآخرين التفاعل معها. فمع أن الكاتب يتحدث عن حياته الخاصة، فإن القارئ قد يجد في تلك التجربة قضايا مشتركة مثل الطفولة، والأسرة، والحب، والفشل، والنجاح، والخوف، والطموح، والتحول.
أما قيمتها الفكرية فتتمثل في أنها تكشف كيفية تشكل الإنسان داخل بيئته الاجتماعية والثقافية والتاريخية. ومن خلال السيرة يمكن التعرف إلى مرحلة تاريخية أو مجتمع معين من خلال تجربة فردية، دون أن تتحول السيرة بالضرورة إلى كتاب تاريخي.
كما تتيح السيرة الذاتية للقارئ فرصة لفهم العلاقة بين الفرد ومحيطه، وكيف تؤثر الأسرة والتعليم والعمل والثقافة والظروف الاجتماعية في تكوين الشخصية.
ثاني عشر: السيرة الذاتية بوصفها إعادة تشكيل للذات
يمكن اعتبار إعادة تشكيل الذات النتيجة الأعمق لفعل الكتابة السيرذاتية. فالكاتب عندما يكتب حياته يصبح مراقبًا لتجربته، ويبدأ في تنظيم الأحداث وربطها ببعضها واكتشاف معانيها.
وقد يكتشف أثناء الكتابة أن بعض المواقف التي اعتبرها في الماضي هامشية كانت في الحقيقة مؤثرة في تكوينه، بينما قد يتبين له أن أحداثًا كان يعتقد أنها حاسمة لم تكن كذلك. وهكذا تصبح الكتابة نفسها وسيلة لاكتشاف الذات.
فالإنسان في السيرة الذاتية لا يكتفي بتسجيل ما كان عليه، بل يشارك في إنتاج صورة جديدة عن نفسه. ولذلك يمكن النظر إلى السيرة بوصفها عملية مستمرة لبناء الهوية من خلال استعادة الماضي وتأويله.
خاتمة
تكشف دراسة السيرة الذاتية أن العلاقة بين الواقعي والخيالي ليست علاقة تناقض، وإنما علاقة تفاعل وتكامل. فالسيرة تنطلق من تجربة واقعية عاشها الكاتب، لكنها لا تستطيع نقل هذه التجربة بصورة مطابقة للحياة؛ لأن الذاكرة تنتقي، والوعي يفسر، واللغة تعيد الصياغة، والسرد ينظم الأحداث ويمنحها دلالات جديدة.
ومن ثم فإن السيرة الذاتية ليست مجرد سجل للوقائع، وليست كذلك عملًا خياليًا منفصلًا عن الواقع، وإنما هي إعادة بناء أدبية للتجربة الإنسانية. فالكاتب يكتب ما عاشه، لكنه يكتبه من موقع جديد؛ موقع الإنسان الذي أصبح قادرًا على النظر إلى ماضيه وتأمله وتحليله.
وتكمن أهمية السيرة الذاتية في أنها تجعل من التجربة الفردية مجالًا لفهم الذات والآخر والمجتمع. فهي تجمع بين الحقيقة والتأويل، وبين الذاكرة والخيال، وبين الماضي والحاضر، وتكشف أن الإنسان لا يعيش حياته مرة واحدة فقط، بل يمكن أن يعيد اكتشافها وصياغة معناها من خلال الكتابة.
وفي النهاية يمكن اختصار جوهر السيرة الذاتية في العبارة الآتية:
السيرة الذاتية ليست نقلًا للحياة كما حدثت، ولا اختراعًا لحياة لم تحدث؛ إنها إعادة تشكيل لما حدث من خلال الذاكرة واللغة والوعي والخيال.

