رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فضل النفقة على الأهل والعيال وعظيم أجرها وجزاء التفرط فيها

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فضل النفقة على الأهل والعيال وعظيم أجرها وجزاء التفرط فيها

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

فضل النفقة على الأهل والعيال وعظيم أجرها وجزاء التفرط فيها

▪️الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛ إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحقيق المصالح وتكميلها، وإن من أعظم أبواب القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى أن يقيم بأمر أهل بيته وعياله بالمعروف، وأن يبسط عليهم النفقة بالقدر الذي آتاه الله، احتساباً وابتغاء وجهه الكريم. وقد جعل الله تعالى النفقة على الأهل فريضة محتمة على الرجال، ورتّب عليها الأجور العظيمة، كما جعل التفرط فيها والضياع ذنباً عظيماً وموبقة مهلكة.

وقد استدل الإمام النووي رحمه الله في هذا الباب بالآيات الكريمة: قال اللَّه تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} .

وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} .

وقال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} .

وقد دل القرآن المجيد في مواضع كثيرة على وجوب الإنفاق وعدم البخل، ووعد المنفقين بالخلف الجزيل في الدنيا والأجر العظيم في الآخرة، كما قال عز وجل: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة، رقم: ٢٦١].

⚫ التأصيل الشرعي لفضل النفقة على الأهل وأفضليتها

● إيجاب النفقة بالمعروف بحسب وسع الرجل فرض الله سبحانه وتعالى على الزوج والأب أن ينفق على زوجته وأولاده بالمعروف، فلا يكلف نفسه فوق طاقتها، ولا يبخل عليهم بما آتاه الله، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق، رقم: ٧].

• فالإنفاق الواجب على العيال يقدم على الصدقة المستحبة، وهو من أزكى الأعمال عند الله.

● تفضيل دينار النفقة على الأهل على سائره

إن الدينار الذي ينفقه العبد على أهله وولد بيته يربو في الأجر والمثوبة على الدينار المنفق في سبيل الله أو في اعتق الرقاب أو الصدقة على المساكين، لأن رعاية الأهل فريضة عينية ومسؤولية مناطة به.

989- عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال : قال رسولُ اللَّه ﷺ : «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سبيلِ اللَّه ، وَدِينَارٌ أَنْفَقتَهُ في رقَبَةٍ ، ودِينَارٌ تصدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفقْتَهُ علَى أَهْلِكَ ، أَعْظمُهَا أَجْراً الَّذي أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ » رواه مسلم .

● ترتيب درجات الإنفاق وأفضل الدنانير.

– بيّن النبي ﷺ ترتيب الإنفاق الشرعي، فبدأ بما ينفقه الرجل على عياله، ثم على ما يستعين به في سبيل الله، ثم على إخوانه وأصحابه.

290- عن أبي عبدِ اللَّهِ وَيُقَالُ له : أبي عبدِ الرَّحمن ثَوْبانَ بْن بُجْدُدَ مَوْلَى رسولِ اللَّه ﷺ قال : قال رسولُ اللَّه ﷺ : « أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيالِهِ ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دابَّتِهِ في سبيلِ اللَّه ، ودِينَارٌ يُنْفِقُهُ علَى أَصْحابه في سبِيلِ اللَّهِ » رواه مسلم .

• قال الله تعالى مؤكداً على أولوية الأقربين بالفضل والإنفاق: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء، رقم: ٢٦].

⚫ احتساب أجر النفقة والنية الصالحة

● ثواب إنفاق المرأة على بنيها من مالها لا يختص أجر النفقة بالرجال فحسب، بل إن المرأة إذا أنفقت على أبنائها احتساباً كان لها الأجر الجزيل عند الله تعالى.

291- عن أُمِّ سلَمَةَ رضي اللَّهُ عنها قَالَتْ : قلتُ يا رسولَ اللَّهِ ، هَلْ لي أَجْرٌ في بني أبي سلَمةَ أَنْ أُنْفِقَ علَيْهِمْ ، وَلَسْتُ بتَارِكَتِهمْ هَكَذَا وهَكَذَا ، إِنَّما هُمْ بنِيَّ ؟ فقال : « نَعَمْ لَكِ أَجْرُ ما أَنْفَقْتِ علَيهِم » متفقٌ عليه .

● النية وتحويل العادات والواجبات إلى عبادات.

-إذا أخلص العبد نيته في إنفاقه على أهله واحتسب ذلك عند الله، كتب الله له بكل لقمة يرفعها إلى فم زوجته صدقة وأجراً.

292- عن سعد بن أبي وقَّاص رضي اللَّه عنه في حدِيثِهِ الطَّويلِ الذِي قَدَّمْناهُ في أَوَّل الْكِتَابِ في بَابِ النِّيَّةِ أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قال له : « وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجهَ اللَّه إلاَّ أُجِرْتَ بها حَتَّى ما تَجْعلُ في في امرأَتِكَ » متفقٌ عليه .

● احتساب النفقة يجعلها صدقة مقبولة كل ما يخرجه الرجل على أهل بيته من طعام وكسوة ومأوى بنية الاحتساب يكتب عند الله تعالى في صحيفة الصدقات.

293- عن أبي مَسْعُودٍ الْبَدرِيِّ رضي اللَّه عنه ، عن النبي ﷺ قال : «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ على أَهْلِهِ نفقَةً يحتَسبُها فَهِي لَهُ صدقَةٌ » متفقٌ عليه .

• قال الله تعالى مبشراً من ابتغى وجهه بالإنفاق: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة، رقم: ٢٧٢].

⚫ خطورة التضيع والبخل على الأهل ودعوة الملكين

● الترهيب الشديد من إهمال النفقة وتضيع من يعول.

– إن من أقبح الذنوب وأعظم الآثام أن يفرط الرجل في قوت من يعولهم ويمسك عنهم النفقة الواجبة، أو يحبس عنهم ما يحتاجونه من القوت والرعاية.

294- عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاص رضي اللَّه عنهما قال : قال رسولُ اللَّه ﷺ قال : « كَفي بِالمرْأَة إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقُوتُ » حديثٌ صحيحٌ رواه أَبو داود وغيره .

ورواه مسلم في صحيحه بمعنَاهُ قال : « كَفي بِالمرْأَة إِثْماً أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يملِكُ قُوتَهُ » .

• فالتقصير في نفقة الأهل يوقع المنفق في الإثم المباشر والمقت الشرعي، إذ ضيع أمانته التي استرعاه الله عليها.

● دعوة الملكين للمنفق والممسك كل صباح

– في كل صباح تنزل ملائكة السماء لتدعو للمنفقين بالخلف والبركة، وللمسكين الشحاح بالتلف والخسران.

295- عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه أَن النبيَّ ﷺ قال : « مَا مِنْ يوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ ملَكَانِ يَنْزلانِ ، فَيقولُ أَحدُهُما : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلفاً ، ويَقولُ الآخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً » متفقٌ عليه .

• قال الله تعالى مؤكداً خُلْف النفقة: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ، رقم: ٣٩].

⚫ شرف اليد العليا والبدء بالمعولين

● تقديم الواجبات والاستغناء بالعفاف.

– أمر النبي ﷺ بأن يبدأ الإنسان بالإنفاق على من يعول، وأن يستعف عن المسألة، وبيّن أن اليد المنفقة هي العليا الفاضلة، وأن الصدقة لا تكون إلا عن ظهر غنى بعد استيفاء حق الأهل.

296- عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنهعن النبي ﷺ قال : « الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيدِ السُّفْلَى وابْدَأْ بمن تَعُولُ ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنَى ، ومَنْ يَسْتَعِففْ ، يُعِفَّهُ اللَّهُ ، ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِه اللَّهُ » رواه البخاري .

• قال الله تعالى ممتدحاً المتعففين: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة، رقم: ٢٧٣].

●•●•●•●•●•●•●•●•●•

إن النفقة على العيال والقيام بحق أهل البيت عبادة جليلة وقربة عظيمة يترتب عليها سعادة الدنيا والآخرة. ومتى أخلص المرء نيته واحتسب نفقته على أهله، خلف الله عليه في ماله وباركه، وكتبه من المنفقين المقبولين وقاه شح نفسه وعذاب ربه.

اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، ووفقنا للإنفاق على أهلنا وعيالنا ابتغاء وجهك الكريم.

اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، واجعل أيدينا عليا بالخير والإنفاق، ونقّ قلوبنا من الشح والبخل، واجعلنا ممن تدعو لهم ملائكتك بالخلف والبركة في الدنيا والآخرة.