
رئيس اتحادالوطن العربي الدولي يتحدث عن توطين المعرفة
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
توطين المعرفة: مثلث النهوض بالبحث العلمي في العالم العربي
لا يمكن لأي أمة أن تصنع مستقبلها أو تتجاوز أزماتها التنموية والتكنولوجية وهي تتعامل مع البحث العلمي بوصفه رفاهية أكاديمية أو نشاطًا هامشيًا يُستكمل به ديكور المؤسسات. إن تحويل البحث العلمي من استهلاك صوري إلى قوة محركة للاقتصاد والمجتمع يتطلب وضع اليد على الجرح الأساسي، والمتمثل في ثلاثة أركان لا غنى لأحدها عن الآخر: التمويل المستدام، الحرية الأكاديمية، والبيئة التحتية المتقدمة.
أولًا: التمويل المستدام… الخروج من عباءة “المنح الموسمية”
تعاني معظم الميزانيات المخصصة للبحث العلمي في العالم العربي من الضعف والتذبذب؛ حيث لا تتجاوز في الغالب نسبًا ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالمعدلات العالمية. والأخطر من ضآلة الرقم هو غياب “الاستدامة”.
الشراكة مع القطاع الخاص: إن الاعتماد الكلي على التمويل الحكومي المباشر لم يعد كافيًا. التمويل المستدام يتحقق عبر تشريعات تحفز الشركات والقطاعات الإنتاجية (كالطاقة، والاتصالات، والصناعة) على استثمار نسبة من أرباحها في البحث والتطوير مقابل إعفاءات ضريبية.
الأوقاف العلمية والصناديق السيادية: بناء صناديق استثمارية وقفيّة مخصصة لدعم الأبحاث يضمن استمرارية المشاريع طويلة الأمد، دون أن تتأثر بغير التقليات الاقتصادية أو تغير السياسات الحكومية المتلاحقة.
ربط التمويل بالأثر: توجيه الدعم المالي نحو البحوث التطبيقية التي تعالج مشكلات واقعية (كالأمن المائي، الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي) يخلق دورة اقتصادية مغلقة تجعل البحث العلمي منتجًا للثروة وليس مجرد مستهلك لها.
ثانيًا: الحرية الأكاديمية… البيئة التي تتنفس فيها الفكرة
إن توفير مليارات الدولارات لأفخم المختبرات لن ينتج معارف حقيقية ما لم يحاط الباحث بمناخ من الحرية الأكاديمية والفكرية. الإبداع بطبيعته عملية متمردة على السائد وتتطلب المساءلة والتجريب.
كسر القوالب التقليدية: تحتاج المؤسسات البحثية إلى الخروج من سلطة البيروقراطية والوصاية الفكرية. الباحث بحاجة إلى مساحة آمنة لتفنيد النظريات القديمة وطرح أسئلة غير تقليدية دون خوف من التهميش أو الملاحقة.
استقلالية المؤسسات الجامعية: تحرير المراكز البحثية من الرقابة الإدارية المتصلبة يمنح العلماء مرونة في اختيار مواضيع أبحاثهم، وتشكيل فرق العمل، ونشر النتائج بشفافية تجريدية تتطلبها أصول المنهج العلمي.
ثقافة الخطأ العلمي: التطور العلمي يقوم على المحاولة والخطأ؛ وتكبيل الباحث بضرورة تقديم نتائج إيجابية ومضمونة مسبقًا يقضي على روح الاستكشاف ويحول الأبحاث إلى مجرد معاملات ورقية للترقية الوظيفية.
ثالثًا: المختبرات والبنية التحتية… أدوات تحويل النظريات إلى واقع
في عصر العلوم الدقيقة والتكنولوجيا الفائقة، لم يعد القلم الورقي أو المكتبة التقليدية كافيين لصناعة فارق علمي. الباحث المعاصر يحتاج إلى أدوات تضاهي ما يتوفر لنظيره في المراكز العالمية.
تحديث البنية التحتية والمعدات: تجهيز المختبرات بأحدث التقنيات، وأجهزة التحليل، ومختبرات الذكاء الاصطناعي، والحواسيب الفائقة، يختصر سنوات من العمل ويمنح الباحثين القدرة على إجراء تجارب ذات مصداقية دولية.
المعامل المركزية المشتركة: نظرًا للتكلفة العالية للمعدات المتقدمة، يكمن الحل في إنشاء “مختبرات وطنية مركزية” مجهزة بأعلى المعايير، وتكون متاحة لجميع الباحثين من مختلف الجامعات والمؤسسات لتجنب تكرار الإنفاق غير البرمجي.
الصيانة والتشغيل المستمر: التحدي الأكبر في البيئة العربية ليس في شراء الأجهزة الحديثة، بل في الاستثمار في صيانتها وتوفير المواد التشغيلية وتدريب الكوادر الفنية على إدارتها، لضمان عدم تحول هذه المعامل إلى “متاحف مغلقة”.
إن تدارك الفجوة المعرفية بين العالم العربي والمراكز العلمية المتقدمة ليس أمرًا مستحيلًا، لكنه يتطلب العبور من مرحلة التشخيص والشعارات إلى مرحلة بناء المنظومة. إن توفير التمويل المستدام يمنح الاستقرار، والحرية الأكاديمية تمنح الشجاعة والابتكار، والمختبرات المتقدمة توفر الأدوات؛ ومتى ما التقت هذه العناصر الثلاثة، ستتحول أوطاننا من بيئات ناضحة للكفاءات إلى حاضنات لصناعة المستقبل

