
رئيس اتحادالوطن العربي الدولي يتحدث عن القدوة الحسنة في حياة رسول الإسلام
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الكلمات مهما بلغت فصاحتها، والمواعظ مهما اشتدت حرارتها، تظل قاصرة عن إحداث التغيير الحقيقي ما لم تتجسد في “قدوة حسنة” تمشي على الأرض.
#وفي زماننا المعاصر، نعيش أزمة خانقة تتمثل في “غياب القدوة وتصدر التافهين”، حيث اختلت المعايير، وأصبح الرويبضة يتحدث في أمر العامة، ووقع الكثير من المربين في فخ التناقض بين القول والعمل.
#وأمام هذا التيه الفكري والأخلاقي، يبرز “خُلُق القدوة الحسنة” كطوق نجاة، ومنهج نبوي يعيد صياغة العقول، ويؤكد أن التربية بالفعال أبلغ وأمضى من التربية بالمقال.
————–
المحور الأول: تجليات خُلُق القدوة الحسنة في حياة النبي ﷺ
#لم يكن النبي ﷺ قائداً يكتفي بإصدار الأوامر من برجه العاجي، بل كان في طليعة العاملين، وتجلى خُلُق القدوة في حياته عبر صور مبهرة، منها:
١.القدوة في مشاركة الأتباع في الأعمال الشاقة:
في غزوة الخندق، لم يجلس النبي ﷺ يراقب الصحابة رضي الله عنهم وهم يحفرون، بل كان يحفر معهم وينقل التراب حتى وارى الغبار بياض بطنه. فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ» [أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2837)، ومسلم برقم (1803)].
——
٢.القدوة في العبادة والشكر:
كان يأمر أصحابه بالعبادة، ولكنه كان أكثرهم اجتهاداً فيها.
فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» [أخرجه البخاري برقم (4836)، ومسلم برقم (2819)].
———
٣.القدوة في الشجاعة ومواجهة الأزمات:
#كان ﷺ أول من يواجه الخطر، ليعلم أمته الشجاعة العملية.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ (أي ذهب قبلهُم وكشف مصدر الصوت)، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ (بلا سَرْج)، وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» [أخرجه البخاري برقم (2908)، ومسلم برقم (2307)].
———-
٤.القدوة في الصبر على الجوع والفقر:
قبل أن يطلب من أصحابه الصبر على شظف العيش، كان هو إمام الصابرين.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قصة الخندق قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ فَإِذَا حَجَرَانِ [أخرجه البيهقي في دلائل النبوة، ج3، ص 422، وقال ابن حجر في الفتح: إسناده حسن].
———
٥.القدوة في تطبيق العدل على الأقربين:
حينما تعلق الأمر بتطبيق الحدود، بدأ بنفسه وأهل بيته ليكون قدوة في العدالة.
فعن عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، قال النبي ﷺ: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [أخرجه البخاري برقم (3475)، ومسلم برقم (1688)].
————
٦.القدوة في التواضع وخدمة الأهل:
رغم مقامه العظيم، كان قدوة في التواضع داخل بيته.
سُئلت عائشة رضي الله عنها: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» [أخرجه البخاري برقم (676)].
————
المحور الثاني: قصة (موقف النبي ﷺ يوم الحديبية ومشورة أم سلمة رضي الله عنها)
#عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة رضي الله عنهما، في قصة صلح الحديبية الطويلة، وما كان فيها من شروط شقت على نفوس الصحابة رضي الله عنهم، فلما فرغ النبي ﷺ من كتابة الصلح، قال لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا».
#قال الراوي: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ.
فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ.
فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (أي من شدة التزاحم والمسارعة للاقتداء به). [أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2731، 2732)].
#الفوائد المستنبطة من القصة:
١.التربية بالعمل أبلغ من القول: لما تكرر الأمر القولي ثلاث مرات ولم يستجيبوا لشدة صدمتهم، كان الفعل الصامت (النحر والحلق) هو المحرك الذي أيقظهم ودفعهم للاستجابة الفورية.
——
٢.القائد هو المبادر الأول: القدوة الحقيقية تقتضي أن يكون القائد هو أول من ينفذ القرارات الصعبة التي تشق على النفوس، ليُسقط أي حجة للمترددين.
———
٣.حكمة المرأة ورجاحة عقلها: يتجلى هنا فضل أم سلمة رضي الله عنها، وكيف أن مشورتها كانت سبباً في إنقاذ جيش كامل من هلكة مخالفة أمر النبي ﷺ.
———
٤.مراعاة الحالة النفسية للأتباع: لم يعاقب النبي ﷺ أصحابه على تباطئهم، لأنه أدرك أن امتناعهم لم يكن تمرداً، بل كان حزناً وذهولاً من شروط الصلح، فعالجهم بالقدوة لا بالعقوبة.
———-
٥.سرعة انقياد الصحابة للقدوة: بمجرد أن رأوا الفعل النبوي، زال عنهم الذهول، وتسابقوا لتنفيذ الأمر حتى كادوا يقتلون بعضهم من شدة التزاحم، مما يثبت عمق محبتهم واقتدائهم.
——-
٦.القدوة الحسنة تعصم المجتمع من التفرق: لولا هذا الموقف العملي الحاسم، لربما اتسع الخلاف بين الصحابة، فالقدوة هي صمام الأمان الذي يوحد الصفوف في أوقات الأزمات.
———
المحور الثالث: القضية المعاصرة (ظاهرة تصدر التافهين والتناقض التربوي)
#يعاني المجتمع المعاصر من أزمة خانقة في صناعة النماذج، وتتجلى هذه الظاهرة في صور خطيرة:
١.تصدر التافهين في الفضاء الرقمي:
#حيث أصبح صُناع المحتوى الهابط، والباحثون عن الشهرة بالفضائح، هم “القدوات” التي يتابعها الملايين من الشباب والمراهقين، ويقلدونهم في ملبسهم وطريقة كلامهم.
——-
٢.التناقض التربوي عند الآباء:
#كأن ينهى الأب ابنه عن التدخين والسيجارة في يده، أو تأمر الأم ابنتها بالصدق وهي تكذب أمامها على الهاتف، مما يهدم الثقة ويخلق جيلاً متناقضاً.
———
٣.تقديس المشاهير في الفن والرياضة:
#تحول الإعجاب بمهارة لاعب أو ممثل إلى “تقديس أعمى” لأسلوب حياته، حتى وإن كان مليئاً بالانحرافات الأخلاقية والسلوكية.
——–
٤.تهميش النماذج المصلحة والعلماء:
#التغييب المتعمد للعلماء، والمفكرين، والأبطال الحقيقيين عن شاشات الإعلام ومناهج التعليم، مما أحدث فراغاً في القدوات الإيجابية.
———
٥.ازدواجية المعايير في بيئات العمل:
#أن يطالب المدير موظفيه بالنزاهة والانضباط في الوقت، بينما يمارس هو المحسوبية والتسيب، مما يقتل روح الانتماء والإخلاص في المؤسسة.
——–
٦. الانسلاخ من الهوية:
#لجوء الشباب إلى استيراد قدوات غربية لا تتناسب مع ديننا وقيمنا، نتيجة لغياب النموذج المحلي الجذاب الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
———
المحور الرابع: المعالجة النبوية لظاهرة غياب القدوة والتناقض
#وضع الهدي النبوي قواعد صارمة لضبط بوصلة الاقتداء، وعالج التناقض التربوي من خلال:
١.حصر الأسوة المطلقة في شخص النبي ﷺ:
لقطع الطريق على القدوات الزائفة، وجه القرآن الأمة إلى النبع الصافي. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]. فهو المعيار الذي تُقاس عليه كل القدوات.
———
٢.التحذير المرعب من التناقض بين القول والعمل:
رهّب النبي ﷺ المربين والدعاة من مخالفة أفعالهم لأقوالهم. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ (تخرج أمعاؤه) فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ… فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» [أخرجه البخاري برقم (3267)، ومسلم برقم (2989)].
———
٣.تحميل القدوة مسؤولية من يقلده (السنة الحسنة والسيئة):
بيّن النبي ﷺ أن المشهور أو القدوة يحمل وزر كل من قلده في باطل. فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ… وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ» [أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1017)].
———
٤.الأمر بانتقاء القدوات والأخلاء:
أمر النبي ﷺ الشباب بالتدقيق فيمن يتخذونه قدوة وصديقاً. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» [أخرجه أبو داود برقم (4833)، والترمذي برقم (2378)، وقال الإمام النووي في رياض الصالحين: إسناده صحيح].
——–
٥.إعلاء شأن العلماء كقدوات للمجتمع:
لمواجهة تصدر التافهين، رفع النبي ﷺ من شأن أهل العلم ليكونوا هم النجوم الحقيقية. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» [أخرجه أبو داود برقم (3641)، والترمذي برقم (2682)].
———–
٦.تأكيد مسؤولية الراعي عن رعيته:
جعل النبي ﷺ كل مسؤول (أباً، معلماً، مديراً) محاسباً عن القدوة التي يقدمها لمن تحته. فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [أخرجه البخاري برقم (893)، ومسلم برقم (1829)].
———-
الخاتمة:
يتبين مما سبق أن القدوة الحسنة هي الترجمة الحية للإسلام، وأن المجتمع الذي يلمع التافهين ويهمش المصلحين هو مجتمع يحفر قبره بيده.
#ولمواجهة هذه الظاهرة، أوصي بما يلي:
١.إماتة الباطل بهجره: توعية المجتمع، وخاصة الشباب، بالتوقف عن متابعة صُناع المحتوى التافه، وتطبيق قاعدة “لا تجعلوا من الحمقى مشاهير”، فالمتابعة هي رأس مالهم.
——
٢.تطابق القول والعمل في المحاضن التربوية: أن يلتزم الآباء والمعلمون بأن يكونوا نسخاً عملية لما يعظون به، فعيون الأبناء معقودة بفعالهم قبل أقوالهم.
——
٣.إبراز النماذج المضيئة إعلامياً: إطلاق برامج ومبادرات إعلامية تسلط الضوء على العلماء، والمخترعين، وحفظة القرآن، وأصحاب المبادرات الإنسانية، ليكونوا نجوماً بديلة للشباب.
———
٤.تحديث المناهج الدراسية: صياغة سير الصحابة والتابعين والأعلام المعاصرين في قوالب قصصية مشوقة وجذابة في المناهج التعليمية، لربط الأجيال بقدواتهم الحقيقية.
———
٥.تفعيل برامج “المرافقة التربوية”: ربط المراهقين بشباب صالحين أكبر منهم سناً في المساجد والأندية، ليكونوا لهم قدوة حسنة في السلوك والدين، فالشاب يتأثر بنظيره أكثر من غيره.
———
٦.النزاهة القيادية في المؤسسات: أن يبدأ المسؤولون ومديرو المؤسسات بأنفسهم في تطبيق القوانين واللوائح، ليكونوا قدوة عملية لموظفيهم في الانضباط والأمانة.
نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، وأن يرزقنا الاقتداء بسيد المرسلين، وأن يجعلنا قدوة للمتقين

