
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحاقدين على رسول الإسلام
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
يحتج البعض من المغرضين والحاقدين على رسول الإسلام بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: 94]، زاعمين وقوع الشك من النبي ﷺ أو إمكانه. فما الرد؟
الجواب ![]()
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، أمَّا بعدُ.
هذه الآية وإن خوطب بها النبي ﷺ ظاهرًا، فإن حقيقتها ترجع إلى معانٍ جليلة، وهي من الأساليب البديعة التي تخاطب بها العرب في كلامها، ولم يقع من النبي ﷺ شك ولا سؤال أصلًا بنص أئمة السلف، وإنما خرج الكلام مخرج الفرض والتقدير لغرض بلاغي، وإليك أقوال المفسرين في المراد بها:
الأقوال الواردة في الآية:
● القول الأول: الخطاب للنبي ﷺ، ولم يقع منه شك ولا سؤال.
قال سعيد بن جبير: «ما شك وما سأل».
[تفسير الطبري 15/202]
وقال قتادة: «وإن لم يكن في شك منه، ولا سأل من قبله، قد كان عنده من الله تبارك وتعالى ما كفاه».
[تفسير الطبري 15/202]
● القول الثاني: الخطاب للمشركين عبدة الأوثان، أي: قل لهم إن كنتم في شك فاسألوا من أسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام.
قال القرطبي: «الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره، أي لست في شك ولكن غيرك شك… فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود، يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، لأن عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب».
[الجامع لأحكام القرآن 8/347-349]
● القول الثالث: خطاب عام لكل شاكٍّ مرتاب، فمن شك فليسأل أهل الكتاب الثقات.
قال ابن جرير مبينًا هذا الاتجاه: «وقد بيّنا في غير موضع من كتابنا هذا، استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: إن كنت مملوكي فانتهِ إلى أمري، والعبد المأمور بذلك لا يشك سيده القائل له ذلك أنه عبده، وكذلك قول الرجل منهم لابنه: إن كنت ابني فبرني، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه».
[تفسير الطبري 15/201-203]
وجه الجمع بين هذه الأقوال:
وهذه الأقوال وإن اختلفت في تحديد المخاطب المراد، إلا أنها تتفق جميعًا على نفي الشك عن النبي ﷺ وعدم إثبات وقوعه، فمن المقرر في أصول الفقه وعلوم البلاغة أن تعليق الحكم بالشرط لا يستلزم تحقق الشرط ولا إمكانه، بل قد يعلق بشرط ممتنع لبيان لازم أو نفي ملزوم.
قال ابن تيمية: «النبي ﷺ لم يشك ولم يسأل؛ ولكن هذا حكم معلق بشرط، والمعلق بالشرط يعدم عند عدمه، وفي ذلك سعة لمن شك، أو أراد أن يحتج، أو يزداد يقينًا».
[مجموع الفتاوى 4/209]
وقال ابن القيم: «أشكلت هذه الآية على كثير من الناس… وليس فيها بحمد الله إشكال، وإنما أتي أشباه الأنعام من سوء قصدهم، وقلة فهمهم؛ وإلا فالآية من أعلام نبوته ﷺ، وليس في الآية ما يدل على وقوع الشك ولا السؤال أصلًا، فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط، بل ولا على إمكانه، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 42]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، ونظائره، فرسول الله ﷺ لم يشك ولم يسأل».
[أحكام أهل الذمة 1/99-105]
ففي هذه الآيات شروط ممتنعة الوقوع أصلًا، ومع ذلك علق الله عليها أحكامًا، فالغرض منها بيان المعنى وإقامة الحجة، وليس إثبات وقوع الشرط، وكذلك آية يونس محل السؤال.
وجه كون الآية من أدلة النبوة:
قال ابن القيم: «المقصود به: إقامة الحجة على منكري النبوات والتوحيد… فمن شك في ذلك، فليسأل أهل الكتاب، فأخرج هذا المعنى في أوجز عبارة، وأدلها على المقصود، بأن جعل الخطاب لرسوله الذي لم يشك قط، ولم يسأل قط، ولا عرض له ما يقتضي ذلك. وأنت إذا تأملت هذا الخطاب بدا لك على صفحاته: من شك فليسأل، فرسولي لم يشك ولم يسأل».
[أحكام أهل الذمة 1/99-105]
ومعنى ذلك: أن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدق النبي ﷺ فيما كذبه فيه الكافرون، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 43]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: 10].
وخلاصة الرد:
النبي ﷺ لم يشك ولم يسأل قطعًا بنص السلف كسعيد بن جبير وقتادة، والشرط في الآية للفرض والتقدير لا للإثبات، كقوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، والخطاب ظاهره للنبي والمراد غيره كما نص القرطبي، والآية من أعلام نبوته إذ فيها تحدٍّ بشهادة أهل الكتاب له بالصدق، فانقلبت الشبهة حجة على أصحابها.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وثبّتنا على الإيمان واليقين، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.

