
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مصطلح ذوو الهمم
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مصطلح ذوو الهمم
من أكثر الأمور التي تبدو بسيطة في حديثنا عن الإعاقة مسألة التسمية.
فنحن نستخدم كلمات كثيرة عندما نتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة، وبعض هذه الكلمات جاءت من باب الاحترام وحسن النية، وبعضها الآخر ورثناه من اللغة الشعبية أو من الخطاب الاجتماعي القديم.
ومن أكثر المصطلحات التي انتشرت في السنوات الأخيرة مصطلح ذوو الهمم أو أصحاب الهمم.
وقد يبدو المصطلح للوهلة الأولى جميلاً وإيجابياً، فهو يركز على الإرادة والعزيمة والقدرة على تجاوز الصعوبات. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو:
هل هذا هو المصطلح الذي ينبغي أن نستخدمه فعلاً عندما نتحدث عن الإعاقة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؟
ماذا تقول الأمم المتحدة؟
هنا ينبغي أن نكون دقيقين جداً.
المصطلح المستخدم في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006 هو الأشخاص ذوو الإعاقة، وهو المصطلح المستخدم في النص العربي الرسمي للاتفاقية وفي وثائق الأمم المتحدة ذات الصلة.
وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 3 مايو 2008، وهي معاهدة دولية ملزمة قانوناً تهدف إلى ضمان تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية على قدم المساواة مع الآخرين.
والأمر الأهم أن الأمم المتحدة لا تتعامل مع الإعاقة باعتبارها مجرد مشكلة في جسد الإنسان.
فالاتفاقية تنظر إلى الإعاقة باعتبارها مفهوماً متطوراً ينتج من التفاعل بين الأشخاص ذوي الإعاقة والحواجز السلوكية والبيئية التي تمنع مشاركتهم الكاملة والفعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين.
وهذا يغير طريقة تفكيرنا في المسألة كلها.
فإذا كان شخص يستخدم كرسياً متحركاً ولا يستطيع دخول مبنى بسبب وجود درجات فقط، فالمشكلة ليست في الكرسي وحده.
وإذا كان شخص كفيف لا يستطيع الوصول إلى موقع إلكتروني بسبب تصميمه، فالمشكلة ليست في فقدان البصر وحده.
هناك حاجز صنعه المجتمع، ويمكن للمجتمع أن يزيله.
لكن ماذا عن ذوي الهمم؟
هنا أعتقد أننا نحتاج إلى شيء من الهدوء.
لا أرى أن كل شخص يستخدم عبارة ذوي الهمم يقصد بها الإساءة أو الانتقاص.
على العكس تماماً.
في كثير من الحالات يستخدمها الناس بدافع الاحترام والرغبة في الابتعاد عن الكلمات الجارحة التي اعتاد المجتمع استخدامها.
لكن حسن النية لا يجعل المصطلح بالضرورة هو المصطلح الأدق.
وهذا ليس مجرد رأي شخصي.
ففي المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الصياغة اللغوية المراعية لمنظور الإعاقة ترد أصحاب الهمم ضمن العبارات التي توصي المنظمة بتجنب استخدامها في الخطاب المراعي لمنظور الإعاقة، كما تضع إلى جانبها عبارات مثل أصحاب الاحتياجات الخاصة وذوو العزم.
ولماذا؟
لأن الإنسان ليس ذا إعاقة بسبب نقص في الهمة.
قد يكون الشخص شديد العزيمة، وقد يكون ضعيفها.
وقد يكون سعيداً أو حزيناً أو غاضباً أو متردداً أو ناجحاً أو فاشلاً.
تماماً مثل أي إنسان آخر.
فربط الإعاقة بالهمة يجعلنا من حيث لا نشعر نضع على الشخص عبئاً إضافياً.
كأن عليه دائماً أن يكون قوياً ومبتسماً ومقاوماً حتى يستحق الإعجاب.
وهنا تضيع حقيقة بسيطة جداً:
الشخص ذو الإعاقة ليس مطالباً بأن يكون بطلاً طوال الوقت حتى يستحق الاحترام.
الإعاقة ليست امتحاناً في قوة الإرادة
أحياناً نسمع عبارات مثل:
أنت تستطيع إذا أردت.
الإرادة تصنع المستحيل.
لا يوجد شيء اسمه عجز.
قد تكون هذه العبارات مشجعة في بعض المواقف، لكنها تصبح مؤذية عندما نستخدمها لتفسير كل شيء.
لأن بعض الحواجز لا تُزال بالإرادة.
السلم لا يتحول إلى منحدر لأن الشخص لديه همة.
والكتاب غير الميسّر لا يصبح مقروءاً لأن القارئ لديه عزيمة.
والمؤسسة التي ترفض توظيف شخص بسبب إعاقته لا تصبح عادلة بمجرد أن نقول له كن قوياً.
لهذا جاءت اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لتضع التركيز على المساواة وعدم التمييز وإمكانية الوصول والمشاركة والاستقلالية، وليس على مطالبة الشخص بأن يثبت قوته في كل لحظة.
المشكلة الأكبر في اللغة الشعبية
وفي المقابل هناك كلمات أخرى أشد قسوة.
في بعض المجتمعات العربية والسودانية ما زالت تُستخدم أوصاف مثل ضرير وكسيح وأطرش وألقاب أخرى تُطلق على الإنسان بدل اسمه.
وفي السودان تحديداً وثقت إحدى المواد الصحفية استخدام أوصاف شعبية مثل منقولي وأطرش وكسيح في الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة وما قد تسببه هذه الأوصاف من شعور بالاضطهاد والدونية.
والأمم المتحدة نفسها تضع ضمن العبارات التي توصي بتجنبها كلمات مثل ضرير وكسيح وأطرش ومقعد وغيرها، وتوصي بدلًا منها بصيغ مثل شخص مكفوف وشخص أصم وشخص ذو إعاقة حركية وشخص يستخدم كرسياً متحركاً.
وهنا لا نتحدث عن تجميل الكلمات فقط.
الكلمة قد تتحول إلى هوية.
فالطفل الذي يسمع طوال سنوات من عمره لقباً يختصره في عاهته قد يبدأ مع الوقت في رؤية نفسه من خلال هذا اللقب.
وهذا أحد أشكال الحواجز التي لا تُرى.
حاجز في اللغة.
وحاجز في النظرة.
وحاجز في الوعي.
وأذكر موقفاً شخصياً
ذات مرة كنت أتناقش مع صديق من الأشخاص ذوي الإعاقة حول مصطلح ذوي الهمم.
كان مقتنعاً به بشدة، ويراه أكثر احتراماً من كلمة الإعاقة.
حاولت أن أوضح له الفرق بين أن نحترم الإنسان وبين أن نبحث له عن تسمية لطيفة تخفي مفهوم الإعاقة.
وشرحت له أن كلمة الأشخاص ذوو الإعاقة لا تنتقص من الإنسان، وإنما هي التسمية المستخدمة في الإطار الدولي لحقوقه.
لكنه لم يقتنع.
ولم أعتبر ذلك مشكلة.
لأنني أدركت شيئاً مهماً:
حتى نحن الأشخاص ذوو الإعاقة يمكن أن نحمل بعض المفاهيم التي صنعها المجتمع من حولنا، ثم ندافع عنها باعتبارها جزءاً من هويتنا.
ولهذا فإن تغيير اللغة لا يحدث بقرار سريع.
إنه يحتاج إلى حوار طويل ووعي وتدرج.
ربما نحتاج إلى أن نعيد الإنسان إلى مقدمة الجملة
لا أعتقد أن القضية في أن نبحث عن أجمل كلمة.
القضية أن نتعلم كيف نتحدث عن الإنسان باحترام ودقة.
نقول:
شخص ذو إعاقة.
شخص ذو إعاقة بصرية.
شخص أصم.
شخص ذو إعاقة حركية.
شخص يستخدم كرسياً متحركاً.
بحسب الحالة والسياق.
وهذا لا يعني أن كل كلمة شعبية تُقال بقصد الإهانة، ولا يعني أن الشخص الذي يستخدم مصطلح ذوي الهمم شخص سيئ أو غير واع.
المسألة أعمق من ذلك.
نحن نحاول أن ننتقل من لغة تنظر إلى الشخص باعتباره عاجزاً أو بطلاً خارقاً، إلى لغة تراه إنساناً كامل الكرامة والحقوق والقدرات.
فالإنسان لا يحتاج إلى لقب جميل حتى نحترمه.
ولا يحتاج إلى أن نصفه بصاحب الهمة حتى نعترف بقدرته.
ولا يحتاج إلى أن نخفي إعاقته خلف كلمة أخرى حتى نحافظ على كرامته.
يكفي أن نراه كما هو.
إنساناً أولاً.
له حقوق.
وله قدرات.
وله نقاط قوة وضعف.
وله أحلام وأخطاء ونجاحات وإخفاقات.
والإعاقة جزء من تجربته.
لكنها ليست كل حكايته.
وهذه في النهاية هي النقطة التي أظن أننا بحاجة إلى أن نتعلمها جميعاً:
أن نغيّر الكلمات، لا من أجل الكلمات نفسها، بل من أجل النظرة التي تقف خلفها.

