رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإنتماء الوطني وحب مصر

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإنتماء الوطني وحب مصر

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

حبا الله سبحانه وتعالى مصر بمنزلة سامية ومكانة عالية خلد الله ذكرها في القرآن الكريم ، كما حباها بموقع جغرافي متميز يربط بين قارات العالم القديم آسيا وإفريقيا و أوروبا عن طريق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر ، هذا فضلا عن نهر النيل الذي يشق أرضها ، ويزهر بساتينها ، ويروي شعبها ..

وقد اختار الله سبحانه وتعالى مصر بالذات لتكون الملجأ الحصين ، الذي شاءت السماء أن يكون واحة السلام والأمان على الدوام وملتقى الأديان السماوية..

وأصل التسمية لمصر أنه : كان لنوح عليه السلام بعد الطوفان أربعة أبناء هم سام وحام ويافث ويام (كنعان) ؛ لذلك فإن المصريين من أصل حامي، أي جدهم الأكبر هو حام بن نوح، أما العرب في الجزيرة العربية فجدهم الأكبر هو سام بن نوح، لذلك فهم من أصل سامي.

أما أصل تسمية مصر بهذا الاسم قيل أنه : يعود لأحد أحفاد النبي نوح عليه السلام، وهو مصرايم بن بنصر بن حام بن نوح الذي سكن مصر بعد الطوفان.

كان لـ “مصرايم” أربعة أبناء، هم قفط وأشمن وأتريب وصا، وترجع تسمية مدينتي قُفط بقنا وأشمون إلي ابني مصرايم قفط وأشمن. لذلك فهما من أقدم مدن مصر مع منف.

اتخذت “مصر” أسماء وألقاب عديدة منها:

أرض الكنانة: وهي الأرض المحفوظة المكنونة كما هو واضح فى فى خريطة مصر الجغرافية

قبطية: نسبة الى قبط بن مصرايم بن حام بن نوح.

ايجيبتوس أو ايجيبت: بعد فتح الإسكندر لها، وتعنى الأرض السمراء، دلالة على خصوبتها وطميها الوفير ، وأم البلاد ، ومهد الحضارات، وغيرها من الأسماء . راجع : حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة الحافظ جلال الدين السيوطي . والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة جمال الدين يوسف بن تغري .

وأخرج ابن عبد الحكم في “فتوح مصر والمغرب” أن نوحًا عليه السلام قال لحفيده مصرايم حينما أجاب دعوته: “اللهم إنه قد أجاب دعوتي؛ فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة، التي هي أم البلاد، وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم، وقوهم عليها”.

♦♦♦

مصر في القرآن الكريم

إننا نتحدث اليوم عن مصر أم البلاد ، وغوث العباد ، التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في خمسة مواضع بالتصريح ، وأكثر من ثلاثين موضعا بالتلمحيح .

أولا : ما جاء بالتصريح وكلها جاءت في معرض المدح ، حتى ما جاء فيها بأن فرعون يتفاخر بأن له ملك مصر .

١- قال تعالى في سورة يوسف:

قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [يوسف:21]..

٢- و قال تعالى:

{ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99].

٣-وقوله جل شأنه : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس:87].

٤-وقال تعالى: { وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } .

سورة الزخرف/٥١ .

٥-أما قوله تعالى: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ… [البقرة:61]، فقد اختلف مفسروا هذا الموضع في معناه، فذهب بعضهم إلى أن المقصود اهبطوا مصراً من تلك الأمصار .

وقال بعضهم المراد بها مصر في عهد فرعون وزمن موسى عليه السلام .

قال القرطبي: “قال مجاهد وغيره: فمن صرفها أراد مصراً من الأمصار غير معين، وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله (اهبطوا مصراً) قال: مصراً من الأمصار. انتهى.

ومن أدلتهم أن ظاهر القرآن دل على أن الله أمرهم بدخول القرية وقد كانت إقامتهم بعد فترة التيه ببلاد الشام، وذهب آخرون إلى أن المقصود بمصر في هذه الآية مصر فرعون وهي مصر الموجودة الآن”

فإذا قرأت مصرا منونة فإنهم عنوا بها ” مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه . فتأويله -على قراءتهم-: اهبطوا مصرا من الأمصار ؛ لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنما يكون في القرى والأمصار ، فإن لكم -إذا هبطتموه- ما سألتم من العيش . وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين ، كان تأويل الكلام عنده:

” اهبطوا مصرا ” البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي” مصر ” التي خرجوا عنها . غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف ؛ لأن في المصحف ألفا ثابتة في” مصر ” ، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان: 15-16] منونة اتباعا منه خط المصحف . وأما الذي لم ينون مصر فإنه لا شك أنه عنى : ( مصر )التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها “.

ينظر : تفسير الطبري

ثانيا : ما جاء في القرآن عن مصر تلميحا .

وما ذكر بالتلمحيح والإشارة كثير ومن ذلك

قال (جل وعلا ): (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) [القصص:15]،

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (30)

والمدينة هنا تعني مصر، وقوله -جل وعلا-: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ) [الأعراف:127]،

وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:21] .

والأرض هي أرض مصر

و هي الأرض الطيبة التي قال الله -تعالى- عنها لما طهرها الله من فرعون وقومه: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ).. [الدخان:25-28].

و مصر هي خزائن الأرض، كما حكى القرآن الكريم عن نبي الله يوسف -عليه السلام-: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55].

ولم يذكر الله -تعالى- قصة نهر في القرآن إلا نهر النيل، قال -جل وعلا-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) [القصص:7].

وقد تحدث القرآن الكريم عن الوادي المقدّس طُوى، في سورة طه ، و في أرض طور سيناء بمصر وفيها جبل الطور الذي كلّم الله -تعالى- فيه موسى -عليه السلام-، وهو الجبل الذي تجلّى الله -جل وعلا- له فانْهَدَّ لجلال الرحمن دَكًّا كما جاء في سورة الأعراف .

وعلى أرض مصر ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجر الماء منه، وانشق البحر له، فكان كل فرق كالطود العظيم كما جاء في سورة الشعراء .

وأشار القرآن الكريم لكثرة مدائنها وعظم مساحتها فقال (جل جلاله) : (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) [الشعراء: 53]..

وهذا يدل على كثرة مدنها.

لهذا كله قال عمرو بن العاص (رضي الله عنه): “ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة” .

قال الكندي: “لا يُعلم بلد في أقطار الأرض أثنى الله عليه في القرآن بمثل هذا الثناء، ولا وصَفَه الله بمثل هذا الوصف، ولا شهد له بالكرم، غير مصر”..

إلى آخر هذه المواضع التي سجلت في القرآن الكريم يعلم بها القاصي والداني..

♦♦♦

وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهلها .

فقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يؤكد على علو مكانتها وطيبة شعبها ؛ لذا وصي بها وبأهلها أمته جميعا ودعاهم للإحسان إليهم ، ومن هذه الأحاديث :

عَنْ أَبِي ذَرّ الغفاري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا؛أَوْ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا. “( أخرجه الإمام مسلم ).

ولا يوجد مثل هذه التوصية لأهل بلد آخر ، وهذه مزية خاصة لمصر وأهلها . كما دعاهم إلى ترك التنازع والخلاف ، فقال في

تكملة الحديث “فإذا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ في مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فاخْرُجْ مِنْها. قالَ: فَمَرَّ برَبِيعَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، يَتَنازَعانِ في مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْها “.

وأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يَدورُ على ألْسنةِ أهلِها كثيرًا «القيراطُ»، وهو مِعيارٌ في الوزْنِ والقِياسِ، واختلفَتْ مقاديرُه بِاختلافِ الأزمنةِ، والمعنى: لا يَنفَكُّ مُتعامِلانِ مِن أهلِ مِصرَ عن ذِكرِه غالبًا، ثمَّ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَه رَضيَ اللهُ عنهم أنْ يَستَوصُوا بأهلِها خيرًا وقْتَ أنْ يَتولَّوا حُكمَها؛ بَالإحسانِ إليهم، وبالصَّفحِ والعَفوِ عمَّا يُنكِرونَه، ولا يَحمِلنَّهم سُوءُ أفعالِهم وأقوالِهم على الإساءةِ، ثمَّ بَيَّنَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَبَبَ أمْرِه بذلكَ فقال: فإنَّ لهم «ذِمَّةً»، أي: أمانًا واحترامًا، يَحتمِلُ أنَّ الذِّمَّةَ للرَّحمِ وللصِّهرِ الَّذي سيَأتي ذِكرُه، ويَحتمِلُ أنَّه أراد ذِمَّةَ العهدِ الَّتي دَخَلوا بها في ذِمَّةِ الإسلامِ أيَّامَ عُمرَ؛ فإنَّ مِصرَ فُتِحَت صُلحًا إلَّا الإسكندريَّةَ، ثمَّ ذَكَر أنَّ لهم أيضًا «رَحِمًا»، وفي رِوايةٍ أُخرى لمسْلمٍ قال: «وصِهرًا»؛ فالرَّحمُ لكونِ هاجرَ أُمِّ إسماعيلَ منهم، وأمَّا الصِّهرُ فلِكونِ ماريةَ أُمِّ إبراهيمَ ابنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منهم . ينظر الدرر السنية ، وشرح الإمام النووي لصحيح الإمام مسلم رضي الله عنهما .

**وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام بأقباط مصر وبجندها ، فقال كما جاء في معجم الإمام الطبراني : «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ». قال الحافظ الهيثمي في “مجمع الزوائد” رجاله رجال الصحيح .

وقال في خطبة سيدنا عمرو بن العاص عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ – يقول: «إذَا فتحَ اللهُ عليكُم مصرَ بعدِي، فاتخِذُوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجندُ خيرُ أجنادِ الأرضِ، فقال له أبو بكرٍ: ولم ذلك يا رسولَ اللهِ ؟ قال: إنَّهُم في رباطٍ إلى يومِ القيامةِ» .

رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن عساكر في تاريخ دمشق ، ثم ذكر أن في سنده الأسود بن مالك الحميري مجهول ، وسنده به ضعف.

أما نيلها فقد تحدث النبي عليه الصلاة والسلام عنه ، وبين بركته وفضله .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ”.( أخرجه الإمام مسلم).

قال الإمام النووي – رحمه الله -:” وأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة فقد يكون التأويل معنويا أي أنها أنهار مباركة وضع الله فيها الخير والبركة لأهلها .

أو ماديا محسوسا ” .

إن أصل النهرين في الجنة ، وعند نزول المطر المنهمر من السماء على منابع النهرين العظيمين فإنه يجري بأمر الله تعالى ، وفق ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام في السماء في رحلة المعراج .

ووفق ما جاء عن قيس بن الحجاج ، عمن حدثه قال : لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص – حين دخل بؤنة من أشهر

العجم – فقالوا : أيها الأمير ، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها . قال : وما ذاك ؟ قالوا : إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر ، عمدنا إلى جارية بكر من أبويها ، فأرضينا أبويها ، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل . فقال لهم عمرو : إن هذا مما لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما قبله . قال : فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا ، حتى هموا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي ، فألقها في النيل . فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها : من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر ، أما بعد ، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك ، فنسأل الله تعالى أن يجريك . قال : فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت ، وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة ، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم . ينظر البداية والنهاية للحافظ ابن كثير .

♦♦♦

دور مصر عبر التاريخ .

إن لمصر دورها الحضاري والتاريخي والديني حيث كانت المكان الذي احتضن الأنبياء، والأرض التي سارت خطواتهم عليها، فجاء إليها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام وتزوج من السيدة هاجر، وجاء إليها يوسف عليه السلام وأصبح فيها رئيسا للوزراء وتبعه إليها أبوه يعقوب وأولاده (بنو إسرائيل عليه السلام)، ودار أعظم حوار بين الله عز وجل وموسى عليه السلام على أرضها، وتحديدا على جبل طور سيناء ، وإلى مصر لجأت عائلة السيدة مريم العذراء ، وسيدنا عيسى عليه السلام ، وكان طفلاً صغيراً ، ويوسف النجار وكان رجلا صالحا ، وقاموا برحلة تاريخية مباركة في أرضها.. لقد تتابعت على أرض مصر حضارات متعددة فكانت مصر مهدا للحضارات الفرعونية، و الإغريقية والرومانية و القبطية، و حاضنة حامية للحضارة الإسلامية ومنقذة في الأزمات .

ففي عام الرمادة حصل القحْط، ومات الزَّرْع، وقلَّتِ اللقمة، ونزر الكلام، وكفَّ السائلون عن السؤال، وهزلتِ المواشي، فكان الرجل يذبح الشاةَ فيعافها مِن قُبْحها ، في أيام خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حصلتْ مجاعة ما عرفتْها العرب في أيَّامها؛ حتى كان الرجلُ القويُّ يتلوَّى بيْن أهله من شدَّة المخمصة، ومات كثيرٌ من الأطفال والنِّساء في تلك السَّنة ، وتوجه أهلُ البادية إلى المدينة، لعلَّهم يجدون عندَ الخليفة ما يسدُّ حاجتهم ، ويُسكت بطونَهم ، وكانت أعدادهم تزيد على ستِّين ألفًا، وبقوا شهوراً عدَّة، ليس لهم طعامٌ إلا ما يُقدَّم لهم من بيت مال المسلمين، أو مِن أهل المدينة آنذاك .

وخطَب في الناسَ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام الرمادة، حتى سَمعتِ الرعية صوت الجوع من بطنه، فطعن بطنه بيده ، وقال: “قرقِرْ أو لا تقرقِر، والله لا تشبع حتى يشبعَ أطفالُ المسلمين” موقع قصة الإسلام للسرجاني .

وكان الجوع والفقر يحاصر المسلمين من كل مكان ، فكتب أمير المؤمنين إلى سيدنا عمرو ابن العاص في مصر» واغوثاه..واغوثاه.. واغوثاه «فقال عمرو بن العاص والله لأرسلن له قافله من الأرزاق أولها في المدينة وآخرها عندي في مصر»

بعد أن استنفذ بيت المال ولم تنته الأزمة كاتب عمر الأمصار طالباً العون فجاءه المدد من أبي عبيدة عامر بن الجراح ومن أبي موسى الأشعري، فأرسل إليه عمرو بن العاص بألف بعير تحمل الدقيق، وبعث في البحر بعشرين سفينة تحمل الدهن، وبعث إليه بخمسةِ آلاف كِساء، وأرسل إلى سعد بن أبي وقاص فأرسل له بثلاثةِ آلاف بعير تحمل الدقيق، وبعث إليه بثلاثةِ ألاف عباءة، وأرسل إلى والي الشام فبعث إليه بألفي بعير تحمل الزاد، وما حدث في عام المجاعة واستغاثة سيدنا عمر بن الخطاب بوالي مصر وسائر الامصار ، ونحوُ ذلك مما حصل من مواساة المسلمين لبعضهم أوردها الحافظ ابن كثير البداية والنهاية للحافظ ج٧ /ص١٠٣ .

وهي أم البلاد، موطن العُباد، قهرت قاهرتها الأمم، ووصلت بركاتها إلى العرب والعجم ، وهي بلاد كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة، فكم لمصر وأهلها من فضائل ومزايا! وكم لها من تاريخ في الإسلام وخفايا! منذ أن وطئتها أقدام الأنبياء الطاهرين، ومشت عليها أقدام المرسلين المكرمين، والصحابة المجاهدين.

فإن عمر -رضي الله عنه- أرسل إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة، فصُنعت الكسوة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- وظلت كسوة الكعبة تصنع هناك، ولم يتوقف ذلك إلا قبل قرابة المائة سنة.

وفي مواسم الحج والعمرة فإن البعثة الطبية المصرية والدينية كانت في الحج لسنوات طويلة هي أبرز ما ينفع الحجاج في علاجهم، وأمور دينهم يأتون من أقطار الدنيا لأجل أن يلتقوا بهذه البعثة المصرية. كما أن دورها في الدفاع عن فلسطين وقضايا الأمة لا يخفى على أحد على مدار تاريخها، فصلاح الدين أقام بمصر، وكثير من قواده منها، وأبرز المعارك مع اليهود قادها مصريون .

ولقد اتسم شعب مصر على طول التاريخ بالحب والتسامح والود والكرم الذي تميز به هذا الشعب حيث امتزج أبناء مصر في نسيج واحد متين .

♦
♦
♦

♦♦♦

أعلام عظام سكنوا مصر .

أما من كان بها من الصحابة؛ فقد ذكر أهل العلم والتاريخ والرواية أنه دخل مصر في فتحها كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام .

قال يزيد بن أبي حبيب: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع يعني: جامع عمرو بن العاص صاحب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وهو أول جامع بني في قارة إفريقيا، وقد ضبط قبلته جماعة من الصحابة قدروا بثمانين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اجتمعوا عنده وقت بنائه وقدروا القبلة فوجهوه إليها ، وكان منهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر وأبو ذر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم.

وكثير من الصحابة دفنوا بمصر في مقابر القرافة ، أو في قرية البهنسا بصعيد مصر ، والتي يطلق عليها البقيع الثاني لكثرة من دفن فيها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

جدير بالذكر أن : عندنا بجوار مدينة طنطا طريق المحلة الكبرى وتحديدا بقرية صفط تراب ، قبر الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن الحارث الزبيدي (رضي الله عنه) ، آخر من توفي من الصحابة بمصر ، وكان قد أقطعه سيدنا عمر بن العاص صفط تراب فعاش ودفن بها .

يذكر الإمام الذهبي في كتابه “سير أعلام النبلاء” أن الصحابي الجليل عبد الله بن الحارث كان أخر من توفى من الصحابة في مصر، فقال: “مات بقرية سفط أبي تراب و التى تسمى حاليا بصفط تراب من أسفل مصر في سنة ست وثمانين ، ..وقبره في صفط تراب في محافظة الغربية، وهو آخر الصحابة بمصر موتاً”.

وقد قدر الإمام السيوطي عدد من دخلها وعاش ودفن بها من الصحابة والتابعين ما يزيد على نصف الالف (أكثر من خمسمائة صحابي جليل).

**مصر الأزهر الشريف حفظه الله .

وعند المصريين جامع الأزهر الذي له الفضل المشهور، والعلم المنثور، منذ ما يزيد على الألف عام ، كعبة العلم ، ومنهل العلماء ، العُباد فيه قائمون، والزوار إليه وافدون..

قُمْ في فَمِ الدنيا وحيِّ الأزهرَا وانثُرْ على سَمعِ الزمانِ الجوهرَا

واجعلْ مكانَ الدرِّ إن فصَّلتَهُ في مدحِه خَرَزَ السماءِ النيِّرَا

واذكُرْه بعد المَسجدَينِ مُعظِّمًا لمساجدِ الله الثلاثة مُكبِرَا .

واخشع مَليًّا واقضِ حقَّ أئمَّةٍ طلعوا به زُهْرًا وماجوا أبحُرَا

كانوا أجلَّ من الملوكِ جلالةً وأعزَّ سلطانًا وأفخمَ مَظهرَا.

إن مصر حفظها الله قادت الأمة الإسلامية أكثر من خمس وستين ومائتي سنة، ظلّت الخلافة في مصر منذ انقطاع الخلافة من بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة للهجرة إلى انتقال الخلافة إلى العثمانيين عام تسعمائة أربعة وعشرين ..

وهذا يعقوب -عليه السلام- دخلها مع أبنائه الأنبياء، وفيها توفوا ودفنوا، وهذا يوسف -عليه السلام- سكن مصر وحكمها وتوفي ودفن فيها، وهذان موسى وهارون -عليهما السلام- ولدا في مصر وعاشا فيها، وهذا يوشع بن نون ولد في مصر وعاش فيها، وهذا الخضر، وهذا أيوب -عليهم أفضل الصلاة والسلام- كلهم دخلوا مصر، ومنهم من مات فيها.

ومن المصريين السحَرة الذين ذكر الله -تعالى- قصتهم لما آمنوا وصدقوا، وكانوا في أول النهار سحرة فجرة، وصاروا في آخر النهار شهداء بررة، إنها بلاد الأبطال!

وفي مصر ولد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز (رحمه الله تعالى) وكان والده واليا على مصر ..

ومؤمن آل فرعون ، أو حزقيل بن صبورا، هو من آل فرعون وفق ما جاء في القرآن الكريم (أي مصريا من عشيرته) .

وينقل الطبرسي في (مجمع البيان) عن السدي ومقاتل بن سليمان أنهما قالا: ” كان ابن عم فرعون، وكان أول من أمن بموسى، ولكنه كان يكتم إيمانه ، وقد أنزل الله تعالى في إيمانه آيات بينات في سورة قد سميت بسورة المؤمن (غافر)نسبة إليه وفيها يقول الله تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ)؛ فهو من السابقين إلى الإيمان من قوم موسى عاش في آل فرعون، ولم يكن يؤول أمرُه إليه، بلْ آل إلى ربِّه بالطاعة ، فآمن بالله ربَّاً، وكفر بفرعون .

ويكيبيديا الموسوعة الحرة

قال الحافظ ابن كثير: المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون، قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام، واختاره ابن جرير ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً ؛ لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً ؛ لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم ، وقال ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون والذي قال: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ .القصص / ٢٠. والآثر رواه ابن أبي حاتم . .

وقد دخلها جمهرة من التابعين انتشر علمهم وفضلهم في مصر ، منهم : الليث بن سعد وهو إمام المصريين، الذي قيل عنه: إنه كان أعلم رجال عصره، ومهم القارئ “ورش” ،

و أكثر أهل إفريقيا وبلاد المغرب العربي يقرؤون بقراءة هذا المصري .

وكما قيل في حقبة زمنية معينة نزل القرآن في الحجاز ، وقرأ بمصر ، وطبع في استنابول .

ومن العلماء الأعلام أيضا الإمام المحدث عبد الله بن لهيعة، ومنهم الإمام الشافعي الذي عاش وانتشر مذهبه الجديد بمصر، وله طلاب مصريون كثيرون، ومنهم سعيد بن كثير وكان إمامًا عالمًا، ومنهم عبد الملك بن هشام صاحب السيرة النبوية المشهورة، ومنهم الإمام الطحاوي الذي ألّف العقيدة الطحاوية التي تدرسها بعض الجامعات الإسلامية ومنهم الإمام ابن النحاس، ومنهم القاضي عبد الوهاب المالكي، ومنهم شيخ الحنابلة الحافظ عبد الغني المقدسي .

ومنهم سلطان العلماء البطل العز بن عبد السلام، ومنهم “ابن خلكان” صاحب وفيات الأعيان، ومنهم القارئ العظيم الإمام “الشاطبي” الذي ألف منظومة في ألف بيت في تلاوة القرآن وقراءته، والذي نقل عنه :

جـزى الله بالخيـرات عنـّا أئمّةً *** لنا نقلوا القرآن عذبًا وسلسلاً .

ومن المصريين صاحب مؤلف كتاب الترغيب والترهيب الحافظ عبد العظيم المنذري، ومن المصريين الإمام القرافي ، ومنهم الإمام الهيثمي صاحب كتاب مجمع الزوائد، ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي ألّف فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ومنهم محمود العيني الذي ألف عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، ومنهم المقريزي، ومنهم صاحب كتاب تفسير الجلالين الإمام جلال الدين المحلي الذي أتمه بعد ذلك الإمام السيوطي وكلاهما مصري، ومنهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ومنهم الشيخ أحمد الدردير وكان عابدًا عالمًا صالحًا صاحب القول الشهير لرسول الوالي في عصره ؛ لما عرض عليه صرة المال ” إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه”.

أما أبطال مصر ومجاهدوها فالكلام عنهم يطول، فكثير من الابطال كانوا مع صلاح الدين الأيوبي ، ودورهم في رد حملات الصليبين لا يخفى على قاريء التاريخ .

اسألوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليسوا يدرون الخبر .

لن ينسى التاريخ أبدًا أبطال مصر الذين ردوا الحملة الصليبية التي قادها ملك فرنسا واستولى على دمياط، فكمن له الأبطال في مصر وأذاقوه سوء العذاب، وأبادوا جيشه المقدر بعشرات الآلاف، ثم حبسوه في دار ابن لقمان في مدينة المنصورة مقيدًا .

قف أيها التاريخ سجل صفحة***

غراء تنطق بالخلود الكامل .

ومن المصريين الأبطال سلطان المماليك قطز، وهو الذي قاد أبطال معركة عين جالوت، ورد همجية التتار عن مصر ، وعن العالم الإسلامي ، وهزموهم هزيمة ساحقة ، تكتب في التاريخ بأحرف من نور ، ومن المصريين الأبطال ضباط وجنود شاركوا في حروب فلسطين والعدوان الثلاثي ، ومجابهة المستعمرين ونضالهم ، والعاشر من رمضان و غيرها من الوقائع .

مَن شاهَدَ الأرْضَ وأَقْطَارَها ***والنَّاسَ أنـواعًا وأجناسًا

ولا رأى مصْـرًا ولا أهلها

**فما رأى الدنيا ولا الناسَ

ولهذا قيل :

قَارَنْتُ مِصْـرَ بِغَيْـرِهَا فَتَـدَلَّلَتْ *** وَعَجَزْتُ أَنْ أَحْظَـىَ لَهَـا بِمَثِيْلِ

هَذِيْ الْحَضَارَةُ مُعْجِزَاتٌ فيِ الوَرَىَ *** عَقِمَ الزَّمَـانُ بِمِثْلِهَـا كَبَدِيْـلِ

رَفَعَ الإِلَـهُ مَقَـامَهـَا وَأَجَـلَّـهُ *** فِيْ الذِّكْرِ وَالتَّـوْرَاةِ وَالإِنْجِـيْلِ

جَاؤوا بِيُوْسُفَ مِنْ غَيَـاهِبِ ظُلْمَةٍ *** أَرْضَ العَزِيْزِ فَكَانَ خَيْـرَ نَزِيْـلِ

والنِّيلُ يَتْبَـعُ وَحْـيَ مُنْشِئِ قَطْـرِهِ *** كَالطَّيْرِ حِيْنَ الوَحْيِ عَامَ الفِيْـلِ

فـيِ طُـوْرِ سَيْنَاءٍ تَجَلَّـىَ رَبّـُنَا *** فـوْقَ الكَلِيْـمِ بِـأَوَّلِ التَّنْزِيـلِ

وَكَذَا البَتُـولُ أَتَـتْ لِمِصْرٍ بِابْنِهَا *** تَبْغِي الأَمَـانَ وَتَحْتَـمِي بِمَقِـيلِ

يَكْفِيْكِ يَـا أَرْضَ الـكِنَانةِ هَاجَرٌ *** مِيلِى بِتـِيهٍ يَــا كِنَانَـةُ مِيلـِي

يا (أُمَّ إِسْمَاعِيْلَ) وَصْلُـكِ وَاجِبٌ *** مَنْ عَقَّ مِصْـرَ فَقَـدْ أَتَـىَ بِجَلِيلِ

هَـذِيْ عِنَايَةُ قَـادِرٍ خُصَّـتْ بِهَا *** مِصْرٌ لِتَبْقَـى مَوْضِـعَ التَّفْضِـيلِ

بُـوْرِكْـتِ مِصْـرُ فَلاَ أَرَانِيَ بَالِغًا *** حَقَّ الْمَدِيحِ وَإِنْ جَهَدْتُ سَبِيلِي

يَا مِصْرُ يَرْعَاكِ الإِلَـهُ كَمـَا رَعَىَ *** تَنْـزِيلَهُ مِـنْ عَـابِثٍ وَدَخِـيْلِ .

ينظر: ملتقى الخطباء الشيخ محمد بن عبدالرحمن العريفي .

وينظر : ( مقالات فضائل مصر ومزايا أهلها – د / محمد موسى الشريف ) .

♦
♦
♦

♦♦♦

أما عن خيرات مصر وأرزاقها ، فقد قال سعيد بن أبي هلال: مصر أم البلاد، وغوث العباد. وذكر أن مصر مصورة في كتب الأوائل، وسائر المدن مادة أيديها إليها تستطعمها. وأجمع أهل المعرفة: أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها، ويطلبون الرزق بها، وأهلها لا يطلبون الرزق في غيرها!! قال الجاحظ: إن أهلها يستغنون عن كل بلد حتى لو ضُرب بينها وبين بلاد الدنيا سور لغنيَ أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا. ( ينظر : حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة؛ للإمام السيوطي)

وأما عن البساتين والأشجار التي على نهر النيل:

” فكانت البساتين بحافتي النيل من أوله إلى آخره ما بين أسوان إلى رشيد لا تنقطع، ولقد كانت المرأة تخرج حاسرة ولا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر، ولقد كانت المرأة تضع المِكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط به من الشجر “. ( مقالات فضائل مصر ومزايا أهلها – د / محمد موسى الشريف )

وأما عن عسلها: فقد أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم منه فقال من أين هذا؟ فقيل له من منطقة بمصر يقال لها بنها، فقال:

” اللهم بارك في بنها وفي عسلها ” فعسلها إلى يومنا هذا خير عسل مصر. ( فضائل مصر المحروسة – الكندي)

مصر خزانة الأرض كلها، قال الله تعالى حكاية عن نبي الله يوسف عليه السلام: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }(يوسف/55).

[قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: مصر أخصب بلاد الله، وسماها الله تعالى بمصر وهي هذه دون غيرها، ومن أسمائها أم البلاد، والأرض المباركة، وغوث العباد، وأم خنور، وتفسيره: النعمة الكثيرة، وذلك لما فيها من الخيرات التي لا توجد في غيرها، وساكنها لا يخلو من خير يدر عليه فيها، فكأنها البقرة الحلوب النافعة] اهـ.

وقد مُسحت أرض مصر أيام ولاية هشام بن عبد الملك فوجدوا أن ما يصله الماء منها مائة مليون فدان، ومسح أحمد بن المدبر أرض مصر فوجد أن ما يصلح منها للزرع 24 مليون فدان سوى ما تلف أو غلبت عليه الصحراء .

قال ربنا في أوائل قصة يوسف: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ } ، فافتتح القصة بالبيع والشراء ، ثم بين الله حكمته باقتصاد أهل مصر بأن ألقى على ملكهم رؤيا منام تُحذره من نكبة اقتصادية ، ثم امتن الله عليهم بتعبير يوسف عليه السلام ، فرسم لهم يوسف خطة اقتصادية تمتد لخمس عشرة سنة ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) هذه الخطة الاقتصادية المحكمة أنقذت البلاد ، ورفعت اقتصادها ، وجعلت مصر ملاذاً للمحتاجين من سائر البلدان ، فجاء إخوة يوسف من الشام يطلبون العون والطعام ، وازدحمت مصر بطلاب الحاجات ، واستوعبتهم .

فيا أخوة الإسلام أين هذه الخيرات والبركات ، لقد أصابنا ما أصابنا بسبب ذنوبنا! وفي الأثر الصحيح عن سيدنا علي بن أبي طالب “ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة”

قال تعالى: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)} سورة آل عمران .

وقال تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: 41)

واجبنا نحو مصر

التخطيط الجيد والتعاون :

إن التخطيط الصحيح للاقتصاد ، والحرص على نفع العباد ، والشعور بالجسد الواحد ، والتعاون على حفظ مقدرات الدولة وثرواتها ، هو سنة أبيكم يوسف عليه السلام ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ..

والعجب أن يوسف عليه السلام نسي ما لقيه من سجن وأذى ، ولم يتعامل مع الدولة تعامل الحاقد عليها ، الراغب في الانتقام منها ، ولكن هضم حق نفسه ، وبدأ صفحة جديدة ، مع المجتمع كله ، حتى مع العزيز وزوجته .. وكأنك تسمعه يقول لمن يلقونه {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} ..نعم أنتم شركاء في الوطن ..

حماية عقول الشباب من الشبهات والانحرفات ..

علينا أن نحفظ عقول الشباب من الأفكار المتطرفة والمفاهيم العفنة، التي تشبعت بها أفكارهم، فصاروا يفسدون في الأرض وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؛ وإن مما يذهب أمن الناس انتشار المفاهيم الخاطئة حيال نصوص القرآن والسنة، وعدم فهمهما بفهم السلف الصالح، وهل كُفِّر الناس وأريقت الدماء وقُتل الأبرياء وفُجِّرت البقاع إلا بهذه المفاهيم المنكوسة؟!.

العودة إلى منهاج النبي وصحابته .

فهل يعود الشباب إلى منهاج الأجداد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .

نسأل الله (جل في علاه) أن يحفظ مصر وجميع بلاد المسلمين وأن يجعل هذا البلد أمناً آمانا سلما سلاما ، سخاءً رخاءً ، كما نسأله سبحانه وتعالى الله تعالى أن يصب علينا الخير صبًّا، ولا يجعل عيشنا كدًّا .

اللهم اجعل لأهلها من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا وارزقنا من حيث لا نحتسب وجميع بلاد المسلمين وانصر عبادك المستضعفين في كل مكان يارب العالمين..